سارة مراد.. حين يصبح الاسم بابًا إلى عالم من الهشاشة

tarek hashem

أفين حمو

أحيانًا يكون عنوان الديوان أول قصيدة فيه، وأحيانًا يكون الفخ الذي ينصبه الشاعر لمن يمد يده إلى الكتاب. هذا ما حدث معي منذ اللحظة التي وقع فيها بصري على عنوان ديوان “سارة مراد” للشاعر طارق هاشم.

ظللت أحدق في الاسم قبل أن أفتح الصفحة الأولى. لا أعرف لماذا مرّ في ذهني اسم ليلى مراد. ربما لأن الإيقاع متشابه، وربما لأن الاسم يحمل نعومة لا تتفق مع الصورة التي أعرفها عن تجربة طارق هاشم الشعرية، أو لأنني كنت أبحث عن حكاية امرأة تقف خلف هذا العنوان.

بدأت القراءة بشغف، أنتظر ظهور سارة، ثم مضت القصائد واحدة تلو الأخرى، ولم تظهر. حضرت مريم، ونرجس، وصفية، وحضرت الحبيبة، وحضرت الأم، ثم اكتشفت في قصيدة “سيرة أخرى” أن الشاعر كان يجرني منذ البداية إلى السؤال الخطأ.

يقول:

“تخيلوا أن اسمي (سارة)

لم تشفع عندهم صورتي على ظهر الغلاف

التي تشير إلى أن الذي في الصورة

من الصعب أن يكون سارة”

عند هذه اللحظة عدت بذاكرتي إلى الغلاف مرة أخرى. أدركت أن العنوان لم يكن اسم امرأة، ولم يكن حكاية حب، إنما كان المفتاح الذي أخفى به الشاعر مشروع الديوان كله.

منذ تلك القصيدة لم يعد “سارة مراد” عنوانًا بالنسبة إليّ، صار شخصية غائبة تحضر في كل النصوص. كل امرأة في الديوان تحمل شيئًا منها، وكل خسارة تشير إليها، وكل محاولة للنجاة تمر عبرها.

لهذا أعتقد أن اختيار هذا العنوان كان من أذكى ما فعله طارق هاشم. لم يختر اسمًا صادمًا، ولم يختر عنوانًا شعريًا غامضًا، اختار اسمًا عاديًا للغاية، ثم ترك القصائد تسحب هذا الاسم من معناه الأول إلى معنى آخر تمامًا. بعد الانتهاء من القراءة لا يعود الاسم كما كان، وهذه إحدى العلامات التي تميز العناوين الناجحة.

بعد ذلك بدأت أقرأ الديوان بطريقة مختلفة. لم أعد أتعامل مع القصائد بوصفها نصوصًا منفصلة، إنما بوصفها أجزاء من سيرة واحدة. الشخصيات تتغير، الأحداث تتبدل، غير أن الوجع يبقى هو نفسه، وكأن الشاعر يكتب القصيدة ذاتها في كل مرة من نافذة جديدة.

أكثر ما شدني أن طارق هاشم لا يبحث عن البطولة. أبطاله ليسوا المنتصرين، إنما أولئك الذين يخرجون من المشهد دون ضجيج. العامل الذي يعود بثيابه المتعبة، الأم التي تختصر الموت بكلمة عامية، الأب الذي ترك فأسه أكثر مما ترك وصاياه، الحبيبة التي يتسلل إليها العطب، الكلبة التي تبكي صغارها، الطفل الذي خرج من كتاب القراءة ليكتشف أن العالم لا يشبه الدرس.

لهذا لم أشعر أنني أمام ديوان عن الفقر، أو الحب، أو الذاكرة. شعرت أنني أمام ديوان يبحث عن الكرامة في أكثر الأماكن التي اعتدنا المرور بها دون انتباه.

ولعل العامل هو الشخصية التي تتقدم الجميع. لم يقدمه الشاعر بوصفه ضحية، ولم يحوله إلى شعار، إنما أعاده إلى مكانه الطبيعي، إنسانًا يحمل كرامته فوق كتفيه.

يقول في قصيدة “مريم”:

 

“العمال يا مريم كالزجاج

أي خدش لكرامتهم هو الموت ذاته

فلا تتنصلي من سلامي

بدعوى أن ملابسي متسخة

العمال يا مريم

أقرب إلى الله من ضفائرك الطويلة.”

