“حمَّام” هاندكه.. آخر ملاذ من “حمورية” الناس

بيتر هاندكه

بسمة حسن

في فيلم “الاختيار” لمخرجه يوسف شاهين، يجيب “محمود” بطل العمل عن أحد الأسئلة التي يوجهها له أصدقاؤه، قائلين بصوت حماسي: “والبحر يامحمود؟”، فيرد في وصفه له بحكمة قائلًا: “آخر ملاذ من حمورية الناس”.

في عمله السيَري المختلف غريب الفكرة “عن الخلاء والسكون” (2021م) يعدِّد الكاتب النمساوي بيتر هاندكه (1942م) الحاصل على جائزة نوبل في الآداب عام 2019م -وهو ضمن سلسلة عنعنة للكاتب نفسه ضمَّت “عن التعب” و”عن يوم ناجح” و”عن الموسيقى”- الأماكن التي أمكنه أن يشعر فيها بالراحة والخلوة والسكون بعيدًا عن الناس و”حموريتهم” والتي كان من أبرزها “الحمَّام” أو كما نسميه “بيت الخلاء”، حيث اتخذ منه موضوعًا للتأمل الفلسفي والأدبي.

يصف هاندكه شعوره بعد دخوله حمامًا منعزلًا مظلمًا لم تترامَ إلى مسامعه فيه سوى قطرات الماء وطنين لهمهمات بعيدة لأصوات الناس من الخارج، مشبهًا إياه بإحساسه داخل “غرفة الاعتراف” في الكنيسة والتي كانت تتيح له العزلة والاختلاء بنفسه والابتعاد عن الناس ولو لدقائق معدودة يشعر فيها بالانعتاق والتحرر، ويتخلص فيها من إحساس بالألم يصيبه خلال المكوث مع البشر لبعض الوقت، وهو شعور أدرك تطوره واقترانه بالمعاناة بعد تخطيه مرحلة المراهقة.

هنا تتعدى نظرة هاندكه إلى “الحمَّام” من مجرد فضاء مكاني لقضاء الحاجة إلى فضاء فكري منعزل يستطيع الهروب والاختباء فيه والتأمل في نفسه والعالم من حوله باحثًا فيه عن سكينة مفقودة، لتتطور لديه من مكان مادي لموضوع وإشكالية، متسائلًا: “لماذا ظللت أنبش عن بيوت الخلاء على مدار حياتي، وفي مختلف أنحاء العالم، دون الرغبة في قضاء حاجتي؟ إن لم يكن ذلك نوعًا من الهروب من المجتمع، فهل كان تعبيرًا عن النفور منه؟ هل يمكن أن أسميه سأمًا أو ضجرًا اجتماعيًّا؟”([1]).

وربما هذا يفسر تلك الظاهرة الغريبة التي انتشرت مؤخرًا وهي التقاط الصور الذاتية (السيلفي) أمام مرايا الحمَّامات، وكنت أتساءل ما الذي يمكنه أن يجذب هؤلاء في الحمام تحديدًا لكي يحرصوا على أن يأخذوا داخله صورة، ويمجرد تذكري لهذا الكتاب رأيت أن هذه الظاهرة ربما تتماس مع الفكرة التي طرحها هاندكه في كتابه، وهي إحساس من يقومون بذلك ببعض الخلوة والحرية والخصوصية في اتخاذ وضعية التصوير المناسبة لهم بعيدًا أعين البشر وتطفلهم.

ولا يبعد عن ذلك أيضًا الرغبة التي يشعر بها الموظفون في أعمالهم، والطلاب في مدراسهم، في الهروب دائمًا إلى “الحمَّام” حتى إن لم تكن هناك هناك حاجة ملحَّة لاستخدامه، باعتباره ملاذًا وملجأً يمكنهم فيه تنفس الصعداء بعيدًا عن ضجيج الناس وتطفلاتهم وطلباتهم وضغوطهم.

