بولص آدم
نحن في أول صف البيوت. بيتان، ثم بيت السيدة وايْمَر. كانت البيوت الستة متلاصقة، ولكل واحد منها مدخل صغير وممر ضيق أمامه، ينفتح على ممر فرشي يصل إلى ملعب الأطفال. تسكنها خمس نساء وحدهن، باستثناء بيتنا. لم يكن ذلك موضوعًا نتحدث عنه. عرفناه مع الوقت، مثلما نعرف أن امرأة في البيت الثالث تخرج أحيانًا في السابعة، وأن امرأة البيت الخامس لا تفتح ستائرها إلا بعد الظهر. وبجوارنا نافورة تفيض في الصيف ولا تجف حتى الخريف، وما يتبقى منها يواصل الفيضان في الحوض حتى يصمد التمثال وسط الماء. في الليل، حين تنام البيوت وتطفئ نوافذها، يبقى الماء مستيقظًا، ينزل في الحوض ثم يعيد نفسه إلى نفسه.
كانت السيدة وايْمَر تسكن البيت الثالث. لم نتحدث كثيرًا. كان بيننا ذلك النوع من الجيرة الذي يعرف فيه المرء خطوات الآخر، وموعد إخراج القمامة، وصوت المفتاح في الباب، لكنه قد يمر أسبوع كامل من دون أن يتبادل كلمتين. كنا نتبادل التحية، وكانت شديدة التمسك بنبرة من الاحترام تحفظ لكل واحد منا خصوصيته. لم تكن تفتح موضوعًا، ولم أكن أفتحه.
أتذكر مرة وجدتها واقفة عند عتبة الباب، تحمل قدحًا من الماء وتشربه على جرعات صغيرة. قلت لها إن الماء يبقى أفضل ما يمكن للمرء أن يتناوله.
ابتسمت وقالت:
ــ خاصة عندما نتبع توقيتات مخزونة في الساعة.
ثم أضافت:
ــ قليلون يعرفون كيف يطيلون صحبتهم مع الحياة.
لكنني كنت أعرف أصصها الثلاثة أكثر مما أعرفها.
كانت مستطيلة وعادية، تغير لونها قليلًا من الشمس والمطر، لكن الزهور فيها كانت تتبدل مع الفصول، ولذلك كنت ألاحظها. نافذتان تطلان على الممر، وعلى حافتيهما ثلاثةُ أصص.. كنت أمر تحتها كل يوم، فأرى الزهور من أسفل. لم أعرف أسماءها. عرفت فقط أن بعضها يأتي مبكرًا، وبعضها يتأخر، وأن واحدًا منها يبقى محتفظًا بلونه حتى آخر الصيف. وكانت السيدة وايْمَر تعتني بها كما لو أنها تؤدي عملًا لا يجوز إهماله. في الصباح، أو أحيانًا عند العصر، كنت أراها عند النافذة، تمد يدها إلى الأصيص، ترفع ورقة ذابلة، تقلب التراب بأصابعها، أو تسقي الزهور ببطء. أحيانًا كانت تتكلم مع نفسها، وأحيانًا تفتح النافذة ولا تفعل شيئًا.
ثم بدأ السرطان يأخذها إلى المستشفى ويعيدها منه. صار الممرضون يأتون إلى بيتها، وتظهر عند الباب وجوه لا أعرفها، ثم تختفي. كنت أراها من بعيد وأنتظر أن تتحسن. لم يكن في صوتها، حين كنا نتبادل التحية، ما يستدعي القلق أكثر من المعتاد، لكن وجهها كان قد تغير؛ شاحبًا ومشدودًا بطريقة لم ألاحظها من قبل.
في آخر مرة رأيتها كانت تسحب عربة التسوق. تمشي ببطء، وتتوقف عند الحفر الصغيرة في الممر، ثم تواصل طريقها. توقفت عند بابنا، فتحدثنا قليلًا. قالت إن العلاج انتهى، وإنها لن تسمح بتكراره. سألتها ماذا سيأتي بعد ذلك.
نظرت إليّ وقالت دفعة واحدة:
— الموت.
ثم مضت.
لم تكن كلمة قالتها لتغلق الحديث. خرجت منها قبل أن تستطيع منعها. بقي وجهها أمامي لحظة، كما لو أن شيئًا فيه انكشف ثم عاد إلى مكانه. ظل صوت العجلات الصغيرة يتراجع في الممر حتى اختفى. وبعد أن اختفى، سمعت الماء وحده.
بعد أيام جاء ولداها. أفرغا البيت على دفعات. كان الباب مفتوحًا معظم الوقت، وكلما مررت رأيت شيئًا جديدًا يخرج منه: كرسي، صندوق، مصباح، كتب، أواني، وأشياء لم أعرفها. في آخر النهار كانت الأشياء قد اختفت تقريبًا.
بقيت الأصص الثلاثة على الأرض.
عندما اقتربت سألني أحد ولديها إن كنت أرغب فيها. قلت إنني سأواصل زرع البذور فيها كما كانت أمهم تفعل. كانا مشغولين بآخر حاجيات الراحلة. كنت حزينًا منذ الصباح، وحين رأيت الأصص الثلاثة على الأرض بكيت.. حملت الأصص إلى بيتنا. كانت أخف مما توقعت. سنوات كاملة على حواف النوافذ، ويد امرأة تعود إليها كل صباح، ثم صارت في يدي دفعة واحدة.
في الربيع التالي زرعت فيها زهورًا تشبه زهورها. نبتت أزهار غريبة، مختلفة عما كنت أتذكره. لم تكن قبيحة، لكنها لم تكن زهورها. واحدة بلون الدم، وأخرى مائلة إلى لون الأرض، وثالثة تفتحت في الليل واختنقت قبل الصباح. عاشت قليلًا، وماتت وهي زهرة. نزعت السيقان اليابسة واحتفظت بالأصص.
كانت أمي بعيدة، في مدينة لا تصل إليها رائحة النافورة. بيننا آلاف الكيلومترات. كان لها ثلاثة أصص في شرفة بيتها في تورونتو؛ طماطم وريحان وكراث وبقدونس. كانت تتحدث عنها في زياراتي كما لو أنها حديقة، وتنتظر أن يأتي الصيف لتأكل منها. في زياراتي الخمس لها حصلت منها على قطعة قماش، وصورة، وعلبة بهارات صغيرة، وأشياء لم أعرف ماذا أفعل بها. وضعتها في الأدراج. بعضها بقي هناك، وبعضها نقلته من درج إلى آخر. وبقيت أشياء عندها، وبقيت أشياء أخرى معي، وبقيت أشياء لم تصل. وكان ما لم يصل أكثر مما وصل، حتى لم أعد أعرف أين أضعه.
في الربيع أخرجت الأصص. كان الغبار عالقًا في حوافها، وفي أحدها شق رفيع لم أره من قبل. ملأتها بالتراب، وزرعت فيها ما وقع في يدي. لم أبحث عن زهور تشبه زهور السيدة وايْمَر. وضعتها على النوافذ الثلاث.
مر يوم، ثم آخر. جاء الصيف. كان الممر كما هو، وملعب الأطفال في آخره، والبيوت الستة متلاصقة كما كانت. والنافورة تفيض.
وفي صباح صيفي وجدت ورقة خضراء صغيرة تشق التراب. مددت يدي نحوها، ثم توقفت. لم أعرف من أي زهرة جاءت.
خلفي كان الماء ينزل في الحوض بصوت خافت.


















