صبري موسى.. عاشق البعيد

صبري موسى

أسامة كمال  أبوزيد

حين أتأمل سيرة صبري موسى، لا أراه موزعا بين الصحافة والرواية والرحلة والسينما، بقدر ما أراه خيطا واحدا ممتدا نحو البعيد. كأن الرجل، منذ ولد في دمياط في 19 فبراير 1932، كان يحمل في داخله رغبة قديمة في مغادرة المألوف، والنظر إلى ما وراء الأفق، والذهاب دائما إلى المكان الذي لم تطأه قدماه بعد.

بدأ مدرسا للرسم، ولم يمكث في المهنة سوى عام واحد. ربما اكتشف مبكرا أن اللوحة التي يريد رسمها أكبر من جدران المدرسة، وأن الخط واللون لا يكفيان وحدهما لرسم العالم. فذهب إلى الصحافة، وبدأ بجريدة الجمهورية، ثم انتقل إلى مؤسسة روز اليوسف كاتبا متفرغا، وهناك اتسعت تجربته، فكتب وأصدر «الغداء مع آلهة الصيد»، وراح ينثر مئات المقالات في «صباح الخير».

وحين وصل إلى موقع المسؤولية، لم تتحول الصحافة عنده إلى مكتب مغلق، ولم يفقد دهشته الأولى. ظل قريبا من المواهب الجديدة، يمد يده إلى الكاتب الشاب، ويفتح له نافذة على النشر والانتماء. كأن اكتشافه للبعيد في الجغرافيا كان يقابله اكتشاف آخر للبعيد في البشر؛ أولئك الذين لم يجدوا بعد من يراهم.

في أوائل الستينات، بينما كانت مصر تحلم بتغيير مجرى النهر وبناء المستقبل، كان صبري موسى مشغولا بتغيير مجرى الرؤية. خرج إلى الصحراء الغربية، لكنها لم تكن محطته الأخيرة. وفي مارس 1963 قصد الصحراء الشرقية في رحلة لم يكن يفترض أن تتجاوز أسبوعين، فإذا بالأسبوعين يصبحان سبعة وعشرين أسبوعا.

هناك، بين سلاسل الجبال الممتدة من وراء السويس إلى البحر الأحمر حتى حدود السودان، اكتشف عالما مصريا لا يعرفه كثيرون. اقترب من القبائل التي عاشت طويلا على تخوم التاريخ، ورأى في حياتها بقايا طبقات متراكمة من الذاكرة المصرية، من الفرعوني والقبطي إلى الإسلامي، وسمع حكايات وأساطير عن الجد الأول، وعن الأرواح التي تسكن الصخور، وعن أرض تختزن ما نسيه الناس.

ورأى أيضا مناجم الذهب التي غطاها النسيان.

لم يعد صبري موسى من الصحراء ومعه دفتر ملاحظات فقط، وإنما عاد وفي يده اكتشاف. كتب «في الصحراء»، فبدت الرحلة في كتابه أكبر من جغرافيا المكان؛ بدت كشفا عن مصر أخرى، كانت تعيش بعيدا عن عين المدينة.

وكان للكلمة أثرها. فقد لفت ما كتبه الانتباه إلى تلك المناطق، وتبع ذلك اهتمام رسمي بها، وأرسلت البعثات الطبية والتعليمية، وبدأت ملامح جديدة تظهر في تلك البقاع من قرى ومدارس ومستشفيات.

وهنا ربما تكمن واحدة من أجمل وظائف الأدب: أن يذهب الكاتب إلى مكان بعيد، ثم يعود منه بما يجعل المكان أقرب إلينا.

من تلك الرحلة خرجت واحدة من أهم روايات صبري موسى: «فساد الأمكنة»، الرواية التي أصبحت علامة في أدب الصحراء، وأحد النصوص المؤسسة لهذا اللون من الكتابة.

