القس عيد صلاح
تُسرد الرواية “سيمفونية الرعاة” للروائي الفرنسي لأندريه جيد (1869-1941م) ترجمة دكتور نظمي لوقا عبر مذكرات يكتبها قس بروتستانتي اثناء خدمته وتفاعله مع الأحداث الخاصة بالخدمة الرعوية. تبدأ الأحداث عندما يتكفل القس برعاية فتاة يتيمة وعمياء تُدعى جيرترود، كانت تعيش في عزلة وإهمال تامين لدى امرأة عجوز صماء. يُكرّس القس جهده لتعليم جيرترود وتطوير قدراتها الذهنية والموسيقية، مستعينًا بطرق تربوية ونفسية تدريجية حتى تتحول إلى فتاة بارعة وجميلة. مع نمو جيرترود، يتسلل الحب العاطفي والحسي إلى قلب القس تجاهها، لكنه يغلف هذا الحب بقناع الرحمة المسيحية والرعاية الأبوية. وعندما يعترف ابنه جاك بحبه لجيرترود ورغبته في الزواج منها، يرفض القس ذلك ويمنعه بحجة حماية براءة جيرترود.
تتطور الأحداث عندما تخضع جيرترود لعملية جراحية ناتجة في لوزان تُعيد إليها بصرها. وعقب استرداد بصرها، تصطدم بالواقع الحقيقي، ترى حزن زوجة القس إميلي وتدرك النفاق والنوايا المبطنة، كما تكتشف أنها كانت تحب جاك في الحقيقة لأن شكله يطابق الصورة التي تخيلتها للقس، لكن جاك كان قد اعتنق الكاثوليكية ودخل الدير بسبب رفض والده. تُصاب جيرترود بصدمة روحية ونفسية وتلقي بنفسها في النهر محاولةً الانتحار. وتُنقَذ لفترة وجيزة لتكتشف للقس عن ألمها وحقيقتها على فراش الموت قبل أن تفارق الحياة، تاركةً القس في حالة من الخراب الروحي والعزلة النفسية.
يُمثّل القس في الرواية نموذجًا معقدًا للخداع الذاتي والنفاق الأخلاقي غير الواعي، إذ يُلبس أهواءه الشخصية ثوب الواجب الديني، فيبرر انجذابه العاطفي والجنسي إلى جيرترود باعتباره عملًا من أعمال الإحسان، مستشهدًا بمثل الخروف الضال في الإنجيل، بينما يهمل زوجته وأطفاله ويكرّس اهتمامه للفتاة. كما يمارس انتقائية في تعامله مع النصوص الدينية، فيعلّمها آيات المحبة والفرح والنور، ويتجنب النصوص التي تتناول الخطيئة والنهي، ليُبقيها في حالة من البراءة المصطنعة والوعي المحدود بالعالم. ويتجلى تناقضه بصورة أوضح حين يتدخل لمنع ابنه جاك من الزواج بجيرترود، متذرعًا بحماية ضميرها، في حين تكشف تصرفاته، وفق هذه القراءة، عن غيرة ورغبة في الاستئثار بها. وهكذا، بينما يسعى القس إلى مساعدة جيرترود على استعادة بصرها الجسدي، يبدو عاجزًا عن رؤية حقيقة دوافعه ومواجهة تناقضاته الأخلاقية، فضلًا عن إدراك معاناة زوجته إميلي التي تتحمل بصبر تبعات إهماله، فيتحول العمى في الرواية من حالة جسدية تسعى الشخصية إلى تجاوزها إلى استعارة لعمى أخلاقي يحجب عن الإنسان حقيقة نفسه، حتى تنكشف الهوة بين الصورة الدينية التي يصنعها لنفسه وسلوكه الفعلي.
يحتل النص الديني في رواية سيمفونية الرعاة لأندريه جيد موقعًا محوريًا في تشكيل الصراع النفسي والأخلاقي، فهو ليس مجرد مرجعية لاهوتية يستند إليها القس في فهم العالم، بل أداة ذهنية وتأويلية يعيد من خلالها تشكيل الواقع وتبرير اختياراته. ويتجلى ذلك في استدعائه أمثولة الخروف الضال لتسويغ اهتمامه المتزايد بجيرترود، وتكريس وقته لها على حساب زوجته إميلي وأطفاله، وفي تمييزه بين أقوال المسيح في الأناجيل، التي يربطها بالنور والفرح والمحبة والحرية، ورسائل بولس التي ينظر إليها بوصفها أكثر اتصالًا بالنواهي والوصايا والتشريع. وانطلاقًا من هذا التصور، يمارس القس رقابة انتقائية على ما تقرؤه جيرترود، فيضع بين يديها نصوصًا يراها معززة للبراءة والبهجة الروحية، ويحجب عنها رسائل بولس خشية أن تتأثر بما تتضمنه من حديث عن الخطيئة والناموس.
ولا تكمن الإشكالية هنا في النص الديني ذاته، بل في الطريقة التي يوظفه بها القس، إذ يتحول التأويل إلى وسيلة لإضفاء المشروعية الروحية على دوافعه العاطفية، فيقنع نفسه بأن علاقته بجيرترود لا تتجاوز الإحسان والرعاية. ويتعمق هذا التناقض في سجاله مع ابنه جاك، الذي يواجه تأويلاته بنصوص كتابية أخرى تكشف أن انتقاء بعض الآيات بمعزل عن سياقها قد يقود إلى نتائج متعارضة، وأن النص نفسه يمكن أن يصبح ساحة للصراع بين قراءات مختلفة. وتبلغ هذه الأزمة ذروتها حين تُتاح لجيرترود فرصة الاطلاع على النصوص التي حُجبت عنها، فتبدأ في إعادة النظر في العالم الذي صاغه القس من حولها، وتصطدم رؤيتها الجديدة بما لم تكن تدركه من قبل من آلام الآخرين وتناقضات الحياة.
وهكذا يكشف أندريه جيد عن خطورة تحويل النص الديني إلى بناء مغلق يخدم تصورات صاحبه بدلًا من أن يدفعه إلى فحص ذاته ومساءلة سلوكه، فالتأويل الذي يدّعي حماية البراءة قد يتحول، من دون وعي، إلى وسيلة لحجب الحقيقة، كما أن الخطاب الديني، حين ينفصل عن الصدق مع الذات والمسؤولية تجاه الآخرين، قد يصبح أداة للخداع الذاتي بدلًا من أن يكون طريقًا إلى البصيرة والتحرر.
تحمل رواية ابنة القس عدة رسائل فكرية وأخلاقية عميقة، في مقدمتها خطر الخداع الذاتي حين يتخفّى وراء الخطاب الديني، إذ تكشف كيف يمكن للإنسان أن يبرر أهواءه وأخطاءه بمفردات الواجب والإحسان، فيخدع نفسه قبل أن يخدع الآخرين، وتتحول العاطفة التي لا تواجه دوافعها بصدق إلى مصدر للأذى والمعاناة. وتطرح الرواية، من خلال المفارقة بين العمى الجسدي والعمى الأخلاقي، سؤالًا عن حقيقة البصيرة، فجيرترود، قبل استعادة بصرها، تعيش في عالم محدود المعرفة بتفاصيل الشر، بينما يبدو القس، رغم قدرته على الرؤية، عاجزًا عن إدراك حقيقة دوافعه ومواجهة تناقضاته. ومع انكشاف العالم أمام جيرترود، يتضح أن الجهل بالشر لا يعني غيابه، وأن البراءة القائمة على العزل عن الواقع ليست براءة راسخة، بل بناء هش سرعان ما يتصدع عند الاصطدام بتعقيدات الحياة ومسؤولياتها.