 

لم أتوقف طويلًا عند صورة الملابس المتسخة، إنما توقفت عند تشبيه العمال بالزجاج. كان يستطيع أن يشبههم بالحديد أو الصخر، غير أنه اختار الزجاج. والزجاج لا يرمز إلى القوة، إنما إلى الشفافية والهشاشة معًا. بهذا التشبيه يضع الشاعر الكرامة في مكان شديد الحساسية. يكفي خدش صغير كي تتحطم، وهذا ما يجعل القصيدة تتجاوز بعدها الاجتماعي إلى سؤال إنساني أوسع عن هشاشة الإنسان نفسه.

من هنا بدأت أفهم أن العامل في هذا الديوان ليس مهنة، إنما رؤية للعالم. اليد التي تعمل هي اليد التي تعرف قيمة الخبز، وقيمة التعب، وقيمة الإنسان. لهذا ينحاز إليها الشاعر طوال الديوان دون خطابة أو شعارات، مكتفيًا بأن يجعلها تمشي داخل القصيدة بكرامتها الطبيعية.

حين تجاوزت قصيدة “مريم”، بدأت ألاحظ أن الشخصيات لا تدخل الديوان لتؤدي دورًا عابرًا ثم تختفي، وإنما تعود بأشكال مختلفة، حتى بدت القصائد وكأنها تتبادل وجوهها. الأب يمر في أكثر من موضع، والأم تترك أثرها في اللغة، والحبيبة تتغير أسماؤها، والعامل يظل حاضرًا في الخلفية، يراقب الجميع بصمته.

الأب في هذا الديوان ليس سلطة عائلية فحسب، إنه ذاكرة العمل. حضوره يرتبط دائمًا بالأرض، والخشب، والفأس، واليد التي أنهكها الكدح. لم أشعر أن الشاعر يستدعي أباه ليبكيه، إنما ليستعيد الإنسان الذي علّمه أن التعب يمكن أن يكون شريفًا.

يقول:

“صباح الخير يا أبي…

اليوم سأصافح الفأس

الذي عانقته يداك

لترفع الخوف عن ظهري.”

الفأس هنا ليست أداة زراعية، إنها السيرة التي تركها الأب خلفه. وحين يصافح الابن الفأس، فهو يصافح اليد التي أمسكتها سنوات طويلة. هكذا يتحول الشيء الجامد إلى ذاكرة، وتتحول المهنة إلى نسبٍ آخر ينتقل من الأب إلى الابن.

وفي موضع آخر يبدو الأب أكثر تعقيدًا. يختلف مع ابنه، يمزق أوراقه، يخشاه، يحاول أن يعيده إلى الطريق الذي يعرفه. لم أقرأ هذا السلوك بوصفه رفضًا للشعر، إنما بوصفه خوفًا من العالم. الأب ينتمي إلى جيل آمن بأن النجاة تحتاج إلى الصلابة، بينما يؤمن الابن أن النجاة تحتاج إلى الكتابة. هنا يتجاور الحب وسوء الفهم، دون أن ينتصر أحدهما على الآخر.

الأم تقف في الجهة المقابلة تمامًا. لا تتحدث كثيرًا، غير أن حضورها يظل من أكثر الحضور رسوخًا. هي المرأة التي لا تحتاج إلى استعارات كي تقول الحقيقة. أكثر ما أدهشني أنها منحت الشاعر لغته دون أن تكتب قصيدة واحدة.

حين مات الأب، قالت ببساطة:

“لقد باظ أبوك.”

هذه الجملة وحدها تكفي لفهم جانب كبير من لغة الديوان.

لم تقل مات، ولم تبحث عن عبارة مؤثرة. اختارت كلمة تخرج من الحياة اليومية، كلمة يمكن أن تُقال عن آلة تعطلت، أو مصباح انطفأ.

في لحظة واحدة يتحول الجسد إلى شيء توقفت أجزاؤه عن العمل.

من هنا بدأت أفهم سر لغة طارق هاشم. هو لا يصعد باللغة إلى برجها العالي، إنما يعيدها إلى الشارع، ثم يكتشف أن الشارع نفسه مليء بالشعر. الكلمات التي تبدو عادية في أفواه الناس، تصبح داخل القصيدة أكثر قدرة على إيلامنا من أكثر الاستعارات فخامة.

أما المرأة، فلم أجدها محصورة في صورة الحبيبة. المرأة هنا عالم كامل يتوزع بين أكثر من اسم.

مريم ليست امرأة بعينها. إنها المسافة التي تفصل العامل عن العالم الذي لا يفهمه.