في الرواية يذهب نيكولا إلى جبل الدرهيب بحثا عن مكان نقي، وعن فردوس أرضي يستطيع فيه أن يبدأ من جديد، متوهما أن المكان قادر على أن يمنح الإنسان فرصة للخلاص من ماضيه. لكن الصحراء لا تمنح خلاصا سهلا.

فالإنسان يحمل فساده معه، أينما ذهب. وما يهرب منه في المدينة قد ينتظره في الجبل، وما يظنه خلاصا في المكان قد يتحول إلى امتحان للروح.

من هنا تتحول الصحراء عند صبري موسى من مجرد خلفية للأحداث إلى كائن حي، يختبر الإنسان ويكشفه. وتتجاور في الرواية الواقعية مع السحر، والمكان مع الأسطورة، والحكاية مع الأسئلة الكبرى عن الإنسان والطبيعة والمصير.

ولذلك لم تبق «فساد الأمكنة» محصورة في حدود المكان الذي كتبت عنه، بل عبرت إلى لغات أخرى، وترجمت إلى الإنجليزية والصينية، ليجد قارئ بعيد في صحراء مصر شيئا من صحرائه الداخلية هو الآخر.

وقبل «فساد الأمكنة»، كان صبري موسى قد كتب عام 1960 «حادث نصف المتر»، وهي رواية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في داخلها دفاعا مبكرا عن اكتمال المرأة وحقها في الاحترام، وعن الإنسان حين يحاول المجتمع أن يختزله في صورة واحدة.

ثم توالت أعماله بين الرواية والقصة القصيرة، فكتب «القميص»، و«وجها لظهر»، و«حكايات صبري موسى»، و«مشروع قتل جارة».

قد تختلف هذه النصوص في الشكل والمناخ، لكنها تلتقي في شيء واحد: الإنسان حين يوضع أمام اختبار حقيقي.

وهذا ربما هو سر الكتابة عند صبري موسى. لم يكن يبحث عن الحكاية لذاتها، وإنما عن الإنسان المختبئ داخل الحكاية، عن ذلك الجزء الذي يظهر حين تضيق المسافة بينه وبين الخوف، أو الوحدة، أو الرغبة، أو المصير.

 كتب الرحلات عنده استراحة بين روايتين. كتب «في البحيرات»، و«رحلتان في باريس واليونان»، و«رحلة النسيان»، وكأنه كان يرى العالم كله مساحة مفتوحة للسؤال.

كان يسافر إلى الأماكن، لكنه في الحقيقة كان يسافر إلى الإنسان.

حتى باريس واليونان لم تكونا مجرد مدينتين أوروبيتين تضافان إلى دفتر الرحلات، بل كان يبحث فيهما عن تلك المسافة الخفية التي تفصل الإنسان عن نفسه، وعن الطريقة التي يصنع بها المكان جزءا من روح من يعيش فيه.

وهنا يصبح عنوان رحلته كلها واضحا: صبري موسى كان عاشقا للبعيد، لكنه لم يكن يسافر كي يهرب من القريب، بل كي يعود إليه بعين جديدة.

وفي عام 1982 كتب «السيد من حقل السبانخ»، وهي تجربة مختلفة وجريئة في الكتابة عن المستقبل. رواية تنظر إلى زمن لم يأت بعد، لكنها تعرف أن المستقبل يبدأ من الحاضر، وأن ما نزرعه اليوم قد يصبح قدرا غدا.

كان صبري موسى يرى أن أدوات الإنسان تتقدم أحيانا أسرع من وعيه بها، وأن الخطر لا يأتي دائما من التكنولوجيا نفسها، وإنما من الإنسان الذي يمتلكها قبل أن يمتلك الوعي الكافي باستخدامها.

هنا يصبح «البعيد» زمنا لا مكانا.