كذلك تكشف الرواية صعوبة الفصل بين المحبة الروحية والرغبة الحسية حين تختلط النوايا وتغيب المصارحة مع الذات، فليست العبرة بما يعلنه الإنسان من مقاصد نبيلة، بل بقدرته على فحص دوافعه ومساءلة سلوكه. ومن ثم، لا ينحصر نقد أورويل في شخص القس بوصفه فردًا، بل يمتد إلى الفجوة التي قد تنشأ بين الخطاب الأخلاقي والممارسة الفعلية، مؤكدًا أن التدين لا يعفي صاحبه من المساءلة، وأن المحبة الحقيقية لا تُقاس بما تدّعيه من تضحية، بل بما تحترمه من كرامة الآخرين وحقوقهم وحريتهم.
فشل القس في الموازنة بين واجبه الرعوي ومشاعره لأنه استبدل بالأمانة الروحية الخداع الذاتي، فعوضاً عن وضع حدود أخلاقية صارمة تحمي دوره كمرشد يحمي فتاة ضعيفة ومحرومة من البصر، سمح للتعاطف الإنساني أن يتسلل تدريجياً ليتحول إلى تعلق عاطفي ورغبة أنانية في امتلاكها، والأخطر من ذلك أنه لم يتوقف لمراجعة نفسه، بل وظف النصوص الدينية وسلطته الروحية لتبرير هذا الميل العاطفي وإلباسه ثوب “المحبة الطاهرة”، ليفقد بذلك بصيرته ويتخلى تدريجياً عن مسؤوليته تجاه رعيته وأسرته، محولاً دور الراعي الحامي إلى طرف متورط في علاقة مشوهة أنهت كل توازن بين واجبه الإيماني وعواطفه الشخصية.
تقدم رواية سيمفونية الرعاة لأندريه جيد رسالة مهمة لكل العاملين في حقل الخدمة الدينية، مفادها أن التعاطف مع الآخرين، مهما كان نبيلًا، يحتاج إلى وعي بالحدود الفاصلة بين الرعاية الروحية والتعلق العاطفي، وبين المحبة الإنسانية والوقوع في الحب. فليس كل شعور يبدأ بالرغبة في المساعدة يظل محصورًا في حدود الخدمة، وقد يجد الإنسان نفسه، من دون وعي، مدفوعًا بمشاعر تتجاوز رسالته، ثم يلجأ إلى تبريرها بمفردات الواجب الديني والإحسان.
وتلفت الرواية الانتباه أيضًا إلى أن مسؤولية رجل الدين لا تنحصر في خدمته للآخرين، بل تشمل بيته وأسرته، وفي مقدمتها زوجته التي لها حق أصيل في المحبة والاهتمام والمشاركة الوجدانية، فلا ينبغي أن تتحول الخدمة إلى مبرر لإهمال الأسرة، أو أن يُمنح الآخرون من الوقت والاهتمام ما يُحرم منه أقرب الناس إليه. إن خدمة الناس فضيلة، لكنها تحتاج إلى حكمة وحدود واضحة، وإلى صدق مع النفس ومراجعة مستمرة للدوافع، حتى لا تختلط الرعاية بالرغبة الشخصية، ولا يتحول الواجب المقدس إلى غطاء لعاطفة غير منضبطة. وهكذا تذكّرنا الرواية بأن الأمانة في الخدمة لا تُقاس فقط بما نقدمه للآخرين، بل أيضًا بقدرتنا على صون علاقاتنا الأسرية، واحترام مشاعر من نحب، وتحقيق التوازن بين دعوتنا الروحية ومسؤولياتنا الإنسانية، فمن يخدم الناس مدعو إلى أن يحبهم بحكمة، وأن يرعى الآخرين دون أن يهمل بيته، وأن يظل واعيًا بالحدود التي تحمي الخدمة من أن تتحول إلى مصدر للألم بدلًا من أن تكون سبيلًا للمحبة.



