ولأني أدرى بأفكاري وطبيعة شخصيتي استسغت هذه الفكرة، ولكن هل الأمر نفسه بالنسبة للآخرين؟ هل سيستسيغون هذه الفكرة أيضًا؟ وللإجابة عن هذا السؤال، حرصت على قراءة بعض مراجعات القراء على الكتاب وكانت المفاجأة أنه رغم إجماعهم تقريبًا على غرابة الفكرة وطرافتها، فإنهم وجدوا في هذا الكتاب بعض الألفة والعادية القريبة من حياتهم اليومية.

في هذا الكتاب الصغير في حجمه والعميق في معناه والذي لم يتجاوز الثلاث وستين صفحة، لم يكن “الحمَّام” المكان الوحيد الذي تحدث عنه هاندكه في كتابه، حيث يأخذنا الكاتب في رحلة قصيرة معه يستعرض فيها الأماكن الساكنة التي استطاع الشعور فيها بالأمان بعيدًا عن الناس.

بيت الخلاء كان المكان الرئيسي الذي منح هذا الشعور للكاتب، والذي استلهمه من أحد مشاهد فيلم “كم كان واديَّ مخضرًّا” (1941م) للمخرج الأمريكي جون فورد، حيث البطل الذي كان يجد ملاذه في الحمام هروبًا من الثقل الذي يشعر به مع أسرته.

يحكي هاندكه عن “حمَّام” بيت جده الريفي في سلوفينيا المهمل الذي كان بالكاد يدخل له ضوءَ شمسٍ غير مباشر مُصفَّى، يصفه بأنه ضوء غريب لا يمكنك الشعور به في أي مكان آخر يضيف لهذه الحالة من الصمت والسكون داخل هذا الفضاء المكاني المغلق الصغير، في هذه المرحلة وهي طفولة هاندكه لم يكن يلجأ للحمام بصفته مهربًا ولكنه في تلك الفترة كان  كان مجرد مشاهد أو عين مراقبة.

بعيدًا عن قريته في مدرسته الداخلية، كان شعوره بالاغتراب وبأول دافع للركض وترك الحشود من المدرسين والطلاب للاختباء داخل آخر نقطة مظلمة في المكان، ومن يومها صارت الحمَّامات بمثابة ملاجئ بعيدة عن الناس يشعر فيها بالأمان والسلام، ويجد فيها الائتناس مع الذباب والعناكب والناموس بعيدًا عن أصوات العالم الخارجي، خاصة في تلك الليلة التي قضاها متكورًا على أرضية أحد حمامات محطة قطار.

مكان آخر كان يجد فيه الكاتب ملاذه وهو عيادة المدرسة لدرجة أنه كان يتمنى المرض فقط ليكون بعيدًا عن قاعات المحاضرات، خاصة أنها كانت تطل على فضاء واسع من المساحات الخضراء، وتعددت الأماكن التي شكلت له ملاذًا منحه دفئًا وسكونًا وألفة لم يجدها في العالم الخارجي، كالمخازن الصغيرة ومحطات الترام والحافلات الخالية من البشر ولوحات الإعلانات الضخمة وأكوام القش في المراعي والأكواخ  الخشبية في قلب الحقول الكنائس والمقابر الخالية.

كل تلك الأماكن أطلق عليها هاندكه “ملاذًا” كما أعطاها أسماء أخرى، كالمخبأ والملجأ والمأوى والحجاب والصومعة، وكانت تجسد هذه الأماكن الخالية بالنسبة له مساحة لإطلاق العنان للخيال للفكر والجسد، وعدم الحرج من التحدث مع النفس أحيانًا فقد كان يتحدث مع الملاك الجالس فوق كتفه كما كان يفعل أحد أبطال رواية “انظر إلى البيت أيها الملاك” للكاتب الأمريكي توماس وولف.

الأرض كانت مكانًا باعثًا على الراحة والهدوء للكاتب أيضًا، ليس فقط الإحساس بالراحة بالارتماء عليها ولكن بمجرد النظر إليها، وليس الأرض فقط بل أوراق الشجر والرمال وقضبان القطارات.

