حاوره: أحمد اللاوندي
ولد شاعر العامية المصري البارز سعيد شحاتة؛ بمحافظة كفر الشيخ في 11 فبراير عام (1979م)، وحصل على ليسانس الآداب قسم اللغة العربية جامعة طنطا عام (2000م)، وهو أحد المؤسسين لمؤتمر العامية بأتيلييه القاهرة، ويعمل حاليًا بالهيئة العامة لقصور الثقافة.
من دواوينه: “حاجات يامة”، “كلام أخضر”، “حلمت بيه.. ونسيت”، “طرح النهار على نخل فبراير”، “شبرين من ملاك طيب”، “للأنبيا حواديت”، “باش مواطن فرز أول”، للطيبين أمثال”، “ادخل ما تخافش”. وصدر له في مجال الرواية “ستروبتوكين”. أما في المسرح فله مسرحية بعنوان: “الديثرامبوس”.
نال العديد من الجوائز المهمة منها: جائزة أحمد فؤاد نجم عام (2014م)، جائزة الهيئة العربية للمسرح (2017م)، جائزة اتحاد كتاب مصر عام (2018م)، جائزة معرض القاهرة الدولي للكتاب (2026م)، عن ديوانه “فريدة.. جدارية أمي اللي باعت عفشها”، والصادر عن سلسلة أصوات بالهيئة العامة لقصور الثقافة.
ماذا عن نشأتك الريفية وتأثيرها عليك وعلى كتاباتك؟
أعشق الشعر منذ أن كنت طفلًا بالمرحلة الابتدائية، لكنني كتبته حينما كنت طالبًا بالصف الثاني الإعدادي، ساعدني في ذلك أغاني الصيادين بقريتي “منية المرشد”، وفرحة أمي بما أكتبه وأقرأه لها. رحمها الله؛ لقد كانت هي جمهوري الأول والوحيد بهذه الأثناء، وسعادتها بهذا الشيء شجعتني ودفعتني للكتابة.
لمن يرجع الفضل في أن تصبح شاعرًا؟
الفضل لله قبل كل شيء، ثم لأمي، ولقصاصات الورق التي كنت أجمعها من المجلات والجرائد القديمة الملقاة على أرفف المحلات ذات الروائح العتيقة، حيث كانت تحتوي على قصائد وكلمات أغاني. الأشعار التي تحولت بفعل فاعل إلى قراطيس للطعمية، أو كم مهمل على أرفف محلات البقالة في انتظار العفو عنها.
هذا إلى جانب العديد من أصدقائي وأساتذتي، خاصة أستاذي سمير المنزلاوي الروائي الكبير، الذي شجعني ودفعني دفعًا للسير بهذه الطريق.
رغم حصولك على ليسانس الآداب قسم اللغة العربية؛ إلا أنك تكتب شعر العامية. ما الذي جعلك تختار هذا اللون تحديدًا ولم تتجه للكتابة باللهجة الفصيحة؟
في البدء كنت أكتب الفصحى، وكان أحد فلاحي قريتنا فصيحًا ويطالبني دائمًا بقراءة إحدى قصائدي على مسامعه، وكنت أنتظر اللحظة المناسبة لذلك، وعندما حانت؛ قرأت له قصيدة عن العراق؛ فشعرت بتغير غريب في وجهه وامتعاض لم أتعوده منه.
عم “قطب أبو زلاط” الرجل الذي تحمس لي جدًّا، عندما أخبره أحد أبنائه أنني أقرض الشعر يمتعض من أول قصيدة يسمعها لي؟!.. شعرت بحزن شديد، ولاحظ الرجل الحزن على وجهي، فسألني: أنت قلت القصيدة دي لأمك؟ قلها لها كده وشوف هتفهمها واللا إيه، ثم أخذ يحدثني بكل بساطة عن أشعار نجم والأبنودي والنضال الوطني الذي يحتاج إلى لغة الشارع، فبدأت في كتابة أول قصائدي بالعامية، وألقيتها في الندوة الأسبوعية لكلية الآداب؛ حيث كنتُ طالبًا آنذاك، وتحمّس لها الدكتور جمال عيسى أحد أساتذتي، مما شجعني لأن ألقيها على مسامع عمّ قطب، وبدأت رحلة كتابة قصيدة العامية، والتي أسعدت أمّي بالطبع، لأنها لهجة لا تجيد إلاها.
إلى أي مدى يمكن لشعر العامية أن يعيد بناء وتشكيل الوجدان؟
شعر العامية صناعة محليّة رائعة تليق بشعب عبقري، تفتق لسانه فأنتج هذا اللون الأدبي الذي ترجم معاناته وتحدث من خلاله عن أفراحه وأتراحه، شعر أُخذ من على لسان المصريين ليرد إليهم.
تاريخ هذا اللون الأدبي مليء بالدلائل التي تشير أنه الأهم بين طوائف هذا الشعب، ف بيرم وحدّاد والأبنودي وجاهين ونجم وقاعود وغيرهم؛ وضعوا الأسس والقواعد الرصينة التي تؤكد أن مستقبل هذا اللون الأدبي سيكون للأفضل، والدليل ما نراه ونسمعه من الأصوات الشابة العفيّة التي تكتب قصيدتها النابعة من ثقافتها وفلسفتها المستقاة من الشارع، فهو شعر أخذ من الشارع ليرد إليه، لذا؛ هو الأقرب لوجدان المصريين.