ونرجس ليست حبيبة قديمة، إنها البراءة التي خرجت من كتاب القراءة لتصطدم بالحياة.

أما الحبيبة في قصيدة “أخف من الهواء”، فهي الوجه الأكثر هشاشة للحب.

يقول:

“أريدك أن تصلح ذلك الذراع

الذي لم يعد لدى حبيبتي غيره.”

في البداية تبدو الصورة غريبة، ثم يتضح أن الذراع تعطلت لأنها كانت تحاول أن ترفع الشاعر. هنا يصبح الحب فعل إنقاذ، ويصبح العطب ثمنًا لهذا الإنقاذ. الحبيبة لا تخسر جسدها لأنها ضعيفة، إنما لأنها أعطت أكثر مما يحتمل الجسد.

لهذا شعرت أن المرأة في الديوان ليست موضوعًا للعشق، إنما مرآة يرى الشاعر فيها هشاشة الإنسان كله.

ثم جاءت “صفية”، وكانت القصيدة التي أعادت ترتيب قراءتي للديوان من جديد.

أعترف أنني، منذ السطر الأول، تصورت أن صفية امرأة. لم يخطر ببالي احتمال آخر. تعاطفت معها، وتابعت الحكاية، ثم اكتشفت فجأة أن صفية كلبة فقدت جراءها بعد أن دس لهم السم.

يقول:

“لقد قتلت صفية بدم بارد…

في اليوم الذي قتلوا فيه أبناءها الستة

لم تعد صفية تنام إلا زاحفة.”

توقفت طويلًا عند هذه القصيدة، ليس بسبب المفاجأة، إنما بسبب الطريقة التي صنع بها الشاعر هذه المفاجأة.

لو قال منذ البداية إن صفية كلبة، لتلقينا القصيدة بطريقة مختلفة. غير أنه أخفى هذه الحقيقة عمدًا، حتى يجعل التعاطف يسبق المعرفة. وبعد أن منحها اسمًا إنسانيًا، وجعلنا نشاركها ألمها، كشف حقيقتها.

هنا لم أشعر أنه يخدعني، بقدر ما أحسست أنه يختبرني وأسال نفسي هل يتغير الألم لأن صاحبه ليس إنسانًا؟

وهل قيمة الفقد مرتبطة بجنس الكائن الذي يشعر به؟

بهذه البساطة استطاع طارق هاشم أن يحول قصة كلبة ضالة إلى واحدة من أكثر القصائد إيلامًا في الديوان، وأن يفضح قسوة المجتمع الذي اعتاد رؤية الموت حتى فقد قدرته على الارتباك أمامه.

لهذا لم تعد صفية في نظري كلبة، كما لم تعد امرأة. أصبحت رمزًا لكل كائن ضعيف لا يجد من يدافع عنه، سواء كان إنسانًا، أو حيوانًا، أو عاملًا، أو طفلًا، أو حتى قصيدة تمضي وحيدة في عالم لا يلتفت إلى الهامش إلا بعد فوات الأوان.

كلما تقدمت في القراءة، ازددت اقتناعًا أن طارق هاشم لا يكتب القصيدة بوصفها حدثًا، إنما بوصفها طبقة جديدة تُضاف إلى المعنى نفسه. لهذا كنت أعود إلى القصائد السابقة كلما انتهيت من قصيدة جديدة، فأكتشف أن النصوص تفسر بعضها بعضًا، وأن الرموز تمتد بينها بخيوط خفية.

في “تجر عربة الحياة بمفردها” يستعيد الشاعر شخصيتي “عمر” و”نرجس”، اللتين عرفهما كثيرون من كتب القراءة في المرحلة الابتدائية. غير أن الشاعر لا يستدعيهما بدافع الحنين، إنما ليضعهما أمام امتحان الحياة.

يقول:

“أنا عمر

خرجت منذ خمسين عامًا

من كتاب القراءة العربية الجديدة

إلا أنني سرعان ما اكتشفت

أنني تركت وجه حبيبتي عالقًا بالصفحة الأولى.”

هذه من أكثر الصور مرارة في الديوان. فالصفحة الأولى لا ترمز إلى بداية الكتاب فحسب، إنما إلى الطفولة كلها، إلى الزمن الذي كانت فيه الحياة تبدو مرتبة وبسيطة. حين يكتشف “عمر” أنه ترك وجه حبيبته هناك، يدرك أن البراءة لا تكبر معنا، إنها تبقى في مكانها، بينما نمضي نحن بعيدًا عنها.

لهذا لم أقرأ القصيدة بوصفها استعادة لشخصيات مدرسية، إنما بوصفها محاكمة للواقع الذي سرق من جيل كامل أحلامه الأولى.

هذا الحضور المتكرر للطفولة يقابله حضور دائم للجسد. غير أن الجسد عند طارق هاشم لا يظهر باعتباره مساحة للجمال، إنما باعتباره سجلًا للهزائم.

(الذراع تتعطل٫القدم تُصاب،القلب يُهاجَم،

اليد تتشقق من العمل)

الجسد كله يتحول إلى خريطة للألم.

في قصيدة “حين هاجموا قلبه” لفتني أن الاعتداء لا يقع دفعة واحدة. يبدأ من الأطراف، ثم يقترب تدريجيًا من المركز، وكأن الشاعر يرسم كيف يُسلب الإنسان إنسانيته خطوة بعد أخرى.

وحين يصل إلى القلب، لا يجعل الشخصية تموت.

يتركها تعيش.

وهنا تكمن قسوة القصيدة.

الموت ليس النهاية عند طارق هاشم.

النهاية أن يبقى الإنسان حيًا بعد أن يفقد دهشته، وقدرته على الحب، ورغبته في أن يقول صباح الخير.

هذه الفكرة نفسها تمتد إلى قصيدة “عقد إذعان”، التي أراها من أكثر قصائد الديوان كشفًا لسيرة الشاعر الداخلية.

يقول:

“صار بيني وبين الحساسية المفرطة

عقد إذعان

لا يحق لي فسخه حتى بالموت.”

هذه ليست مبالغة شعرية كما قد تبدو لأول وهلة.

إنها اعتراف كامل بأن الشعر ليس اختيارًا، وإنما مصير.

الشاعر هنا لا يتباهى بحساسيته، ولا يجعلها وسامًا، إنما يتعامل معها كعبء يطارده، وكأنه وُلد وفي داخله جهاز يلتقط الألم أكثر مما ينبغي.

لهذا لا تبدو القصائد مصنوعة، إنما معيشة.

وكلما تأملت لغة الديوان، ازددت اقتناعًا أن سرها الحقيقي يكمن في هذه النقطة تحديدًا.

طارق هاشم لا يفتش عن الكلمات النادرة.

لا يكتب ليثبت قدرته على الإدهاش اللغوي.

كل مفردة تبدو مألوفة.

(الفأس،الباص،كشك السجائر،المقهى،الرصيف،العمال،الخبز،الكلب)

كلها كلمات نعبرها كل يوم دون أن نلتفت إليها.

غير أن الشاعر يعيد ترتيبها داخل الجملة، فتكتسب حياة أخرى.

الأجمل من ذلك أنه لم يقع في فخ الزخرفة الذي يقع فيه كثير من شعراء قصيدة النثر.

لا تتزاحم الاستعارات.

لا تتكاثر الصور من أجل الصورة.

كل صورة تؤدي وظيفتها، ثم تنسحب بهدوء، تاركة أثرها في النص.

أكثر ما أعجبني أيضًا طريقته في استثمار اللغة اليومية.

كلمة مثل “باظ” كانت كفيلة بأن تهدم أي قصيدة لو جاءت مفتعلة.

غير أنها جاءت هنا منسجمة مع صوت الأم، ومع البيئة التي خرجت منها القصيدة.

شعرت أن الكلمة اختارت مكانها بنفسها.

وهذا ما أراه أحد أصعب امتحانات الكتابة.

أن تبدو المفردة طبيعية بعد أن تدخل الشعر.

وأرى أن من الإنصاف أن  أقول  إن طارق هاشم ناجح في ذلك إلى حد بعيد وإنه يمتلك حسًا عاليًا في معرفة متى يتوقف. كثير من قصائد الديوان تنتهي في اللحظة المناسبة، وهذه ميزة ليست سهلة في قصيدة النثر.

ولعل هذا ما جعل نصوصًا مثل “صفية”، و”مريم”، و”تجر عربة الحياة بمفردها”، و”عقد إذعان”، من أكثر نصوص الديوان اكتمالًا، لأنها اعتمدت على بناء المشهد أكثر من اعتمادها على الشرح، فبقيت عالقة في الذاكرة بعد انتهاء القراءة.

حين وصلت إلى القصيدة الأخيرة، شعرت أنني مضطرة إلى العودة إلى الصفحة الأولى من جديد. قليل من الدواوين يدفعني إلى إعادة قراءته فور الانتهاء منه، غير أن “سارة مراد” فعل ذلك. لم أعد أبحث عن قصيدة بعينها، إنما عن الخيط الذي ربط هذه النصوص جميعها.

