أسامة كمال أبو زيد
حين نقول إن سمير فريد كان «ضمير السينما المصرية»، فليس المقصود بذلك الضمير الأخلاقي بالمعنى الضيق للكلمة، بل ذلك الضمير الجمالي المشبع بالإنسانية؛ العين التي ترى السينما في حقيقتها الحية، والعقل الذي يفهم لغتها الخاصة، والقلب الذي ينصت للصورة وهي تحكي. كان الضمير هنا هو الحس الذي يميز بين فيلم يملك روح الفن، وآخر لا يملك إلا صخب الصناعة. ومن هذا المعنى تحديداً بدأت حكاية سمير فريد مع النقد، ومن خلاله حفر مجرى مستقلاً للنقد السينمائي العربي، مجرى واضح المعالم، له منهجه وثقافته وكرامته المهنية.
وُلد سمير فريد في القاهرة عام 1943، في زمن كانت فيه السينما فناً شعبياً واسع الانتشار، بينما كانت الكتابة عنها لا تزال أقرب إلى التعليق الصحفي العابر. التحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وكان الطالب الوحيد في قسم النقد المسرحي، وتخرج عام 1965. غير أن دخوله الصحافة سبق التخرج بعام حين التحق بجريدة «الجمهورية» عام 1964، وهناك بدأ مشروعه الحقيقي: تحويل النقد السينمائي إلى معرفة ثقافية قائمة بذاتها، تقرأ الفيلم قراءة واعية لا تكتفي بالانطباع ولا تخضع للدعاية.
بعد التخرج بقليل جمع مقالاته عن أفلام عام 1965 في كتابه الأول «سينما 65». لم يكن ذلك مجرد جمع لمقالات منشورة، بل إعلاناً مبكراً عن فكرة ظل يؤمن بها طوال حياته: أن الناقد السينمائي ينبغي أن يقف في المكان نفسه الذي يقف فيه ناقد الأدب أو المسرح، وأن المقال النقدي ليس تعليقاً عابراً بل معرفة قابلة للتراكم والتوثيق.
ثم جاء كتابه «العالم من عين الكاميرا»، الذي ضم تحليلاته للأفلام المصرية والأجنبية التي عرضت في مصر في عامي 1966 و1967، ليكرّس هذا الاتجاه. كان أسلوبه يجمع بين الصرامة العلمية والشفافية الأدبية؛ فلا ينبع جمال العبارة من زخرف القول، بل من وضوح الفكرة ودقة التحليل، حتى يصبح الأدق هو ذاته الأجمل. كان يؤمن بأن من يفكر بوضوح يعبر بوضوح، ولهذا ظل أسلوبه مثالاً نادراً على الكتابة النقدية التي تجمع بين المعرفة والصفاء.
انتمى سمير فريد إلى جيل الستينيات الذي بدأ ينظر إلى السينما بوصفها لغة مستقلة. كان يرى أن المخرج ليس مجرد مدير للبلاتوه، بل مؤلف للعمل، وأن السينما ليست تجميعاً للفنون الأخرى بل لغة لها قوانينها الخاصة. ومن هنا تشكلت رؤيته للنقد: قراءة الفيلم بوصفه بناءً درامياً وجمالياً وفكرياً في آن واحد.
وفي هذا السياق شارك عام 1972 مع أبناء جيله في تأسيس جمعية نقاد السينما المصريين، التي أصبحت عضواً في الاتحاد الدولي للصحافة السينمائية «فيبريسي». كان ذلك التأسيس خطوة أساسية في طريق استقلال النقد السينمائي، بعد زمن كان «الناقد الفني» يكتب عن كل الفنون، بل وربما يعمل في دعاية الأفلام نفسها. أما قضية سمير فريد وقضية جيله فكانت أن يستقل النقد السينمائي عن شركات الإنتاج والنجوم، وأن يصبح علماً قائماً بذاته.
ولهذا تفرغ للنقد وحده، ورفض التحول إلى كتابة السيناريو كما فعل بعض النقاد، لأنه كان يرى أن استقلال الناقد شرط أساسي لصدقه. وكان يؤكد دائماً أن الناقد الحقيقي ينبغي أن يكون ملماً بالموسيقى والتصوير والفلسفة والتاريخ والفن التشكيلي، لأن السينما ملتقى هذه الفنون كلها.