كان في مصر عمالقة يكتبون قصيدة العامية. أيهم له دوره المهم في ثراء مخيلتك ونموها؟
بالفعل؛ قصيدة العامية سلسال طويل قد لا يتأثر بالغياب بقدر ما يتأثر بالحضور، فالغائبون حاضرون بإبداعاتهم، ولا يمكن إغفال دور شاعر كبير لصالح شاعر آخر، فكلهم كانوا على نفس الخط من العبقرية، ونفس الدفء حينما يطرحون قصيدتهم المقتطعة من أرواحهم، فبيرم التونسي وفؤاد حداد وصلاح جاهين وفؤاد قاعود وأحمد فؤاد نجم والأبنودي، وسيد حجاب؛ وكل صاحب قصيدة تترك أثرًا في وجداني، كلهم أساتذتي دون استثناء، وكلهم أثروا وأضافوا وتركوا بصماتهم الواضحة.
حصلت على العديد من الجوائز الرفيعة. هل تذكر أول جائزة حصلت عليها؟
الجوائز مهمة للكاتب إذا حصل عليها، وهدف له إذا لم يحصل عليها، في كل الحالات هي مهمة لمن يضعها نصب عينيه، أما بالنسبة لمن يزهدها فمشروعه الأدبي هو جائزته، لهذا؛ فأهم جائزة أحصل عليها هي قصيدتي أو جملتي الشعرية أو كلمتي إذا وضعت في مكانها.
أما عن أول الجوائز فكانت المركز الأول على مستوى جامعة طنطا عام (2000م)، وبلغت بها في اليوم الأخير لي بالدراسة، آخر امتحان في التيرم الثاني للسنة النهائية، حينها استطعت أن أتحدث إلى أجمل فتاة في قسم اللغة العربية، والتي لم أجرؤ على الحديث معها طيلة أربع سنوات، إنها تأتي الآن لتهنئني بفخر، وأودعها بمنتهى السعادة، ثلاث دقائق كانت كافية لكي أشعر بالانتصار الذي منحه لي الشعر.
حدثني عن روافدك، وما الدور الذي يمكن أن يلعبه شاعر العامية في المحافظة على موروثاتنا الثقافية وحمايتها؟
إنني أستقي ثقافتي من حياتي، ومن عيني أمّي الفلاحة البسيطة الله يرحمها، ومن ملابس والدي الصياد -الذي لم أتذكر ملامحه- ومن تلفيعته المعلقة على رف الدولاب منذ أن وضعها واستسلم للموت، ومن بحيرة البرلس ورائحة السمك وأشواكه، من غزل الصيادين وحنيّة أخشاب المراكب، وصهد الشمس، من أشياء كثيرة أهمها “نحن”.
أمّا عن الموروث فهو كنز وضع أجدادنا أسسه ودعائمه وقواعده الأولى ورسّخوا له. لقد أحكم آباؤنا قبضتهم وقلوبهم عليه واحتفظوا به لأجيال؛ بعضها لا تقدر معناه ولا تعرف قيمته ولا تستطيع تثمين محتواه، ففي صعيد مصر نجد العديد من ألوان الفنون التي قاربت على الاندثار بفعل عوامل تعرية العقل البشري والمدنية المدعاة، لا يختلف الأمر كثيرًا في شمالها، العقلية التي حفظت ورددت وأبدعت ساعدتها الظروف على ذلك فجددت وأضافت، والعقلية الاستهلاكية المضطرة للجلوس أمام الشاشات والمجبرة على اختزال عمرها بين قوسيّ الشبكة العنكبوتية باعتبارها الأمل وتحقيق الطموح الزائف؛ شوّهت وأضاعت وتخلّت، فصارت بلا ظهر تستند إليه.
الاستهلاك ظاهر في كل شيء، في الجمل المعادة والتراكيب المتهالكة والمفردات البائسة، والتراخي الممل، ظاهر حتى في التقليد الأعمى للمستهلك الخائب الذي نهب وشوّه فأنجب ما لا عين تريده ولا تشتهيه أذن ولا يسعى إلى معرفته قلب بشر.
التراث هو ما تبقى لنا، وأنا أناشد شعراء قصيدة العامية بالتمسك به، فالخلفية الثقافية لقصيدة العامية عمادها هذا التراث العظيم.
أنت من الشعراء المصريين القلائل الذي يتطلعون على شعر العامية في دول الخليج. تقييمك له بالوقت الراهن؟
الخليج عمومًا يتقدم بخطا ثابتة نحو قصيدة عامية مدهشة ومغايرة، ويمكنها أن تغزو وتنافس وتؤثر وتضيف لتراث شعر العامية في الوطن العربي، وهذا ما تعكسه لنا كثرة المهرجانات المتكررة هناك.
شعر العامية في مصر إلى أين؟
إلى الأمام إذا كتب كل شاعر شاب قصيدته التي تخصه، وإلى الهاوية إذا استمر هذا التناسخ الغريب للقصائد، شعر العامية يحتاج إلى ثقافة، وإلى وجهة نظر وعمق وجهد، لا إلى تقليد واستسهال.
فكرة تحلم بها وتتمنى أن تراها على أرض الواقع؟
أحلم بإنشاء بيت للثقافة في كل قرية بمصر، وجائزة كبيرة لشعر العامية.