وكأن الرجل الذي أمضى سنوات يبحث في الصحراء عن الأمكنة المجهولة، قرر هذه المرة أن يذهب إلى زمن مجهول، وأن يسأل عما ينتظر الإنسان هناك.

ولم تلق الرواية وقتها ما تستحقه من اهتمام، لكنها ظلت شاهدا على أن صبري موسى لم يكن يحب الأرض الممهدة. كان يفضل دائما أن يذهب إلى المنطقة التي لم يسبقه إليها كثيرون.

ولم تتوقف مغامرة صبري موسى عند حدود الكتاب. ذهب إلى السينما، وكتب «البوسطجي» عن عمل يحيى حقي، و«قنديل أم هاشم»، و«الشيماء»، و«قاهر الظلام»، و«رغبات ممنوعة»، و«أين تخبئون الشمس».

في السينما ظل يبحث عن الشيء نفسه: كيف يمكن للنص الجيد أن يجد طريقه إلى مساحة أوسع من القراء؟

كان يؤمن، فيما يبدو، أن الفن لا يعيش داخل الحدود التي يرسمها له أصحابه. وأن الكاتب الحقيقي لا يكرر نفسه، بل يختبر قدرته على العبور من وسيط إلى آخر، ومن شكل إلى شكل، من دون أن يفقد جوهره.

ولهذا لم تكن السينما عنده قطيعة مع الأدب، وإنما امتدادا طبيعيا له.

حصل صبري موسى على جوائز وأوسمة عدة، بينها جائزة الدولة التشجيعية، وجائزة الدولة التقديرية، ووسام الجمهورية، وجائزة بيجاسوس.

لكن الجوائز، مهما بلغت قيمتها، تبدو في سيرته مثل علامات صغيرة على طريق طويل.

فالذي عاش حياته مفتونا بالبعيد لم يكن يبحث في النهاية عن جائزة أو تكريم، وإنما عن تلك اللحظة التي يشعر فيها أنه وصل إلى شيء لم يكن يعرفه قبل أن يبدأ الرحلة.

ربما لهذا يبدو إنتاجه متنوعا، لكنه ليس متفرقا. الرسم والصحافة والرواية والقصة والرحلة والسينما كلها طرق مختلفة إلى سؤال واحد: كيف يستطيع الإنسان أن يرى العالم، وأن يرى نفسه داخله؟

في 18 يناير 2018، رحل صبري موسى في منزله بالجيزة، عن ستة وثمانين عاما.

رحل الجسد، لكن الرحلة لم تنته.

بقيت الصحراء التي أعاد اكتشافها، وبقيت الرواية التي جعلت المكان بطلا لا خلفية، وبقيت القصص التي اقتربت من المسكوت عنه، وبقيت كتب الرحلات التي جعلت الجغرافيا سؤالا عن الإنسان، وبقيت السينما التي حملت نصوصه ونصوص غيره إلى جمهور أوسع.

وربما لهذا يصعب أن نقول إن صبري موسى كان مجرد كاتب رحلات، أو روائيا، أو صحفيا، أو سيناريست. كان  أبعد من كل هذه التصنيفات.

كان رجلا يعرف أن الحياة تبدأ، أحيانا، حين نغادر ما نعرفه.

وأن البعيد ليس دائما مكانا نذهب إليه، فقد يكون فكرة لم نفكر فيها بعد، أو إنسانا لم نكتشفه، أو زمنا لم يأت، أو جزءا من أرواحنا لم نجرؤ على الاقتراب منه.لهذا ظل صبري موسى، في كل ما كتب وعاش، عاشقا للبعيد. لم يذهب إليه هربا من الحياة، وإنما ذهب ليعود منها بشيء يخصنا جميعا.

وهذه، ربما، هي الرحلة التي لا تنتهي.

 

كاتب وشاعر مصري. من أعماله: لك الموت يا راعى اليمامة 2000 رائحة الغياب 2013 بورسعيد شهادات في الحرب والحب كتابة…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع