أ.د. إبراهيم منصور*
تعريف بالرواية
رواية “ظل الحجرة “[1] هي الرواية الثانية ل”سمير الفيل”[2] من بين ثلاث روايات، صدرت بعد روايته “رجال وشظايا”[3] وقبل روايته “وميض تلك الجبهة”[4] انتهي الكاتب من كتابة ظل الحجرة يوم 26/ 7/ 1985، ولم تنشر إلا في عام 2001م، أي بعد 15 عاما. هناك افتراض مستنتج من تواريخ النشر- أن تكون هذه أول رواية كتبها الفيل، لكننا لا نملك تأكيدا من دون الرجوع إليه، لأن الروايتين الأخريين لم يثبت فيهما تواريخ الكتابة.
الراوي عبد العزيز صالح النجار هو الشخصية الرئيسية في الرواية، متزوج، طلق زوجته (انتصاف) وله طفل منها، أسماه على اسم أبيه (صالح) عائلته مكونة من أربعة أولاد: شكري (تاجر) وخالد (منهدس) وفتحي (بكالوريوس تجارة وزوجته ثرية) وعبد العزيز(مدرس فلسفة وكاتب مسرحي) وبنت واحدة (منيرة) والأم (عنايات) أما الوالد (صالح) فقد مات منذ زمن وتزوجت الأم رجلا آخر. هناك أخوال وأعمام وعمات وأصدقاء، فالرواية غنية بالشخصيات، وقد أحصيت أربعين شخصية على الأقل، وهي في ذلك تشبه رواية نجيب محفوظ ” الباقي من الزمن ساعة” (1984). لكن رواية نجيب محفوظ رواية أجيال، أما هذه فتعالج فترة من خمسينيات حتى سبعينيات القرن العشرين، فهي مركزة على جيل واحد هو جيل الراوي وإخوته .
حين مات الأب كان عبد العزيز أصغر الأولاد الذكور، وأرادت أمه أن تتزوج من تاجر يملك “وكالة فاكهة” متعللة بأن الرجل سوف يأتي بالخضار واللحم والفاكهة لإطعام الأسرة، ولم تكن هناك معارضة ذات شأن لهذا الزواج إلا من الصغير عبد العزيز. التاجر الذي تزوج الأم اسمه (فودة الخزرجي)، كان هدفه انجاب ولد ذكر فزوجته لم تلد إلا البنات، لكن الهدف لم يتحقق، فمرض الرجل ومات.
زمن القصة
الزمن الذي تبدأ منه أحداث الرواية هو بعد سدول الليل، ذات مساء شتوي في المستشفى العام، حيث تموت الأم في حضور ابنها الآصغر عبد العزيز، وتنتهي الأحداث في صباح اليوم التالي حين يوارى جسدها التراب، فالأحداث المروية في أحد عشر فصلا، لا تستغرق أكثر من 11 ساعة تقريبا، ويرويها الراوي بالضمير الأول “أنا” . هذا هو زمن القصة حيث تموت الأم في المستشفى ثم ينقل الجثمان إلى المنزل ويسجّى في حجرة ويتدفق أولادها وأقارب الأسرة، ثم تأتي المغسّلة، وأخيرا يتم الدفن صباحا.
قسّم الكاتب الرواية إلى فصول، كل فصل له عنوان، هذه العناوين لا تدل على تطور في الزمن، بل على أفعال وذكريات، تحمل دلالات وكنايات، فالفصل الأول (صفعة مساء قديم) كناية عن موت الأم فجأة، والفصل الأخير الذي يحمل عنوان” قطعة رخام” كناية عن نهاية الجسد داخل المقبرة. وظني أن هذه العناوين، قد توحي بأزمنة للسرد الخطي، لكن ذلك غير صحيح، وقد تكون أرقام الفصول كافية لرصد التحول الزمني من ساعة إلى التي تليها، فهذه هي الوقفات الزمنية بين أحداث الفصول، لكن الكاتب نجح أيضا في إيهامنا بأن السرد خطي.
الجغرافيا السردية
تقع أحداث الرواية في مدينة دمياط، فنحن نقرأ اسماء الأماكن المعروفة بها:
حارة العيد – شط الملح – قهوة شاهين – ضريح جمال الدين شيحة – أبو المعاطي – ضريح المظلوم –
شارع البدري –جامع البحر – سوق الحسبة – المستشفى العام -أرض الجمل -عزبة اللحم – قرية الخياطة – السنانية – بحيرة المنزلة – وأخيرا رأس البر. هذه الجغرافيا ليست أماكن مذكورة في السياق بلا تأثير، إنها متسقة تماما مع الحرف والمهن التي يعتاش منها الرجال والنساء في الرواية، كما أنها ترتبط بما عاشته الشخصيات من معاناة ( عمل الأطفال في ورش الموبيليا) وامتهان التجارة (معارض الأثاث) وما حدث من صدام بسبب اختلاف الثقافة (فلاحين وأبناء مدينة) وهجرة داحلية (بورسعيد) واصطياف (رأس البر)
هناك جغرافيا فرعية : جامعة القاهرة – السيدة زينب –سجن القلعة -الكلية الحربية – بورسعيد – السويس – منطقة القناة وسيناء – باريس-اليونان – ألمانيا -الكويت ودول الخليج العربي عموما. وهذه الجغرافيا أيضا ذات أثر بالغ في مصائر الشخصيات وتطور الأحداث، حيث الدراسة الجامعية (المظاهرات) والدراسة العسكرية (احتراف الجندية) والسجن السياسي (سجن القلعة) والحروب المتوالية (سيناء والقناة) ثم الهجرة الخارجية في أوربا (باريس واليونان وألمانيا) والارتحال للعمل بعد حرب أكتوبر (الكويت ودول الخليج)
وهناك أماكن لا تذكر الراوي بحدث عايشه هو أو إخوته، بل تأخذه، وهو المثقف، إلى الماضي البعيد، فحينما يزور الرواي مع خاله إسماعيل ضريح “جمال الدين شيحة”[5] فإن عقله، لا ذاكرته، يعمل، ليعبر الزمن إلى الماضي البعيد حين كانت دمياط في مرمى مدافع الفرنجة ومرسى لسفنهم، هؤلاء الصليبيون الذين انتهكوا حرمة المدينة، فهرب أمراء المماليك، وجاء جمال الدين شيحة ليتعاون مع الفقراء والعيارين والشطار يقاوم ببسالة، فيدفع عن المدينة غزاة أوربيين في إحدى هجماتهم المتكررة.
الشخصيات
1- الأم
برغم أن السرد يبدأ وقد أصبحت الأم (عنايات) جسدا مسجى على سرير المستشفى، فإن شخصية الأم تعد شخصية مركزية بعد شخصية الراوي عبد العزيز، إنها مركز الدائرة بالنسبة إليه، فهو حائر بين حبها والنفور من سلوكها، فقد صفعته حين قبّل “سوسن” أول محبوباته، كما اعتادت على استنكار تعلقه بصورة أبيه المعلقة في حجرة نومها، وهي ارتكبت الخطيئة الكبرى حين تزوجت من “فودة الخزرجي” من بعد وفاة زوجها، فدنست فراش أبيه، وقد عيّرته بنات الخزرجي بالقول عن أمه أنها “خاطفة الرجال”. لذلك فإن عبد العزيز لم يحب فودة أبدا وظل يحمل الضغينة والرفض لهذا الزواج وخاصة أن الزوج قد ضربه، فلم تكن بينهما علاقة رضا، أما الأم فهي بالنسبة له كل شيء لذلك يمكن تفسير العلاقة بعقدة أوديب، فالراوي الذي ينتقد أفعال الأم لا يستطيع أن يكرهها، إنه وبعد موتها وحتى أثناء الدفن لم يبك، لكنه الوحيد الذي كان بصحبتها حين فارقت الحياة في المستشفى، وهو الذي اقترب من جسدها في المنزل وتأمل في التفاصيل فأرشد أخته (منيرة) لوجود مشغولات ذهبية في رقبتها وأصبعها ومعصمها، فكانت ثروة انتزعوها، بإشارة منه، بينما هو عف نفسه عن الاقتسام معهم. لقد احتضن جسدها و “همس بنبرة خافتة: أمي أمي“
إنه يصرح بحقيقة مشاعره تجاهها مرددا قول الشاعر:
ذهب الذين أحبهم وبقيت مثل السيف فردا [6]
هو أيضا يقدم في آخر مشهد من الرواية قطعة نثرية هي قصيدة رثاء لأمه أمام قبرها.
2- معاز الأسمر
“مَعاز الأسمر” يفترض أن يكون اسمه “مُعاذ” وقد اتصلتُ بالكاتب للتأكد من صحة كتابة الاسم ونطقه، لكنه لم يقطع برأي، وأنا أنطقه وأكتبه هنا كما ورد في سائر صفحات الرواية، ومعاز هو صديق الراوي، درسا معا في الجامعة، وكان معاز أكثر راديكالية منه، صحيح أنهما سجنا معا في سجن القلعة، بسبب المظاهرات التي خاضوا فيها مع الطلاب سنة 1972 مطالبين بالحسم لتحرير سيناء، لكن معاز الذي نال تعذيبا أكثر مما ناله الراوي، اختار الهجرة فهو الآن متزوج من امرأة فرنسية بيضاء اسمها (سليا) ويعيش منعما في باريس، لكنه غير راضٍ عن نفسه، حينما التقى بالراوي، زميله القديم، اعترف بالهزيمة:
“قال لي عبارة زلزلتني: معاز الأسمر الذي تعرفه مات، ذلك الرجل المتأنق الذي يتأبط ذراعك الآن هو بقايا إنسان“[7]
إن هزيمة “معاز” لها سبب قديم، فقد نال منه التعذيب والإهانة منذ أن شارك في مظاهرات الطلاب بعد هزيمة 67.
3- الخال إسماعيل
كان الأسطى إسماعيل خال الراوي من أقرب الشخصيات إلى عقل عبد العزيز وقلبه، كما كان قريبا من والده الراحل، إنه شخصية حكيمة متزنة، ولكن الأهم أنه متمسك بالقيم وبالكرامة، لذلك سنراه يموت فقيرا مشلولا بعد أن جرحت كرامته حيث توارت حرفة تفصيل الملابس الرجالي، وحين عرض عليه مبلغ من المال مقابل ترك الدكان واعتزال الحرفة أبى. أما ابنه (صبري) الذي تخرج في الكلية الحربية، وحارب وهزم، ففقد عينه وساقه، وأخيرا ذهب إلى الكويت لكي يحصل على “السيارات الفارهة والدشداشة وأكوام المال”. لقد كان الخال إسماعيل يرى في عبد العزيز ابن أخته الشخص الذي يملك عقلا متزنا ورأيا راجحا:
-“قلت : ولماذا انجذبت وحدي إليك
-قال وعقله شارد: لأنك تبحث عن الحقيقة”[8]
إن الحوار بين عبد العزيز وخاله إسماعيل هو حوار فريد في الرواية، يكشف عن أزمة الشخصيات وندرة في الصبر على تداول الأفكار في مجتمع يلهث وراء كل شئ ولا ينال شيئا.
4- نوال
نوال هي خالة الراوي، وهو يقول عنها إنها الوحيدة في الأسرة التي تزوجت عن حب، وقد عاشت مع
زوجها في السويس، ولكنها عانت الويلات من الضرب والتجريح:
“تقول إن البنات كالفراشات، يعشقن الوهج، ويحترقن في الضوء، يقتربن وهن يدركن المصير الرهيب الذي ينتظرهن“[9]
لم تبح نوال بالسر، وتبرر ذلك بأنها أحبته وباعت أهلها من أجله، كانت تتحسس مواضع الضرب، ولا تريد أن يشمت فيها أحد.
5-شكري وأمثاله
هناك شخصيات لا يرى الراوي فيها إلا الخواء، بل الكذب والتدليس، منها شخصية شكري شقيق عبد العزيز، الذي هاجر لدول الخليج ثم عاد لينمي ثروته، فأصبح تاجرا يملك معارض الأثاث (الموبيليا) ويعاود زيارة الأراضي المقدسة، لكنه لا يكف عن مراودة الفتيات والاعتداء على عفتهن كما صنع قديما مع أميرة محبوبة عبد العزيز، إنه “يدنس كل شئ نبيل”[10]
أما الدكتور كريم، فهو أناني، غرضه جمع المال:
–سألني فتحي: هل عاد الدكتور كريم من الخارج؟
-قلت بغير حماس: اسأل الحاجة محرومة
– فقال مستنكرا : أيقضي عمره كله خارج مصر”
داهمتني رغبة حادة في الضحك أنت الذي تقول هذا يا فتحي؟ ألم تكن فرحا عندما جاء شكري بهداياه وتمنيت أن تذهب وتقضي بقية عمرك في تلك البلاد التي تطعنها البداوة بخناجر من رمل كمواطن من الدرجة الرابعة؟[11]
تنتقد الرواية الذين يسافرون لبلاد النفط، وتضعهم في قران واحد مع التجار الذين ينهبون العمال، ومع المتاجرين بالدين المدعين للتقوى والصلاح فيكررون رحلة الحج والعمرة مرة تلو مرة، فكلهم سواء بسواء، يتخلون عن القيم الغالية ويلهثون وراء المال، ولكن الراوي يتهمهم بما هو أشنع:
“أليست أمنية غالية للعائلة أن تقطع جذورها بالأرض، وتذهب حيث تلال الذهب والثراء المفاجئ، ذلك الفتات الذي يلقى إليكم في مقابل أن تصبحوا أصناما لا ترى ولا تسمع ولا تتكلم”[12]
يبدو الراوي هنا أكثر راديكالية من كل من نجيب محفوظ في” الباقي من الزمن ساعة” وإبراهيم عبد المجيد في “البلدة الأخرى” (1996) في نقد وتسفيه الثروة النفطية وما جلبته على المصريين من تحولات. وقد يكون تجذر هذا المعنى في الرواية سببا لتقاعس الكاتب عن نشرها بعد الانتهاء من كتابتها، خاصة وأن الكاتب قد سافر فعلا إلى المملكة العربية السعودية وعمل هناك في التدريس والصحافة لمدة أربع سنوات[13].
ومثل هذه الشخصيات هناك المهندس باسم، ابن الخال (وصفي) مهاجر إلى ألمانيا ( شتوتجارت) وهو زوج مهجور لا يرى بأسا في استبدال الزوجة الألمانية (فتاة الغلاف) بواحدة أخرى ألمانية أيضا، وإدريس زميل الراوي في المدرسة الابتدائية الذي غدا تاجرا صاحب ثروة ويتهرب من دفع الضرائب.
6- نساء عبد العزيز
عبد العزيز الذي خاض الكفاح السياسي، وعارض أمه في زواجها، وأبدى آراء راديكالية في مسألة السفر
والتجارة، فبدا مثقفا مأزوما، بل فيلسوفا وجوديا حائرا. كانت له عناية خاصة بالمرأة والحب، وقد ارتبط في حياته بعدة فتيات وقد جمعهن في قوله:
“كان الحبل قد التف حول رقبتي ورأيت البنات يندبن حظي العاثر ويبكين: سوسن ومنى وعواطف ونشوى وهاشمة”[14] إنه هنا يضع منى مكان أميرة[15] وينسى انتصاف.
ويرى عبد العزيز أن البنات اللائي عرفنه كنا تعيسات لأنه لم يكن مفهوما لديهن ولا شك أنه هو نفسه كان المتسسب في تلك القطيعة “كنت مترددا مرات، وضعيفا مرات أخرى“[16]
لقد تجاهل عبد العزيز هنا المرأة الوحيدة التي تزوجها وهي (انتصاف) التي رفضت المشاركة من مرتبها في مصروفات المنزل، وأيدها أبوها تاجر (الموبيليا) فطلقها ولم تمانع أمه، وتركها تغادر المنزل بولدهما. ويبدو من هذا التجاهل أن عبد العزيز قد وقع على مدى عمره البالغ أربعين عاما في غرام هؤلاء الفتيات لكنه لم يحب (انتصاف) أبدا. ةأة ااة
سوسن هي حبيبة الطفولة وقد كانت علاقته بها سببا في الصدود عن أمه، فقد أرادت الأم أن تجرّس البنت الصغيرة أمام أهلها حتى لا تعاود الاتصال بابنها الصبي، أما أميرة فهو ابنة خاله التي تطلع للارتباط بها، لكن أخاه شكري وضع حاجزا ثقيلا بينه وبينها حين انفرد بها في عشة رأس البر ورآها عبد العزيز في حال تلبس وقد تعرى صدرها، وأما عواطف فهي شاعرة عرفها الراوي أيام الدراسة في الجامعة وكان منخرطا في المظاهرات الطلابية رافضا للشعر والرومانسية، وأخيرا هاشمة الممرضة الباذخة الجسد المتعطشة للحب، وقد راودته عن نفسه في المستشفى بعد وفاة أمه وانشغال زوج أخته بإتمام الإجراءات ونقل الجثمان للمنزل، وهو يذكر دائما قولها له “الحب يبدأ بعد الأربعين” وهي أيضا من قالت له ساخرة:
– هل يمكننا أن نقيم جمهورية أفلاطون يا أستاذ؟[17]
تعد رواية “ظل الحجرة ” رواية نسوية بامتياز لأنها فككت كثيرا من العلاقات بين الرجال والنساء في مجتمع يدّعي الفضيلة والعفة والاستقامة الخلقية، ولكنه يغوص في جسد المرأة فتكا وانتهاكا.
الخطاب الروائي
رواية “ظل الحجرة” مثل كل رواية مرموقة روعتها في أسلوب السرد، أي ذلك الذي يسميه نقاد السرد “الخطاب“، فإذا كانت القصة تشبه كثيرا من الروايات السياسية أو ذات الخط السياسي مثل روايات نجيب محفوظ أو جمال الغيطاني أو صنع الله إبراهيم، فإن هذه الروايات قد استمدت خصوصيتها وتفردها وقيمتها الأدبية من ذلك البناء السردي الفريد الذي نراه في كل واحدة منها.
لقد استطاع سمير الفيل أن يخرج من عالم الشعر والمسرح إلى عالم السرد بكتابة القصة القصيرة منذ عام 1974، لكنه في “ظل الحجرة” لم يقدم نصا روائيا تقليديا، بل لجأ لأسلوب حداثي هو “السرد المتقطع المتداخل في الزمن” فاستخدم “تيار الوعي”
في رواية “ظل الحجرة” لم يقلد الكاتب سمير الفيل فرجينيا وولف (1882- 1941) في رواية “السيدة ديلاواي” ولم يقلد جيمس جويس (1882- 1941) في “عوليس” ولم يقلد وليم فوكنر(1897 – 1962) في “الصخب والعنف” إنه على بينة بطرائق السرد التي اتبعوها في نصوصهم الكبيرة المؤثرة، لكنه استطاع أن يقدم رواية من بنات أفكاره، بناها على أساس مكين من السرد السلس المتدفق، واستخدم راويا واحدا هو نفسه الشخصيىة الرئيسية في الرواية، لكن هذا الراوي الذي يسستخدم ضمائر المتكلم بجميع صورها “أنا” “قلت” “لم أكن” “واجهنا” “سأترك” ” مني” “نحوي”..إلخ وهذا يناسب السرد الخطي الذي ينتقل فيه السارد من واقعة إلى الواقعة التي تليها، أما أن يتنقل بين الحاضر والماضي وبين الحلم والذكريات والتصورات والتهويمات والخيالات ويجعل كل ذلك في سياق واحد متتابع لا ينقطع، فهذه هي الصعوبة وهذا هو التفرد.
إن التدفق الذي يتبع تيار الشعور جعل رواية “ظل الحجرة” تستحق الإشادة والتنبيه إلى تفردها، وإن اختيار الكاتب لليلة واحدة لتكون زمن القصة يشبه ما فعلته فرجينيا وولف، ويشبه ما فعله جيمس جويس، ولكن الكاتب في “ظل الحجرة ” كان واعيا لطبيعة الراواية التي يكتبها، فاختار زاوية النظر وطريقة السرد اختيارا موفقا ونجح في اختبارٍ قاسٍ وشديد الصعوبة.
في الفصل العاشر، وعنوانه “طلاء يتفتت” كناية عن انهدام البيت بوفاة الأم، يتذكر عبد العزيز ما جرى مع طليقته:
“تتحرك بالداخل وتضع الأصباغ على وجهها. التراب الذي يعلو قلبي هل أنفضه الآن يا انتصاف؟
ماذا تريد مني أميرة؟
وهل كانت هاشمة على حق حين أخبرتني أن الحب لا يبدأ إلا بعد ألأربعين؟ ………………………….
سأشتري سنوات المعاش العشرين وأدفع كل ما معي لأشتري حريتي” [18]
في هذه الفقرات كما في سائر الرواية، يعتد السرد “تيار الوعي” فيكون الانتقال من زمن إلى زمن، من الحاضر إلى الماضي، ومن الماضي البعيد إلى الماضي القريب، ومن الحاضر إلى المستقبل، كان خيار الكاتب طوال الرواية، حيث عقل الراوي وذهنه وأحلامه وهواجسه وذكرياته تنصب أمام القارئ صبا، وتتوالى متدفقة في سلاسة وبلا عائق على الإطلاق.
خلاصة
أعطانا سمير الفيل في روايته “ظل الحجرة” معنى هو في صلب النقد الاجتماعي، تاريخ أسرة من الطبقة الوسطى عاشت في النصف الثاني من القرن العشرين في مدينة صناعية هي دمياط، وارتبطت بجغرافيا أوسع من المكان الضيق الذي عاش فيه كل من الأب والأم والجد والأخوال والأعمام، لكن انخراط الأبناء في التعليم والجندية والعمل والهجرة، جعل الراوي ينظر بريبة لسلوك أغلب الشخصيات، وبقيت شخصية الخال إسماعيل “أسطى تفصيل ملابس الرجال” متفردة من وجهة نظر الراوي لأنه لم يعبد المادة، ولم يتخلَّ عن حرفته، وجعل نفسه مريدا للمناضل القديم “جمال الدين شيحة” (صاحب ألاعيب شيحة لقدرته على التخفي في أسلوب مقاومته للصليبيين) يزور قبره ويتذكر سيرته.
أما ابنه (صبري) الضابط الذي قابل العدو في سيناء وهزم ففقد ساقه وعينه، فقد كان أقل تمسكا بالقيم التي آمن بها أبوه الأسطى إسماعيل فنال من الرواي السخرية والتجاهل.، فما الفرق بينه وبين “شعبان” زوج الخالة تمورجي الصحة “الذي يأكل مال النبي” ؟
ويمكن القول إن الرؤية السوداوية في الرواية قد جعلت من جيل كامل من المصريين مهزوما، منذ العام 1967م، فلم يفلح الانتصار في 1973 في إعادة الاتزان للشخصية المصرية، والراوي عبد العزيز في تسفيهه للمال لم يختلف عن الراوي في قصة “عواء أبدي” المنشورة عام 2010من حيث تعريضه بالهجرة من أجل المال[19].
إن التاريخ والوطن مذكوران في رواية “ظل الحجرة” لكنهما يعانيان من التحولات والإهمال، ولذلك كانت الشخصيات كلها مهزومة وحائرة، أما تلك التي دفعت دمها وحياتها في ساحة الوغى ( عثمان جلالة – صبري المر –بطرس – شوقي القط) فهي شخصيات جديرة بالاحترام والتبجيل. أما الشخصيات الأخرى المهزومة فهي انعكاس للتحولات التي لم تكن في صالح التعليم والعلم والثقافة، إنهم “مثل قبيلة من الهنود الحمر البدائيين يجب أن تنقرض”[20]. لذلك كانت صورة جمال عبد الناصر[21] – الذي تذكره الرواية بدون اسم – صورة تجمع بين النقيضين البطولة والسمو من ناحية، والاستنكار وتحمل عبء الهزائم كلها، من ناحية أخرى.
……………………….
الهوامش والمراجع:
1- سمير الفيل (2001) ظل الحجرة، رواية، مركز الحضارة العربية، الطبعة الأولى، القاهرة.
2- ولد سمير الفيل في دمياط في 16 يناير 1951م، له إنتاج أدبي على مدى يتجاوز خمسين عاما، ونال عدة جوائز في الشعر والقصة والمسرح، إنتاجه الأدبي غزير في شعر العامية ومسرح الطفل والرواية والنقد، ولكن إنتاجه في القصة القصيرة أصبح علامة على إبداعة في آخر 25 سنة، حيث يعد أغزر الكتاب العرب إنتاجا في جنس القصة القصيرة.[2]
[3]رواية (أدب أكتوبر ) الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة. 3- سمير الفيل ( 1990) رجال وشظايا،
[4] 4-سمير الفيل (2008) وميض تلك الحجرة، رواية، إشراقات جديدة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة.
[5] 5- ظل الحجرة ص ص .109 – 110.
[6] 6- رواية ظل الحجرة ص 72
[7] 7- ظل الحجرة ص
[8] 8- ظل الحجرة ص 70
[9] 9- الرواية ص 45
[10] 10- الرواية ص 44
[11] 11-الرواية ص 90
[12] 12- الرواية ص 90
[13] 13- سمير الفيل (2000) مواجهات،، حوارات، الهيئة العامة لقصور الثقافة، إقليم شرق الدلتا الثقافي، دياط، ص.7.
[14] 14- الرواية ص 80
[15] 15- هل استطاع الروائي أن يضبط التوقيت ويراعي المناسبة بين الحوادث في سائر الرواية ؟ أم أفلتت منه بعض الأمور؟ مثلا مفهوم أن الأب صالح النجار قد مات وأولاده في سن المدرسة الإعدادية، فكيف قال الراوي ( ص 73 من الرواية) إن خالد قد تخرج في كلية الهندسة فوضع شهادته مع الكراكيب بجوار عقد وزاج أمه الحديث من فودة!! إن الفرق بين حادثة موت الأب وزواج الأم وبين تخرج خالد لا يقل عن عشر سنوات، فكيف يوصف عقد الزواج بأنه حديث؟
[16] 16- الرواية ص 55
[17] 17- الرواية، ص.34.
[18] 18- الرواية ص ص 116 -117.
[19]19 -جاء في قصة “عواء أبدي” وصف شخصية البطل “في بلاد الجازعاش بلا قلب” في إشارة إلى التكالب على الثروة النفطية، سمير الفيل (2010) هواء بحري، فكرة للنشر والتوزيع،القاهرة، ص 111.
[20] 20- رواية “ظل الحجرة” ص. 107. وأيضا ص. 125.
[21] 21- ظل الحجرة، ص. ص. 84- 85.
