عند تأمل فكرة هاندكه سنجدها في الحقيقة سعيًا خلف الشعور بالحرية أيًّا كان هذا المكان، فكل مكان يشعره بالحرية لا يشعر فيه بالانزعاج أو الحصار أو النفور أو الملل هو مكان مقصود حتى ولو لم يذكره في كتابه، وكأنه يريد أن يوصل رسالة مفادها أن كل إنسان في حاجة لمكان خاص يحتمي فيه من صخب المجتمع وضجيجه وضوضائه، يستعيد فيه القدرة على لملمة ذاته.

لقد استحضر هاندكه جميع تلك الأماكن الساكنة التي رست بذاكرته، ورأى أنها قادرة على أن تبعث فيه بعضًا من تأثيرها في أوج الشعور بالاضطراب الذي يضرب أجسامنا وعقولنا بين صفوف الآخرين. وهو يعلنها صراحة في الصفحات الأخيرة من الكتاب أنه سلوك يكشف عن شخصيته غير الاجتماعية، مؤكدًا أنها حقيقة لا يمكن إغفالها تبدأ “في وهلة القيام بفظاظة دون كلمة واحدة، ثم الانسحاب بعيدًا. أما في أثناء التوجه إلى بيت الخلاء تتغير الأوضاع، وتتعدد معاني كل ما هو أحادي المعنى. أتنفس الصعداء عندما أغلق الباب بالترباس، أقول لنفسي: أخيرًا صرت وحدي. وسرعان ما يصبح السكون والخلاء مصدرًا للارتياح”([2]).

وبجانب الفكرة المبتكرة، فالكتاب يتميز بأنه يربط ما هو خاص بالتجربة الإنسانية، فمن خلال سرد الكاتب لذكرياته وتجاربه الشخصية وشبْك ذلك بتساؤلات الوجود والهوية استطاع أن يعبر بمحتوى الكتاب لما هو أعمق من مجرد الحديث عن أماكن خالية، بجانب بيان تأثير المكان في الإنسان حتى ولو بدا تافهًا عابرًا ليخرج بكل هذه التأملات العميقة عن النفس والحياة.

لم يرد هاندكه أن يتناول فكرة عمله بطريقة تقليدية، فرغم اطِّلاعه على الدراسات التاريخية والاجتماعية التي تناولت بيوت الخلاء، فإنه لم يرد أن تكون محورًا مهمًّا في كتابه حيث ارتأى في ذلك تقييدًا لخياله وتهديدًا لسير تتبعه لأثر هذا المكان في نفسه، فتاريخ الحمَّامات وأحجامها وأشكالها وألوانها ومحتوياتها لم تكن المقصد من هذه الخواطر.

ويبدو أنه اكتشف أنه ليس وحيدًا في ذلك، فعندما تبادل أطراف الحديث مع آخرين وسألهم بطريق غير مباشر عن تجاريهم في بيوت الخلاء، حكى أحدهم عن جبينه المتكئ على جدار الحمام في الغربة، وعن أنه كان مخبأ يلجأ إليه أحد المراهقين لتدخين سيجارته، وعن اليتيم في بيت جده الذي كان يقضي ساعات فيه متأملًا ظلال النزلاء في الفندق المقابل وغيرها من القصص.

ويظل الدافع الأهم لهاندكه لكتابة هذه الخواطر هو محاولة الخروج من حالة الصمت التي تتملكه بين الناس، فبينهم يتلاشى لديه الكلام وتختفي الكلمات، فالناس يجعلونه صامتًا ملولًا مبتئسًا، وبمجرد أن يتركهم ولو للحظات يغلق عليه بابه تنتعش بداخله اللغة فتتدفق الكلمات في قلبه ورئته ودمه، والكاتب لا يستطيع أن يعيش دون كلمات.

……………………………..

[1] – “عن الخلاء والسكون”، بيتر هاندكه، دار صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات، 2021م، ص 45.

[2] – “عن الخلاء والسكون”، بيتر هاندكه، دار صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات، 2021م، ص 45.

بسمة حسن

9 مقال
كاتبة مصرية صدر لها: ـ فولكلور الأسفلت.. ألف حكمة من الطريق.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع