محمد ممدوح
في المجموعة القصصية «رصاصة خرجتْ من جسده، واتجهتْ للبحر» للناقد والقاص عماد مجاهد، والصادرة عن دار إيقاعات للنشر والتوزيع 2026م، وعبر 39 قصة تتفاوت طولاً وقِصَراً، نعاين تفكيكاً كاملاً للعالم وإعادة تشكيله بطابع عبثي، لا يختلط فقط بالغرابة كهامش على متن الأحداث، وإنما يعرضها مشوهة بِنسَبٍ مختلفة، لخلق دلالات جديدة تماماً وغير متوقعة فى سياق القصص.
العبثية هنا تخلق منطقها الخاص جداً، القائم على تضاد حاد بين تصورات الراوى للعالم، وبين مكونات هذا العالم ذاته، تاريخياً وأدبياً ودينياً؛ حيث يتحرر الراوى، وبالتالى شخصياته، من الالتزام بدقة التواريخ، ونسبة الأحداث الحقيقية لأصحابها، بل يعمد طول الوقت إلى كتابة تاريخها البديل والمشوّه، واختراع حيوات لشخصيات وبلدان لم تكن يوماً على الخريطة.
يكتب عماد مجاهد تاريخاً بديلاً للواقع بمفرداته؛ كطفل نَزِق أمام لوحة يعيد تشكيلها برؤية واقعها المشوه/ الحقيقى، مسقطاً الرهان على بنية فنية منطقية تبنى عليها الأحداث فى داخلها، وإنما على فكرة «عبثية العالم» ذاتها، كمبرر فنى فى بناء القصص!
ففى قصة «رصاصة خرجتْ من جسده، واتجهتْ للبحر»، عنوان المجموعة، نرى رصاصة تتجول فى شوارع المدينة ككائن حى تقتل من يقابلها دون أن تترك أثراً، وعندما تستقر فى تجويف ذراع «العم عبد العال» الأيمن، يطلق الرصاصة داعياً أن تكون عقاباً للجبارين، باتجاه البحر لتغتسل وتبدأ رحلتها.
وفى «سكاكين المطابخ»، نرى السكين كمركز للسرد بتنويعاتها المختلفة؛ كأداة لتقطيع الدجاج بيد الأم، ليلقيها الأب بلا مبالاة، ويلوح بها «بدرو سباتينى» للطائرات التى تهبط فى ساحة الغلال بالقرب من بيت الراوى فى ميونيخ! لنعلم بعد ذلك أن بدرو أنقذه الأب من الغرق بمركبه فى رحلة صيد بالمحيط الهادئ! لكننا نكتشف أن الأب لديه حوت صغير فى بيته الريفى بمارجونيا بدولة البهار، التى تجمع فيها الحكومة المشردين والمجانين!
ومن أعذب قصص المجموعة «خوليو كورتاثر»، الروائى الأرجنتينى المعروف، الذى يقابله الراوى عبر سطرين فى صفحة 156 من كتابه «كل النيران»؛ فيكفى أن يقطع المسافة من المنضدة للسطور، ليجد نفسه متنقلاً بين بوينس آيرس والقاهرة. يسأل كورتاثر الراوى عن مجموعته القصصية الجديدة، فيخبره الأخير أن لديه 120 قصة لم تنشر، وسيذهب لأصدقائه ليقترض ثمن طباعتها… إلخ.
وفى أطول قصص المجموعة وأثقلها (15 صفحة)، «فيليب أغسطس»، نرى عالماً من جنون كامل وهذيان بلا حد، على خلفية استدعاء شخصيات وأزمنة وأمكنة متباعدة، ومفارقات تاريخية وهوياتية ودينية متواترة؛ فالراوى يفاجأ بـ«فيليب أغسطس» يجلس متجفياً بجواره فى قمرة سفينة، ثم يذكر أن لعائلة أمه علاقات جيدة مع الملائكة؛ حيث تتحقق أحلامها على أرض الواقع، من ضمنها أن أباه باع البلد لأمريكا، فكافأته بسراقة إلكترونية يسرق بها الناس فى سوق الخميس وهو ممدد فى سريره!.
إنها قصص الجنون الكامل، والهذيان العبثى الممتزج بالكوميديا السوداء.
















