رواية “في زاوية النفق”.. الحقيقة ونصف الحقيقة

nadeen ayman

بيتر ماهر الصغيران

تمثل الديستوبيا أحد أشد تجليات المعاناة الإنسانية؛ فهي مزيج من الخيال والواقع، وصورة مكثّفة لأقصى درجات القمع، عند قراءة أي عمل روائي يستحضر هذه المأساة، نشعر كأننا نعيش داخل عالم خانق تتجسد فيه كوابيس الإنسان وضعفه في مواجهة السلطة والمجهول.

اعتمدت الكاتبة نادين أيمن في روايتها في زاوية النفق منذ الصفحات الأولى على تقديم الحقيقة ونصف الحقيقة، عبر مستويات متعددة بين الصعود والهبوط، مع دمجها بأحد أشكال الفانتازيا.

منذ الجمل الافتتاحية تقول الكاتبة:

“كان كل شيء يسكن هنا: الخير والشر، النظام والفوضى، الواقع والحلم، وذوو الفراء الأحمر الذين فرضوا سيطرتهم على الخطوات والأنفاس منذ نشأة بلدتنا قديمًا، وحفر أول نفق، ودخول أول ساكن.”

كأننا أمام حكاية من حكايات ألف ليلة وليلة تفتح أمام القارئ، في عدد قليل من الجمل، العديد من الأفكار قبل أن يشرع في استكمال القراءة.

سنقوم بتقسيم الرواية إلى أجزاء، ثم نجمع كل الخيوط في خيط واحد كما سنرى في الختام.

الجزء الأول: الحقيقة وأشباه الحقيقة

تظهر الحقيقة وأشباهها في أكثر من شكل دلالي.

يبدأ الدكتور بدر (الأب) عمله كأستاذ جامعي، في حين تمثل الحقيقة الأخرى شخصية الدكتور البسيوني الطبيب.

هاتان الشخصيتان تشكلان الركيزة الأساسية التي تنطلق منها الأحداث.

من الدكتور بدر تنبثق حكاية الابن (الراوي)، الذي يدور في فلك الحقيقة والخيال:

“في تلك الأيام، بتُّ أخاف النوم أكثر من الصحو. تقلقني الأحلام والليالي الباردة.”

ويستكمل الابن (الراوي):

“لأن البعض يعتقد أنه يعرف الحقيقة في صورتها الخام، وبعضهم الآخر لا يفقه من الحقيقة شيئًا.”

لذلك يلجأ الابن، في إطار بحثه عن الحقيقة، إلى لغة الأحلام الموازية، لتظهر الأنفاق كجزء من أشباه المعرفة.

يخوض الراوي في تفاصيل ماهية الأنفاق، التي يمكن إعادة تعريفها لغويًا كممر خفي يتحول إلى حياة موازية.

تضع الكاتبة أمام القارئ عددًا من الإشارات الدلالية، مؤكدة أن تلك الحياة لا يختارها أحد، فهي قدر كالميلاد والموت، وفي الوقت ذاته هروب من المواجهة الحتمية.

 وسط هذا الألم، تلوح بوادر الأمل في محاولات مستمرة للبحث عن حلول والخروج من دائرة الظل.

كما جاء على لسان “ذو النظارة الدائرية”:

“لا تذكر أمر العودة عبثًا، لا ينبغي أن يسمعونا قبل أن نجد حلاً.”

تنتقل الكاتبة بعد ذلك إلى مستوى آخر من “نصف الحقيقة” الخاص بالصحافة، حيث ينشأ الصراع بين نوعين من المقالات:

مقالات ملونة وأخرى قاتمة.

القاتمة تشير إلى الأخبار الصادقة غير المزيفة، بينما الملونة تقدم الأحداث بعد إعادة صياغتها وتجميلها، لنكتشف أن “الريس رفعت” كان مجندًا لصالح ذوي الفراء الأحمر.

الركيزة الأخرى للحقيقة تتمثل في الدكتور البسيوني، الذي تنبثق عنه حكاية الحاجة زينب و”الجهاز”.

عند تتبع تلك الخطوط السردية، يصعب الفصل بين الحقيقي والخيالي لأنهما متداخلان بشدة.

“حدث أغرب ما رأيته في حياتي: بينما يجلس البسيوني دون حراك، بنظرة ثابتة وجسد متصلب، حاولت إفاقته… فانفصل رأسه عن جسده!”

تستكمل الكاتبة هذا الامتداد الفنتازي بوصف الحاجة زينب التي لا يُعرف عمرها الحقيقي، وكأنها وجدت على سطح الأرض منذ مئات السنين.

حتى أنها خصصت فصلًا بعنوان “زينب الروح الأبدية”، لتجعل منها رمزًا للامتداد الزمني للصراع بين الخير والشر — تلك الحلقة التي بدأت منذ الجمل الافتتاحية عن الصراع بين النقيضين: النظام والفوضى، الواقع والحلم، وغيرها من الثنائيات المتضادة.

جاءت رمزية اغتصاب زينب من الكائن ذي الفراء الأحمر كخليط يشبه الأدبيات الأسطورية، إذ تعج الأساطير بحكايات المسوخ الناتجة عن زواج البشر بالحيوانات — مثل أسطورة زيوس الإغريقية.

أما “الجهاز” المنبثق عن الدكتور البسيوني، فهو دلالة على تفوق الإنسان على سائر المخلوقات، بل وهيمنته عليها:

“بث في الأجزاء المادية من جسدها كثيرًا من أفكاره ومشاعره، وأبرزها التمرد على الظلم.”

الجزء الثاني: لعبة الجسد

اعتمدت الكاتبة منهجية التفكيك وإعادة التشكيل، معتبرة الجسد لغةً يمكن قراءتها ضمن استجابات فكرية مختلفة.

تبدأ من دهشة الراوي عندما اكتشف تفكك جسد البسيوني —

كل عضو تهشّم إلى أجزاء أصغر.

من لغة الجسد تنتقل الكاتبة إلى وصف النفس، مطروحةً سؤالًا مستترًا:

“ماذا لو استطاع الإنسان تفكيك نفسه وإعادة تشكيلها؟”

لهذا أمعنت الكاتبة في وصف تفاصيل الأجساد، مثل وصفها للبسيوني:

“فارع الطول، ضخم الجثة، له وجه مستطيل.”

بل حتى الكائنات ذوات الفراء الأحمر لم تسلم من التوصيف:

“كيف نألف أن يكون حاكمنا ذا أربع عيون، يكسو جسده فراء أحمر، له فم يبتلع نصف وجهه، ويصدر جعيرًا غير مفسر؟”

عبرت حادثة اغتصاب زينب عن التنافر بين جسدين: جسد العنف والقوة مقابل الجسد الإنساني المشحون بالعاطفة والعقل.

كما استخدمت الكاتبة مرض الدكتور بدر كدلالة على الوهن والضعف واستجابة الجسد لتغيرات الحياة عبر الزمن.

الجزء الثالث: المكان

يظهر المكان في الرواية بمعناه القريب والبعيد.

القريب يتمثل في البلدة، النفق، والعيادة.

البلدة — بمعناها الشمولي — حملت في طياتها الطبقية.

ويمكن تقسيمها إلى فترتين زمنيتين:

ما قبل ظهور ذوي الفراء الأحمر، وأثناء وجودهم.

في فصل “يوم الغزو” تصف الكاتبة حالة البلدة التي كانت تعيش في هدوء نسبي رغم مشكلاتها، قبل أن تجتاحها ذوو الفراء الأحمر، لتبدأ مأساة الحاضر:

“مأساة الحاضر دائمًا تسطو علينا وتنهك أرواحنا. حضورها مهيب وقاسٍ، يصعب الفرار منه.”

البلدة ليست مجرد مكان للسكن، بل وعاء للذكريات والحنين للماضي في بعد زماني آخر.

أما الأنفاق فهي المعادل الموضوعي للسجن الذي فرضه ذوو الفراء الأحمر بالقوة:

“كل نفق — باختلاف اسمه وسكانه — تفوح منه رائحة الجوع والسجائر وأقراص الأدوية.”

في حين تمثل العيادة — رغم صغرها المكاني — البديل الآمن لكل ما امتلأت به البلدة والأنفاق من خوف.

هناك تظهر العلاقات الإنسانية العذبة التي تكسر حدة الأجواء المتوترة، مثل علاقة الحاجة زينب بآل بسيوني، والتعبير عن المشاعر عبر الرسم والألوان.

كما كان الجهاز الذي اخترعه بسيوني الجد الأكبر وسيلةً لتحويل العيادة إلى مساحة لتفريغ الشحنات العاطفية والرغبات المكبوتة، لتمنح المكان بعدًا جديدًا يتجاوز المألوف.

الجزء الرابع: الزمن

استخدمت الكاتبة الزمن كخط مستقيم يضم الماضي والحاضر والمستقبل، مع اعتمادها أسلوب التقطعات الزمنية.

قد يُروى الحدث الواحد أكثر من مرة، لا تكرارًا بل لتكثيف التفاصيل وكشف أبعاد أعمق.

بعض الفصول مقسمة إلى وحدات زمنية بتقنيات القطع السينمائي، مما يُحدث تداخلًا في المشاهد الروائية.

ففي فصل “الدكتور السيد البسيوني” يبدأ المشهد:

“في تلك الأيام تقريبًا…”

ثم تقطع السرد بجملة:

“عملتوها يا عفاريت؟ كده من غير ما تعزموني؟!”

ثم:

“عندما تمكنت أخيرًا من الصحو.”

وهكذا يتضح أن الكاتبة قدمت الزمن وأخّرته في دوائر مترابطة داخل حكاية واحدة.

حتى الحاجة زينب نفسها كانت إشارة سيمائية زمنية لفكرة الامتداد عبر العصور، وكذلك عائلة البسيوني التي ترمز إلى الصراع الأبدي بين الخير والشر.

أما نفق الموتى فقد كسر حاجز الزمن، وجعله رحلة عبر الماضي والحاضر معًا.

الجزء الأخير: الخاتمة

اجتمعت الخيوط كلها في نهاية واحدة، بين الحقيقة وأشباهها، داخل وحدة بشرية تجمع المكان والزمان والعلم والروح الإنسانية.

حدث التمرد ضد الظلم والثورة الكبرى:

“الكائنات ذوات الفراء الأحمر في سبات عميق، والبشر فوق الأرض يسيرون في مسيرات صامتة، بينما البشر تحت الأرض.

أكاد أجزم أن ترابطهم كان أكثر صلابة من جدران الأنفاق المعتمة.

القصور صارت محاطة بجدران بشرية حصينة.”

مع كل ذلك، تؤكد الكاتبة ضرورة اليقظة، فالمخاطر لا تنتهي إلا بالاتحاد والعلم في مواجهة الظلم والجهل.

تُختتم الرواية بعدد من المفردات الدالة، أبرزها مفردة الضوء التي تتكرر في أكثر من موضع:

“فلم أكن أتبين وجوههم في تلك الإضاءة المزعجة.”

“الشمس يفيض ضوؤها في الغرفة الرئيسية.”

“في الأنفاق، يلازم الضجيج والصياح الظلام، بينما الهمس والوشوشات يلازمان الضوء.”

لقد خلقت الكاتبة من لعبة النور والظلال والظلام حالة من التآلف بين درجات الضوء، منحت القاريء مساحة أعمق للتأمل في الأحداث، بين الفرح والحزن والتمرد والثورة.

 

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع