أحمد رجب شلتوت
تبني الشاعرة السورية “آفين حمو” قصائد ديوانها “غناءٌ في الطريق إلى المقبرة” من هشاشة التفاصيل الصغيرة، فتبدو قصائدها هادئة في ظاهرها، لكنها مشبعة داخليًا بقلق وجودي كثيف، ويقوم عنوان ديوانها على مفارقة حادة ناتجة عن الجمع بين الغناء كفعل مرتبط بالحياة، والمقبرة كرمز للنهاية، ومن هنا يرتبط العنوان بالقصيدة الأولى، فعنوانها يعلن نفيًا قاطعًا، “ما من أحد”، ولكن مطلعها سرعان ما يخلخل هذا النفي حين تقول: “ما من أحد أمسك بي بكلتا يديه / مثلك / لأجلس بجواره وأشاهد الغروب”. هنا يظهر الآخر الذي استطاع وحده أن يمنح الذات إحساسًا مؤقتًا بالأمان، لكن لحظة اللقاء نفسها تتم وقت الغروب؛ وفي إشارة لحياة توشك على الانطفاء.
تشتغل قصيدة آفين حمو على التقاط التفاصيل الصغيرة التي تكشف عن انهيارات كبرى. ولهذا تبدو نصوصها أقرب إلى همسات مشبعة بالتوتر والقلق. تبنيها الشاعرة عبر جمل قصيرة ومقاطع مقتضبة، كثيفة الدلالة. تاركة فراغات واسعة داخل النص، وكأن الصمت أصبح جزءًا من البنية الشعرية نفسها.
كذلك يعكس حضور الأسئلة في الديوان طبيعة وعي الشاعرة. فالعالم عندها غير مستقر، واليقين مستحيل، لذلك تتكرر الصياغات الاستفهامية والعناوين المفتوحة مثل: «هل..؟» ، و«ماذا لو؟»، و«أيُّ سر؟»، وهكذا تصبح القصيدة توسيعًا لدائرة الحيرة، وكأن الشاعرة تدرك أن وظيفة الشعر كشف غموض العالم.
أما الجسد في الديوان فهو مساحة للانكسار والذاكرة معًا. ففي قصيدة «ندبة في سريري» تبدو الندوب علامات نفسية على الألم، ويتحول السرير إلى موضع لاستعادة الجرح، ويتميز الديوان أيضًا بقدرته على تحويل الأشياء العادية إلى عناصر شعرية ذات بعد تأملي. كما في قصائد مثل «طناجر المطبخ» أو «مترو» أو «بيت الطفولة»، وتنجح آفين حمو في التقاط الهش والعابر والهامشي، وتمنحه طاقة رمزية. فيظهر باعتباره مكانًا مشبعًا بالكآبة والانكسار. ففي قصيدة «الكآبة تنتحب بين يديّ» تبدو الكآبة حضورًا دائمًا يجاور الجسد والروح.
ومن الجوانب الافتة في الديوان أيضًا علاقته المستمرة بالموت، بداية من العنوان، حيث يتسلل الموت عبر الصور والظلال والعناوين. حتى عنوان الديوان نفسه «غناءٌ في الطريق إلى المقبرة» يكشف عن هذه الرؤية؛ وكأن الإنسان يعيش موته تدريجيًا. ويتكرر حضور الليل بوصفه فضاءً للتأمل والانكشاف الداخلي. ففي إحدى القصائد تكتب عن «فلسفة الليل»، وكأنه ليس مجرد زمن، بل حالة وعي مختلفة، حيث تتعرى الذات من أقنعتها وتواجه هشاشتها. الليل عند آفين حمو منطقة للتفكير في الوحدة والخوف والزمن.
ورغم سطوة العتمة إلا أن هناك ومضات ضوء صغيرة تظهر وسط هذا الخراب الداخلي. ففي قصيدة «ضوء يلوّح لي» يصبح الضوء إشارة بعيدة للأمل، حتى وإن كان هشًا. وفي «شوق راكض لاحتضان الكون» ثمة توق واضح إلى الاتصال بالعالم، رغم الشعور بالوحدة والانكسار، فالشاعرة تتحرك بين الرغبة في النجاة والإحساس بأن العالم يتداعى. ولذلك تأتي القصائد وكأنها محاولات متكررة لترميم الذات عبر الكتابة.
كما يحضر الحب في الديوان بطريقة مغايرة للصياغات العاطفية التقليدية. ففي عنوان مثل «الحب الواقف بين زنبقة ونحلة» يبدو الحب حالة معلقة بين الرقة والقلق، ويظهر بوصفه تجربة معقدة، مشوبة بالفقد والغيرة والانتظار، وتكشف قصيدة «غيرة» عن هذا الجانب النفسي الداخلي، حيث تتحول المشاعر إلى مادة شعرية تعتمد على الإيحاء والاختزال.
أما الطفولة، فتظهر باعتبارها زمنًا مفقودًا ففي «بيت الطفولة» يتحول المكان إلى مستودع للذاكرة والحنين والأسى. فالبيت يبدو كصورة لزمن مستحيل الاستعادة. كذلك تمتلك الشاعرة حساسية واضحة تجاه الأشياء المتناقضة، وهو ما يظهر في عنوان «الأشياء ونقائضها». فالعالم عندها قائم على التوترات: الحياة والموت، الضوء والعتمة، الحب والفقد، الحضور والغياب. وهذه الثنائيات تتجسد داخل التجربة اليومية واللغة الشعرية.
وعلى المستوى الفني، تعتمد آفين حمو كثيرًا على الصورة المفتوحة وغير المكتملة. فهي لا تقدم صورة شعرية مغلقة ذات معنى واحد، وإنما تتركها قابلة للتأويل. كما أنها تميل إلى بناء قصائدها عبر التداعي الحر، بحيث تنتقل الصور من مستوى إلى آخر دون روابط منطقية صارمة، وهو ما يمنح النصوص طابعًا حلميًا أحيانًا، أيضا لا يستطيع المتلقي فصل الأحداث في سوريا عن تجربة الكتابة. فالحرب تظهر في القصائد كأثر نفسي داخلي: خراب، وحدة، خوف، فقد، وشعور دائم بالاقتلاع. وهذا ما يمنح النصوص بعدًا إنسانيًا يتجاوز المحلي والمباشر. تتجسد هذه الرؤية بوضوح في قصيدة «هل تنفع الإبر والسماء تموت». حيث تجمع الصورة بين ما هو يومي «الإبر» وما هو كوني «السماء»، لتكشف عن عبثية محاولة ترميم عالم ينهار من أساسه.
أيضا تنجح الشاعرة في بناء إيقاع داخلي خاص، يتولد من التكرار، ومن تقطيع الجمل، ومن الانتقالات المفاجئة بين الصور. وهذا ما يجعل القصيدة أقرب إلى التنفس الداخلي للذات، وفي قصيدة «للضوء المنسكب فينا» تظهر هذه النزعة التأملية في أقصى درجاتها، حيث يتحول الضوء إلى استعارة للإنسان نفسه، لما تبقى فيه من قدرة على الإحساس رغم الخراب. فالضوء يسكن الداخل، حتى لو كان مهددًا بالانطفاء.
تقوم الصورة الشعرية عند آفين حمو على الاقتصاد، وعلى اللمحة الخاطفة، لذلك تبدو صورها وكأنها تنبثق فجأة من داخل التجربة النفسية، وهي تجمع بين عناصر متباعدة بطريقة تخلق صادمة، كما في قولها: «هل تنفع الإبر والسماء تموت»، حيث تضع عنصرًا يوميًا وعلاجيًا مثل «الإبر» في مواجهة صورة كونية كبرى هي «موت السماء»، فتتولد فجوة دلالية تكشف عبث محاولة ترميم عالم ينهار من أساسه.
كما أن مجازها يعتمد على صور بسيطة في ظاهرها، لكنها محملة بإيحاء نفسي عميق. إنها تستعير مفرداتها من اليومي والهامشي: السرير، المطبخ، المترو، الضوء، الغروب، لكنها تعيد شحنها شعوريًا بحيث تتحول الأشياء العادية إلى علامات على الوحدة والفقد والزمن المتآكل. ولهذا يجمع مجازها بين اليومي والتجريد الوجودي؛ فهو لا ينفصل عن الأشياء الملموسة، لكنه يدفعها نحو معنى داخلي أعمق، بحيث تبدو الصورة الشعرية عندها أقرب إلى أثر نفسي خاطف منها إلى لوحة مكتملة التفاصيل.
أخيرا يمكن القول إن «غناءٌ في الطريق إلى المقبرة» يقوم على بناء حساسية شعرية خاصة تتكئ على الهشاشة، والاقتصاد اللغوي، والتأمل الوجودي، وتحويل التفاصيل اليومية إلى مرايا للروح، وهذا ما منح لآفين حمو تلك القدرة في الحفاظ على توازن دقيق بين الإيحاء والوضوح، بين الحميمي والكوني، وبين البوح الشخصي والأسئلة الإنسانية العامة. ولذلك يبدو هذا الديوان أقرب إلى سيرة شعورية لذات تحاول أن تعبر العالم، لكنها لا تكف عن الغناء، حتى وهي في الطريق إلى المقبرة.