ومنذ أواخر الستينيات بدأ حضوره المنتظم في المهرجانات السينمائية الكبرى. كانت رحلته الأولى مع مهرجان كان السينمائي عام 1967، ثم تابع حضوره في مهرجان فينيسيا السينمائي ومهرجان برلين السينمائي الدولي، إلى جانب عشرات المهرجانات في العواصم العربية والعالمية. وكان ذلك في زمن لم تكن فيه ثورة الاتصالات قد بدأت بعد، فكان عليه أن يبذل جهداً كبيراً لمتابعة ما تنشره الصحافة العالمية عن السينما والمخرجين والنجوم.
ومع ذلك ظل حريصاً على أن تصل هذه المعرفة إلى القارئ المصري. كان يعود من المهرجانات وقد كتب عن أفلامها في الصحافة العربية، ثم يكتب عنها مرة أخرى في الصحف المصرية، لأنه كان يرى أن من حق القارئ هنا أن يعرف ما يراه العالم على شاشاته.
ومن الناحية الفكرية والسياسية مر مشروعه النقدي بمرحلتين واضحتين: مرحلة أولى اقترب فيها من الفكر الناصري، ثم مرحلة لاحقة تبنى فيها رؤية ليبرالية. غير أن هذا التحول لم يؤثر في منهجه النقدي، لأنه لم يكن ناقداً أيديولوجياً بالمعنى الضيق للكلمة. كان يركز دائماً على تحليل الجوانب الدرامية والجمالية للفيلم، ويناقش أفكاره الفكرية والسياسية بقدر ما يقتضيه التحليل.
ولهذا ظل قادراً على مناقشة أفلام مثل «ميرامار» و«ثرثرة فوق النيل» و«الكرنك» بصرامة نقدية، كما ظل قادراً في الوقت نفسه على تقدير أفلام تنتمي إلى رؤى فكرية مختلفة عنه. كان يرى أن الفيلم الجيد يظل جيداً مهما اختلفت الأيديولوجيات، وأن السينما في النهاية فن قبل أن تكون بياناً سياسياً.
وبجانب عمله النقدي شارك في إدارة عدد من المهرجانات السينمائية، وكان حضوره في إدارة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عام 2013 من أبرز محطاته، حيث أعاد تنظيم برمجة المهرجان وفتح أبوابه لأقسام متعددة، من أفلام العرض العالمي الأول إلى البانوراما العربية وأفلام الطلبة.
وخلال مسيرته أصدر أكثر من خمسين كتاباً بين تأليف وترجمة، وأسهم في لجان سينمائية دولية عدة، من بينها اللجنة الدولية لكتابة التاريخ العام للسينما التابعة للأمم المتحدة عام 1980. وكان وراء كل ذلك أرشيف صحفي ضخم صنعه بنفسه عبر سنوات طويلة من الجمع والتوثيق، حتى أصبح هذا الأرشيف بمثابة ذاكرته الحية التي يستند إليها في كتاباته.
وجاء الاعتراف العالمي بمسيرته عندما منحه مهرجان برلين السينمائي الدولي جائزة «كاميرا البرلينالي» التقديرية في دورته السابعة والستين، ليصبح أول ناقد عربي وأول شخصية مصرية وإفريقية تنال هذا التكريم منذ استحداث الجائزة عام 1986.
غير أن قيمة سمير فريد لا تختصرها الجوائز ولا الكتب الكثيرة التي تركها. قيمته الحقيقية أنه كان واحداً من الذين جعلوا النقد السينمائي علماً قائماً بذاته، بعد أن كان في كثير من الأحيان مجرد تعليقات صحفية عابرة أو ما يشبه «حديث المصاطب». بفضله صار للناقد مكانته، وللنقد السينمائي احترامه.
رحل سمير فريد عام 2017، لكن المجرى الذي حفره للنقد ما يزال ممتداً. فمنذ ظهوره لم يعد النقد السينمائي العربي كما كان قبله. لقد أصبح مجالاً معرفياً مستقلاً، بفضل ناقد آمن أن السينما ليست مجرد شاشة مضيئة في ظلام القاعة، بل لغة كاملة… وأن هذه اللغة تحتاج دائماً إلى عينٍ ترى، وعقلٍ يفسر، وضميرٍ جمالي يعرف كيف ينصت للصورة وهي تحكي.