وجدت أن الديوان كله يقوم على مواجهة واحدة، مواجهة بين الهشاشة والقسوة.

العامل هش.

الأب يشيخ.

الأم تخفي انكسارها خلف كلمات عادية.

الحبيبة تتعطل.

الطفولة تضيع.

الكلبة تفقد أبناءها.

الشاعر نفسه يعيش تحت “عقد إذعان” مع حساسيته.

في المقابل يقف عالم لا يرى شيئًا من هذا كله، عالم يمر بجوار الألم كأنه أمر معتاد.

لهذا لا أرى أن طارق هاشم كتب عن الفقر، ولا عن الحب، ولا عن الموت، بقدر ما كتب عن الكرامة. الكرامة هي الشخصية الوحيدة التي لم تغادر أي قصيدة. أراها في العامل الذي يرفض أن يخجل من ثيابه، وفي الأب الذي ترك لابنه فأسًا أكثر مما ترك ميراثًا، وفي الأم التي تواجه الفقد بلغتها البسيطة، وفي صفية التي ظلت تهز ذيلها رغم أنها فقدت أبناءها، وفي الشاعر الذي يواصل الكتابة رغم إدراكه أن الشعر لا يغير العالم.

ومن هنا أيضًا فهمت سر العنوان.

لم تعد “سارة مراد” اسم امرأة بالنسبة إلي.

صارت الوجه الذي يحاول الشاعر أن ينقذ به هذا العالم من قسوته.

اسمًا ناعمًا يغطي حياة خشنة.

وردة موضوعة على طاولة نجارة.

لهذا أعتقد أن العنوان من أكثر عناوين الدواوين ذكاءً في السنوات الأخيرة. لم يكتف بإثارة الفضول، إنما شارك في بناء المعنى. بعد الوصول إلى “سيرة أخرى”، يعيد هذا العنوان قراءة الديوان بأكمله، ويكشف أن الالتباس الذي بدأنا منه كان مقصودًا منذ اللحظة الأولى.

وأنا أكتب هذه السطور، وجدت نفسي أعود إلى جملة ظل صداها يرافقني منذ الصفحات الأولى:

“العمال يا مريم كالزجاج…”

لم يختر الحديد.

لم يختر الصخر.

اختار الزجاج.

وأظن أن هذه المفردة وحدها تلخص تجربة طارق هاشم كلها.

فالزجاج شفاف.

جميل.

يعكس الضوء.

ويتحطم من ضربة صغيرة.

هكذا هم أبطال هذا الديوان.

وهكذا يرى الشاعر الإنسان.

أما عن لغة الديوان، فأحسب أنها واحدة من أبرز عناصر نجاحه. لم أشعر لحظة أن اللغة تستعرض عضلاتها. كانت مطواعة، تعرف متى ترتفع، ومتى تنخفض، ومتى تكتفي بكلمة واحدة تحمل ثقل المشهد كله. والأهم أنها حافظت على نبرتها من أول قصيدة حتى الأخيرة. لم تتقلب بين الفخامة واليومية، إنما صنعت توازنًا صعبًا بينهما.

أعجبتني شجاعة الشاعر في إدخال المفردة اليومية إلى القصيدة دون أن يشعر بالحاجة إلى تبريرها. المفردة عنده لا تكتسب قيمتها من غرابتها، إنما من مكانها داخل الجملة. لهذا جاءت كلمات مثل “باظ”، و”شيّال”، و”كشك”، و”باص” جزءًا من النسيج الشعري، لا أجسامًا دخيلة عليه.

 

أغلقت “سارة مراد” وأنا أشعر أنني لم أقرأ مجموعة قصائد متجاورة، إنما قرأت سيرة إنسان يفتش عن معنى للكرامة وسط عالم يزداد خشونة كل يوم.

وقد تكون هذه هي القيمة الحقيقية لهذا الديوان.

أنه لا يحاول إقناعنا بأن العالم جميل.

إنما يهمس بأن الإنسان، رغم كل ما يحدث له، ما يزال قادرًا على أن يحافظ على شيء صغير في داخله، شيء يشبه الزجاج… هشًا، شفافًا، قابلًا للكسر، جديرًا بالحماية.

آفين حمو

47 مقال
شاعرة وكاتبة كردية سورية. صدر لها: عن الذئب الذي في قلبي    

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع