كفافيس شاعر الإسكندرية المغترب

قسطنطين كفافيس

محمود عماد

هناك مدن لا يمكننا مغادرتها، حتى لو تركناها خلفنا، تظل تسكن فينا، تؤثر علينا، وتبقى في ذاكرتنا، نعود إليها مرارا وتكرارا، ولو عن طريق اللغة، وفي الذاكرة والكتابة.

هكذا كانت الإسكندرية بالنسبة للشاعر اليوناني السكندري قسطنطين كفافيس؛ مدينة يعيش فيها، ولا ينتمي إليها بالكامل، يكتب عنها، لكنه لا يملكها، بل هي من تملك شعره وكلماته، وهو فقط يحاول مطاردة شيء يعرف أنه لن يكون له مهما فعل.

من هنا تبدأ حكاية كفافيس مع الهوية، هو ليس مجرد شاعر، لكنه أحد أعلام مدينة الإسكندرية، وفي الوقت نفسه أحد أهم من كتبوا الشعر باللغة اليونانية، فهو بذلك مزيج بين الشرق والغرب، بين المنشأ والثقافة الأم.

لطالما كان كفافيس سكندري الهوى، ومع ذلك ظل وفيا دائما لثقافته اليونانية، وهو بذلك يحقق معادلة صعبة ربما لم يبرع فيها سواه.

ذكر كفافيس في أشعاره فكرة “الهيلينية”، وهي المزاوجة بين الحضارة المصرية الشرقية والإغريقية، التي حدثت مع دخول الإسكندر مصر، ثم مع حكم البطالمة لمصر، وبلا شك أن شخص كفافي نفسه هو تجسيدا حقيقي معاصر لتلك الحضارة.

أشعار كفافيس تمثل ثورة في شكل القصيدة والشعر، خاصة في زمنه، الذي يمكن اعتباره مبكرا في مسار الثورات الشعرية التي أنتجت شكلًا جديدًا للقصيدة.

القصيدة عند كفافيس حرة، لا قيود عليها؛ يمكن أن تطول لعدة جمل، ويمكن أن تتكون من بضع كلمات فقط. هو يكتب الشعر كما يريد، لا كما يجب أن يكون، وهذه من أهم ميزاته.

الإسكندرية هي العالم

المدينة تحتل صدارة أشعار كفافيس، فالإسكندرية تظهر ككوكب دري في قصائده، عالم خارج العالم ذاته، وكأن كل شيء يدور في فلكها.

كفافيس عاشق الإسكندرية، كتب على نفسه حياة مغتربة؛ فهو مواطن سكندري، لكنه لاجئ في مصر أو غريب عنها، لا يرتبط بها بشيء واضح، وربما لا يرتبط بالعالم نفسه بأي شيء آخر.

شعر كفافيس يبدو وكأنه عالم منفصل عن العالم وأحداثه، لا وجود للسياسة، ولا للأحداث الجسام التي شهدتها مصر في زمنه، لا ثورة 1919 ولا الوفد وسعد زغلول والنحاس، ولا الملك ولا الجماعات الدينية الحديثة.

ومع ذلك تطرقت أشعار كفافيس إلى السياسة بطريقة أخرى، وذلك من منظور التاريخ القديم، الذي وبشكل ما حاول إسقاطه على الواقع المعاش له.

نظم كفافيس أكثر من اثنتي عشرة قصيدة تاريخية عن شخصيات تاريخية مشهورة وأشخاص عاديين. كان مستوحى بشكل أساسي من العصر الهلنستي مع التركيز على الإسكندرية. نشأت قصائد أخرى من العصور القديمة الهلينو-رومانية والعصر البيزنطي.

مع معرفة عميقة وواسعة بالتاريخ، خاصة في العصر الهلنستي. العديد من قصائده تاريخية زائفة، أو تاريخية على ما يبدو، أو دقيقة لكنها ذات طابع تاريخي غريب.

كفافيس والنحت باللغة

يمكننا القول بكل تأكيد أن كفافيس لعب دورا أساسيا في إحياء الشعر اليوناني والاعتراف به في الداخل والخارج، ولعب دورا أيضا في تجسيد شكل القصيدة الجديد؛ فعادة ما تكون قصائده موجزة لكنها استحضار حميمة لشخصيات حقيقية أو أدبية وبيئات لعبت أدوارا في الثقافة اليونانية.

إلى جانب موضوعاته غير التقليدية في ذلك الوقت، تظهر قصائده أيضا حرفية ماهرة ومتعددة الاستخدامات، يصعب للغاية ترجمتها.

استمد كفافيس موضوعاته من التجربة الشخصية، كما اشتق من الحواس المختلفة الكثير من أشعاره، حيث يشتبك معها بشكل حسي، يجعلنا نتذوق ونرى الشعر، نشم رائحة الكلمة، ونلمس الحروف.

ومع الحسية، يعود أيضا إلى الذاكرة حيث ما مضى، ومن هنا يبني مجموعة من أشعاره المختلفة على الذكرى في عقولنا، وهو يبدو كأنه يستخدم اللغة ناحتا بها في أعماق عقولنا.

نشر كفافيس شعره من عام 1891 إلى عام 1904 في الجرائد، ولأصدقائه المقربين فقط، وكان ما يتلقاه من صدى يأتي بشكل رئيسي من داخل المجتمع اليوناني في الإسكندرية.

خلال حياته، رفض كفافيس باستمرار نشر شعره بشكل رسمي، وفضل مشاركته عبر الصحف والمجلات المحلية، أو حتى طباعته بنفسه وإعطائه لأي شخص مهتم، وحدث النشر الرسمي بعد عامين من وفاته.

كتب كفافيس 155 قصيدة، بينما بقيت العشرات غير مكتملة أو في شكل تخطيطي. أكسبه أسلوبه الفردي الواعي مكانة بين أهم الشخصيات ليس فقط في الشعر اليوناني، ولكن في الشعر الغربي ككل.

كان كفافيس منشد الكمال، وكان ينقي بقلق شديد كل سطر من شعره، أسلوبه الناضج عبارة عن شكل إيمبي حر، بمعنى أن الأبيات نادرا ما تكون مقفاة، وعادة ما تتراوح بين 10 إلى 17 مقطعا لفظيا.

الاعتراف المتأخر بالتفرد

جميع أعمال كفافيس تقريبا مكتوبة باليونانية؛ ومع ذلك، ظل شعره غير معترف به ومستهان به في اليونان، حتى بعد نشر أول مختارات في عام 1935 من قبل هيراكليس أبوستوليديس.

أسلوبه الفريد ولغته (التي كانت مزيجا من الكاثاريفوسا واليونانية الديموطيقية) جذب انتقادات كوستيس بالاماس، أعظم شاعر في عصره في اليونان القارية، وأتباعه.

تعرف كفافيس عام 1903 على الأوساط الأدبية اليونانية من خلال مراجعة إيجابية قام بها غريغوريوس زينوبولوس.

حصل كفافيس على القليل من الاعتراف لأن أسلوبه اختلف بشكل ملحوظ عن الشعر اليوناني السائد آنذاك، وبعد عشرين عاما، وبعد الهزيمة اليونانية في الحرب اليونانية التركية (1919-1922)، ظهر جيل جديد من الشعراء شبه العدميين وجد الإلهام في عمل كفافيس.

قدم صديق كفافيس إي إم فورستر، الروائي والناقد الأدبي، قصائده إلى العالم الناطق باللغة الإنجليزية في عام 1923، ووصفه الشهير بأنه «رجل يوناني يرتدي قبعة من القش، ويقف بلا حراك تماما بزاوية طفيفة من الكون.»

في النهاية يمكننا القول أننا أمام شاعر فريد من نوعه ثار على الشكل التقليدي للقصيدة في عصره، ولكنه حافظ على ثقافته الأم، وحاول بشكل ما إحياء التزاوج بين الثقافة الغربية والمصرية قديما “الهيلينية”، وهو التجسيد المعاصر الأكبر لها.

كفافيس هو صوت الغرب في الشرق، ويمكن اعتباره أحد أصوات الشرق لدى الغرب، الأكيد أنه أحد الشعراء المؤثرين في فكرة اللغة ذاتها، وكيف يمكن للشعر الحفاظ على الثقافة واللغة.

ورغم أن كفافيس بلا شك هو شاعر الإسكندرية الحبيب، لكن الوحدة التي غلفت حياته، واللغة التي تمسك بها جعلته غريبا في مدينته الحبيبة، عاش في مجتمع لا يمثل إلا جزء بسيطا من المدينة؛ فصار كمن يراقب حبيبته دون أن يعيش معها.

وقد عبر كفافيس عن هذه العلاقة المعقدة مع الإسكندرية في قصيدته الشهيرة “المدينة”، حين يقول:

 

لن تجد بلدانا ولا بحورا أخرى.

ستلاحقك المدينة وستهيم في الشوارع ذاتها.

وستدركك الشيخوخة في هذه الأحياء بعينها.

وفي البيوت ذاتها.

سيدب الشيب في رأسك.

ستصل على الدوام إلى هذه المدينة.

لا تأمل في بقاع أخرى.

ما من سفينة من أجلك.

وما من سبيل.

وما دمت قد خربت حياتك هنا،

في هذا الركن الصغير،

فهي خراب أينما كنت في الوجود.

 

وقف كفافيس في مفترق طرق مع الإسكندرية؛ هي حبيبته، لكنها المتمنعة عنه بحكم اللغة والثقافة، هو شاعرها الأول… وغريبها الأبدي.

محمود عماد

28 مقال
كاتب وروائي مصري

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع