“رجل الطين” لرحاب لؤي.. عتبات الهشاشة

rehab loay

محمد الدناصوري

في المجموعة القصصية الأولى والأحدث “رجل الطين” للكاتبة رحاب لؤي – والتي تجيء بعد رواية فارقة ومهمة هي “قرية المائة”، يقف أبطال المجموعة على حافة الكثير من العتبات الفرعية التي تسيطر على أجواء المجموعة بالكامل، عتبة الفقد بكل أشكاله وصوره موت، طلاق، تقاعد، وخيانة، وعتبة الانهيار بكل أشكاله اكتئاب، خوف، عجز واحتراق، وعتبة الخرافة، بينما العتبة الرئيسية التي يقف الجميع هنا على حافتها بلا استثناء بمختلف معاناتهم وآلامهم وحكاياتهم هي عتبة الهشاشة الإنسانية.

تكتب رحاب لؤي في مجموعتها القصصية رجل الطين عن بشر عاديين، في منتهى العادية، في لحظات انكسار غير درامية بالمرة، وعبر أدوات رمزية في منتهى الذكاء السردي، وبوعي نفسي عميق وبطريقة صادقة ومؤلمة ومتماسكة كعالم واحد لا يتجزأ، عبر مجموعة من الأماكن ليست محايدة بحد ذاتها، وليست مجرد ديكور وهمي يتحرك فيه الشخصيات بلا هدف، تكتب واحدة من أعذب المجموعات القصصية وأكثرها إيلاماً، يقف فيها جميع أبطالها على حافة عتبات الهشاشة، ولا أحد فيهم يعبر تلك العتبة إلى خلاص نهائي، لكن الجميع يتعلم كيف يقف ولو مؤقتاً، دون أن يسقط سقوطاً مدوياً ونهائياً. لا خلاص هنا، بل إعادة ترتيب، إعادة تموضع، ورؤية مغايرة للألم والحياة.

شخصيات رحاب لؤي ليست ثورية، وليست بطولية، بل تتكيف تماماً مع وضعها الحالي، وتتعلم كيف تحتال على الألم، بل وتخترع وسائل بقاء متفردة، تواجه عجزها وتتفهم أن العجز ليس فشلاً بل وضعاً إنسانياً طبيعياً حين تختل مفاهيم العالم، وتختل معها ضمائرنا الإنسانية. كل هذا يأتي مغلفاً بلغة شديدة العذوبة والشفافية والصدق، لغة ترفض الميلودراما الفجة، بدون خطابات زاعقة، وبدون أن تحتمل من المعاني ما لا يمكن أن تحتمل، لغة ينبض الألم والوعي الإنساني والضمير الحيَ في كل تفصيلة فيها، عبر وصف سرديَ يكاد يكون هو بطل المجموعة الأوحد وبلا منازع، لتقدم لنا اثنتى عشر قصة فارقة في وجودها الأدبي.

1

رجل الطين:

أنت في قلب الحدث مباشرة، حال كل قصة قادمة، بلا مقدمات أو فلسفة فارغة، قصة تقوم على ثنائية الأعلى والأسفل. البطلة في مقعدها الدائم خلف ثقب في نافذة هو تذكرة ولوجها للعالم الخارجي ثقب نافذتي الذي جاء بالضبط أمام ناظري، بطول جلستي فوق المقعد، هو منحتي الربانية، بينما الرجل العاري إلا مما يستر عورته في الأسفل، حفره في الأرض، ولكنه حر في وجوده الروحي. هذه المفارقة تخلق توتراً دلالياً، العجز الجسدي لا يعني بالضرورة ضعفاً، والانحطاط المكاني لا يعني انعدام القيمة.

ثقب النافذة الذي يمثل للبطلة رمزاً كلاسيكياً للحد الفاصل بين (الداخل \ الخارج) ( الذات \ العالم ) ( الأمان \ الخطر ) هو أداة رؤية فقط لا مشاركة، مما يعمق مأساة البطلة، أنها ترى، ولكنها لا تستطيع فعل شيء.

 الطين على جسد الرجل القابع هناك، داخل الحفرة، كأنما يلتصق بي، وأثر البلل، كأنما يبللني أنا، فصرت أمرض وأجوع نيابة عنه

تمثل الأم هنا سلطة الخوف والحماية، ترى الرجل شيطاناً وتحيط ابنتها بعنايتها وخوفها من العالم الخارجي بكل ما يمثله لكن أمي تحبني كثيراً وتخاف أكثر بينما يمثل الأب هنا سلطة المعنى، التصوف، والإيمان بالباطن، يرى رجل الطين ولياً من أولياء الله الصالحين، يشفق عليه، ويحنو عليه.

تقول الفتاة بعد وفاة الرجل لمذا نبكي حين يموت الطيبون ؟ تسأل نفسها سؤالاً يبدو في ظاهره السذاجة والعفوية، ولكنها سرعان ما تجاوب نفسها إجابة تعتصر القلوب وتحمل في طياتها كل براءة ونضج هذا العالم الذي تكاد لا تعرف شيئاً عن وجهه البشع ربما لأن الكون بشع جداً، لأنهم يمثلون رحمة الله في الأرض، تصير الدنيا أكثر قتامة من دونهم، أو لأنهم أسدونا خدمة جليلة بأنهم لم يكونوا أوغاداً ولا مجرمين

تطرح الكاتبة عبر تلك القصة اشكالية الألم المشترك، وكيف يعاد تأويل البؤس بعد زوال خطره، وكيف يتحول العجز إلى بصيره، وتصرخ في وجه مجتمع لا يرى المختلف إلا بعد موته.

2

الممـر

يقف مختار بطل قصة الممر على حافة عتبة وجودية، الخروج على المعاش، الفراغ المنتظر، الشيخوخة الرمزية، عتبة فقدان المعنى.

مختار هنا هو شخصية إشكالية، لا تحرك الحدث، بقدر ما يكشف الحدث نفسه عن هشاشته الداخلية، شخصية عابسة وكئيبة، لا يرى الحياة إلا سلسلة متواصلة من المعاناة ويؤمن أنه لا يتوجب على المرء أحياناً أن يفكر في أبعد من لحظته الحالية.. يحاول مختار أن يتفهم شعوره، يدرك احداثيات ما يمر به، حدود مشاعره بالضبط وهو يقف على حافة عتبة الفراغ الكبرى التي تنتظره، ولكنه لا يدرك في النهاية، خصوصاً أن سعد، صديقه الوحيد الذي خطط مختار لتقاعد أعتبر فيه سعد ركناً أساسياً فيه، القطب السردي المضاد الذي يمثل نقيض مختار في كل شيء، ولكنه الصديق الذي لا يحاول تغيير مختار، يحترم غضبه، ويمنحه دوماً مساحته، ولكن مختار يفقد سعد للأبد فجأة، ويتحول هذا الفقد إلى فقداً كارثياً، يفكك استقرار مختار الهش، مختار هنا لا يفقد صديقاً فقط، بل يفقد الآخر الذي كان يتحمله بكل عيوبه وهشاشته النفسية.

في جنازة سعد، ترتدي الطالبات أوشحة حمراء، ويقفن في ممر شرفي لجثمان المعلم الذي يحبه الجميع، هذا الممر يفسره مختار في وعيه الواعي أنه مجرد نفاق وادعاء.. بينما في لاوعيه، يدرك تماماً أنه اعتراف ضمني وصريح بشخصية الرجل الذي ترك معنى وأثر في نفوس الآخرين، ويغضب مختار للممر.. يستنكره، يبدو هنا غضباً ليس أخلاقياً، بل دفاعياً.. هو ينكر قيمة الاعتراف الإجتماعي، لأنه يشك تماماً في داخله من استحقاقه له. يظهر هنا الصدع الداخلي والهشاشة التامة، مختار، يدعي الاكتفاء الذاتي، يستنكر، ولكنه في أعمق أعماقه يتوق إلى مثل هذا الاعتراف.. كل هذا يظهر عندما يدخل إلى مقر عمله في يومه الأخير هكذا الأمر إذا.. لاشيء لا أحد ليودعه، لا أحد يتذكره، ولا أحد يهتم.. غياب الاعتراف الذي كان مختار يستنكره يضعه وجهاً لوجه أمام مشهد من الفراغ الخالص، لا صراع هنا، بل انكشاف داخلي كامل، سؤاله عن غياب الممر الشرفي ليس سؤالاً بريئاً عن مجرد طقس اجتماعي، ولكنه مجموعة من الأسئلة التي هوت على رأسه كمطرقة هل كنت مرئياً ؟؟ هل تركت أثراً ؟؟ هل كنت موجوداً من الأساس.. ؟؟ حان وقت الكوابيس يا مختار.. لا أرض تحتك ولا سماء هكذا يردد لنفسه.

في أثناء عودته ممتلئاً بمرارة الإنكار، يشتري مختار نبته متسلقة، مقاومة للظروف المناخية، تنمو بقوة ودون جهد يذكر، يطلق عليها اسم سعد ويحملها إلى بيته.

شراء النبتة هو خاتمة رمزية شديدة الذكاء، كل الصفات التي اختارها في النبتة هي صفات تعاكس حياة مختار الداخلية السابقة، وبينما يشكل الانهيار الذي واجهه مختار عند خروجه من المدرسة وكأنه لم يكن لحظة مواجهة الذات بلا أقنعة، تظهر النبتة في حياته كأنها جسراً يحمله من التعلق بالبشر إلى التعلق بالمعنى، وشكلاً بسيطا من العلاج الرمزي الذاتي، مجرد نافذة أخرى تفتح له باباً من أبواب المقاومة، يتحول فجأة من رجل يظن أن عدم الاكتراث يحميه، إلى رجل يكتشف أن الإنسان لا يحتمل العيش بلا أثر.

قصة نفسية بامتياز، لا تقدم خلاصاً بطولياً ولا سعادة كاملة، بل حياة أهدأ، وأكثر احتمالاً.

3

حزن أبيض

تسير القصة على مسارين متوازيين، يلتقيان في النهاية رغم استحالة ذلك فيزيائياً. المسار الأول يمثل الرحلة المكانية تبدأ من بيت الأم.. السيارة.. الإسكندرية.. وتنتهي بالبحر. والمسار الثاني والذي يمثل الرحلة النفسية والتي تبدأ من الخوف والاغتراب.. الصمت.. التقبل.. المحو.. ثم تنتهي بالامتلاء.. الحدث الخارجي هنا بسيط جداً، ولكن تتجلى قيمته الأدبية من كونه حاملاً لتحول داخلي عميق في نفس طفلة تقف تماماً على عتبة الهشاشة الداخلية بمفردها.

مجرد فتاة صامتة، لا تبكي، لا تتذمر، لا تشكو ولا تطالب. صمتها ليس حيادياً، بل مجرد لغة دفاعية بحتة، صمت يكشف هشاشة شخصيتها، ويمنحها في الوقت نفسه قوة داخلية غير معلنة وفرصة لمراجعة ذاتها الواعية تماماً بها، هي ليست بطلة فاعلة، بل محتملة، تعيش الأحداث دون أي قدرة على تغييرها.

عندما تواجه البحر لأول مرة في حياتها القصيرة، لا تواجه مكاناً مجرداً، بل حدث وجودي. لذلك عندما تقف على عتبة الماء، تتوقف ذاكرتها، تسقط الانقسامات، وتتلاشي تماماً كل المشاعر السلبية التي كانت تسيطر عليها منذ بداية الرحلة، يؤدي البحر هنا وظيفته المثالية في التطهير، والعودة إلى الأصل، ومثل الاحتواء الواسع غير المشروط، نسيانها حتى لأمها لا يحمل أي قسوة، بل يدل على تعليق مؤقت لكل الروابط في حياتها القصيرة، حتى الأكثر أماناً منها.

يمثل النسيان هنا بوصفه شفاء لا إنكاراً، هي لم تحل مشاكلها، لم تشعر بالأمان المطلق، ولكنها بهذه المواجهة حصلت على استراحتها النفسية، وعلى احتواء بلا شروط، وطمأنينة مؤقتة بلا صراع.

تتحول الطفلة من شخصية تقف على عتبة الهشاشة، إلى طفلة تمتلك العالم كله، ولو مؤقتاً.

انتصارات صغيرة.

4

في الظلام..

هنا يتجلى الوصف بصفته بطلاً فاعلاً وليس مجرد أداة سردية.. قصة عن امرأة تعيش تحت وطأة البؤس المتراكم، والخيارات المحدودة، والخوف بصفته جزءاً من حياة يومية طاحنة، في مكان بائس، وسيلة المواصلات فيه تمثل سلم انحدار، أداة يفقد بها البشر إنسانيتهم، ويتحولون إلى مجرد بهائم، وسيلة تغيب فيها الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية، وأدنى متطلبات الأمان، يصبح الجسد هنا مجرد سلعة تٌكدس، مجرد وسيلة مواصلات قبيحة هي نتاج سنوات الذل والفقر والجهل والمهانة. يُقدم سائقها هنا كنتاج للغضب.. القهر.. وشعور بالقوة الزائفة.. حين تحثه نور على الإسراع لكي تلحق بعملها لا يسمع منها طلباً، بل يرى طلبها إهانة، فينتقم منها بالسير بسرعات جنونية على طرق بائسة غير ممهدة، وهنا تتحول السيارة البائسة إلى مجرد أداة عقاب جماعي لبشر لا ذنب لهم إطلاقاً إلا أنهم يطلبون الحد الأدنى من معيشة كريمة، لا يمثل الفقر هنا بمعناه الأشمل قلة المال فقط، بل يتحول إلى أداة لخيارات أسوأ، مخاطر أكبر، مجرد فقر يصنع احتجاجا رمزياً أفقياً بين الفقراء أنفسهم بدلاً من أن يصنع احتجاجا رأسياً ضد البنية الظالمة نفسها.. الفقر هنا ليس فردياً، بل مؤسسياً، ليس نتاج تفاصيل صغيرة، بل نتاج لتراكمات مأساوية عصفت بالطبقات الأدنى في السلم الاجتماعي، قصة واقعية سوداء تطرح سؤالاً هاماً كيف يصبح الموت احتمالاً عادياً في حياة المهمشين؟؟

5

قلب عبد الوهاب

تتحرك هذه القصة وفق منحنى واضح ولكنه غير تقليدي، تبدأ بامرأة تفكر في انتحار هادئ ثم المنعطف عندما يمر بائع النباتات، ثم تصل إلى الذروة الرمزية باختيار النبتة، ثم انتهاء بالخاتمة التي تتحول فيها المرأة من حافة الفناء إلى حيلة البقاء. لا توجد هنا أحداث كبيرة، بل حدث واحد صغير يغير مسار الوجود، تشعر المرأة برغبة في إنهاء كل شيء، تفقد الحياة بالنسبة إليها معناها تماماً ولكنها تؤجل فكرتها في الانتحار خوفاً من امتداد العذاب، وخوفاً من إفساد بضاعة البائع الذي يمر تحت شرفتها دون ذنب، في فعل يكشف حس المسؤولية حتى في أقصى لحظات اليأس، وهو ما يجعلها شخصية إنسانية جداً، ومثالية جداً، ربما مثاليتها هي التي دفعتها دفعاً نحو تلك النهاية التي كانت على وشك الحدوث، حتى يحول بائع النباتات الدفة إلى مصير آخر. يكون البائع هنا مجرد وسيط وجودي، ليس منقذاً وليس مرشداً بل مجرد شخص يقدم أداة نجاة، دون إكليشيهيات رنانة.

تختار المرأة نبتة تستطيع أن تنمو في الظل، لا تحتاج إلى أدنى درجات الاهتمام، تتحمل الجفاف، تستمر في الصمود رغم فقدان أوراقها. هذا ليس اختياراً عشوائياً، بل إسقاطاً كاملاً لحالة المرأة النفسية، تمثل النبتة هنا حياة بلا شروط، بلا وعود براقة، بقاء بلا احتفاء، جمال غير مرئي، كيف لا أكون بمثل قوة هذه النبتة ؟، تسأل المرأة نفسها، تنبهر المرأة بقدرة النبتة على النمو، رغم الإجهاد والعطش وغياب الإهتمام، والظلام والفقد، يصبح هذا السؤال هو الأهم في القصة برمتها، ولكن الذكاء السردي هنا لا يجعل المرأة تجاوب نظرياً، بل تتحول فعلياً. تتحول من امرأه تقف على حافة عتبة التبدد وانعدام المعنى إلى إمرأة تبتكر طرقاً يومية للبقاء، لا تُشفى تماماً، ولكنها تستمر، مجرد حبل نجاة بسيط، ولكنه فعال. لا توجد هنا خطابات داخلية طويلة، مجرد ضربات رشيقة بالفرشاة على سطح هش تماماً يمنح هذه المرأة الحياة، عبر نبته لا تحاكم، لا تطلب، ولا تخذل. نبته تمنح المعنى، تستعيد المرأة مستعينة بالنبتة – كمثال حي على المقاومة – قدرتها الكاملة على السيطرة، تتعلم التكيف، بدلاً من السعي الكامل للتعافي.

تقدم رحاب لؤي النبات في هذه المجموعة ليس بصفته زينة سردية ديكورية، بل بصفته حلاً سردياً بديلاً، يمنح المعنى، يلهم الحياة، ويعلم. في قصة الممر وقصة قلب عبد الوهاب لا يوجد خطابات مباشرة وعظية، ولا خلاص بطولي، بل مجرد كائن صامت ينمو ببطء ويغير المصير.. يتحول النبات فجأة في القصتين إلى بطل منقذ، فاعل رمزي صامت، في لعبة سردية جميلة ترفض المعجزات وتستبدلها بالاستمرارية، في كلتا القصتين يرث النبات وظيفة الإنسان الغائب عند البطلين، يرث مكان الصديق \ المعنى \ الرغبة العارمة في البقاء. يصبح جسراً يحمل التغيير المباشر من العلاقات البشرية الهشة، إلى العلاقة الرمزية الثابتة.. في كلتا القصتين يصل البطلان إلى حافة لحظات الانكسار القصوى، يقتربون من نهاية منطقية، حتى يظهر النبات فجأة في حياتهم ليقدم مسؤولية محدودة، غير ضاغطة، غير مباشرة، لكنها ذات معنى في قيادة التحول من الأسئلة الكبرى والإنكار القاسي إلى لحظات السلام النفسي والتكيف والاعتراف بالحق في ممارسة الحياة بإنهاء القصتين دون إغلاق كامل، بل بفتح اتجاه، مجرد اتجاه، لكي نجد أن مختار لم يبدأ حياة جديدة مع النبتة، والمرأة لم تحب الحياة فجأة، لكن كليهما تعلم من النبات كيف لا يموت. كلاهما يقفان على عتبة الهشاشة، ثم يعبران إلى الأمان.

6

شوكولاتة

تبدأ القصة من حاضر مأزوم رجل مطلق – مدخن سابق – محترق نفسياً ثم تنفتح على الماضي عبر تكنيك الفلاش باك ليعود البطل في النهاية إلى حاضره القاسي دون حل فعلي سوى امنيات سحرية غير متحققة، عبر آلية تبرهن على عجز الحاضر عن انتاج معنى، مع هيمنة الماضي بوصفه الملاذ الوحيد.

يظهر المكان هنا بوصفه محفزاً فاعلاً للذاكرة. تبدو المدرسة القديمة لبطل القصة كبوابة سردية ورمز للبدايات، ليست كمكان عرضي، وجماداً بلا روح. بينما يشكل استدعاء الماضي من المدرسة إلى مرحلة الروضة حركة ارتدادية نحو الأصل، وكأن وعي الإنسان ينكمش إلى الوراء بحثاً عن نقطة الأمان الأولى.

كل هذا يبدأ بقطعة شوكولاتة كمكافئة طفولية، وطقس عزاء وحيد في عالم قاس. بينما تلعب الذكريات والنوستالجيا واستدعاء الطفولة حيث كان السحر ممكناً، مباراة سردية قاسية مع الحاضر، حيث الاحتراق والحنين والفشل والزوجة المطلقة التي ليس الزوج البطل من ضمن أولوياتها. لتنتهي المباراة بانسحاب نفسي من واقع غير محتمل، مع بحث عن ذات غير مثقلة بالخسارات لشخصية لم تهزم بضربة واحدة، بل تم استنزافها ببطء.

هنا تشكل قطعة الشوكولاته – التعويذة – الحنين إلى الماضي محاولات صغيرة لإعادة ترتيب عالم رجل فقد تماسكه.

7

غيمــــة

امرأة أخرى تقف على حافة الهشاشة المطلقة، مهزومة، جريحة، ضحية عنف زوجي، تصحو من نومها وفي عينيها غيمة تجعل الموجودات من حولها غير مرئية.. تستعيد ما جرى، ما تم، يبدو الضباب الذي يحيط بها وكأنه حجاب بين الذات والعالم، رمز لصدمة متراكمة، ولغة جسد حين يعجز الوعي عن الاحتمال. بينما يشكل الضباب هنا حماية مؤقتة، لا عقاباً.. تجاهد المرأة لتدرك أن جسدها يمارس حيلة لا تستهدف إفزاعها قدر ما تستهدف تهدئتها. لحظة تحالف جميلة بين الوعي والجسد، الألم والمعنى، لذلك بدلاً من الهلع، تتنفس. تسمح لنفسها ألا ترى كل شيء دفعة واحدة، تسترد ولو تدريجياً سيادتها الداخلية في عالم قاس وزوج عنيف وعمل فاسد وعدالة غائبة.

8

ضريح الشيخ

تبني الكاتبة قصة ضريح الشيخ على انقسام حاد، يمارس البطل الصغير في جزء القصة الأول مهرجاناً طقسياً بالغ العذوبة والدفء ومفعم بالحسية المطلقة. ثم يتحول كل شيء في جزء القصة الثاني إلى مجرد ركام. هكذا ببساطة.

في الجزء الأول من القصة تبدو طقوس الصباح في البلدة الريفية ليست مجرد تفاصيل صغيرة أو روتينية في حياة أسرة ريفية بسيطة (الإفطار – قراءة الفاتحة عند الضريح – اللبن) بل نظام حياة متماسك يمنح العالم من حولهم قابلية للفهم والتعايش والطمأنينة. ثم في الجزء الثاني يأتي هدم كل شيء كصدمة سردية تكسر الإيقاع الحسي والدافئ للقصة وتحول النص من مجرد إحتفال وحنين إلى فاجعة وركام وعدم.

يبدو المكان هنا في هذه القصة بوصفه كائناً ذات روح المطعم هو القوت، الضريح هو المعنى والقداسة والخرافة، بينما يشكل بيت الجارة العلاقة الإنسانية.

هدم كل شيء لا يؤسس لخطاب إكليشيهي ساذج، بل يؤسس إلى مبدأ أن الحياة اليومية يمكن بكل بساطة وبجرة قلم، أن تُقتلع تماماً من جذورها، تُطمس الذكريات، وتؤسس للفراغ كبديل رمزي للدفء والمحبة والعمران.

قرار الصبي مغادرة القرية عقب عجزه عن مواجهة هذا العدوان الجائر، هو مجرد فعل إحتجاجي صامت، وإعلان قطيعة مع مكان فقد قداسته بالنسبة إليه، ونهاية مفتوحة على النضج القسري، هنا يبدو غضب الصبي أنقى من حزنه، حيث أزالت قوة غاشمه عالمه الدافئ من حوله دون استئذان.

9

مـــامـــا

امرأة أخرى على حافة الهشاشة، اشكالية الأمومة بوصفها استنزافاً، الأم هنا مُحبة، مسؤولة، ولكنها منهكة حد التلاشي، لا تكف عن حمل عبء أبنائها فقط، ولكنها تفكر أيضاً في ابناء جارتها التي قضي عليها السرطان، وتبدو تجسيداً حياً على أن الأمومة هنا عبء ثقيل أكثر منها بطولة رومانسية. تعيش المرأة ارهاقاً مزمناً، وشعوراً دائماً بالذنب، وخوفاً هستيرياً من الفشل في بث الطمأنينة في قلب أطفالها، يقابل كل هذا استنزافاً عاطفياً وعصبياً، تفكيرها الدائم بأطفال جارتها هو مجرد إسقاط لخوفها من مصير مشابه، وعبء أخلاقي إضافي يزيد من الاحتراق النفسي. تظهر القطة في منتصف القصة كمرآة للذات المنهكة، المستنزفة، تضع المرأة لها الطعام ولا تسمح لها بالدخول، ولكنها تفهم أن القطة تريد الونس والحنان وترفض الأكل.. وهي لا تقدر عليه، تؤدي المرأة الحد الأدنى من الواجب الإنساني في محاولة منها لإسكات الشعور بالذنب الذي يأكلها.. تضع حول نفسها حدوداً قاسية لكنها تصبح ضرورية للبقاء. تضع القطة المرأة أمام سؤال أخلاقي قاسي : هل مازال فيك متسع لكائن إضافي؟ فيما تبدو إجابة المرأة ليست بـ لا بل ليس الآن. إجابة منطقية لامرأة وصلت لأقصى حدود طاقتها الإنسانية.

10

عمار البيت..

أكثر قصص المجموعة تفرداً في بنيتها وأفكارها وفلسفتها، كوب الشاي الثقيل الذي تتناوله عقب وجبة دسمة ومشبعة. بطلها شاب طول بعرض الوصف المبدئي يخلق توقعاً بالقوة والقدرة، لكن السرد يهزمه فوراً لنجد أنه خائب وجبان يغرق في الحيرة عندما يموت والده تحت أنظاره، يطرد من شقته عندما يموت والده، ولم يكن يجرؤ أحد على فعل ذلك أثناء حياة والده.. مشاهد رسمتها الكاتبة بضربات فرشاة سريعة، تخلق تسارعاً خانقاً وشعوراً بأن العالم لا منح للضعفاء مساحة للحزن.

يشتري شقة بتحويشة عمره، شقة بلا جذور، بلا ذكريات، بلا دفء.. جاهزة تماماً لاستقبال الاسقاطات النفسية، ولهذا تصبح فوراً مسرحاً مثالياً للخرافة.

تظهر جارته العجوز في المشهد كمعادل موضوعي لصوت الخرافة الموروث، الوسيط البشري بين الواقع والغيبيات، تحذيرها له بأن هناك أرواحاً تسكن هذه الشقة لا يصنع الخوف من العدم، بل يسميه، يمنحه شكلاً وصفات يمكن التعامل معها.

بينما يلجأ الشاب لسلاحه الوحيد في مواجهة الخوف الذي باغته دون أن يحتسب، يقلب عينيه داخل رأسه، يخترع حيلة تمكنه من السيطرة على قلقه، إيهام نفسه بأنه يمسك بزمام كل شيء، وأن الأمور لازالت تحت سيطرته، يهدئ نفسه، يتفاوض مع الأرواح التي لا يراها، ولكنه يشعر بوجودها، يبدو تماماً كشخصية مسالمة تبحث عن التعايش فقط لا السيطرة، رغبة محضة في أن يعيش دون أن يزعج العالم من حوله، تدب الطمأنينة في أوصاله عندما يختفي التشويش من الراديو وينطلق صوت القرآن صافياً، طمأنينة ليست مصدرها اختفاء التشويش أكثر من أنه وصل ليقين ما أنه خاطب خوفه وأقنعه ونجح، واطمأن.

في النهاية، تنتصر رحاب لؤي في هذه المجموعة للمهمشين، تربت على أكتافهم، تنتصر لهم أحياناً، ولكن الأغلب والأكيد أنها تنتصر بهم، تفعل ذلك دون خطابات زاعقة، أو ميلودراما فجة، أو حتى محاكمات إكليشيهية.. مجموعة قصصية تنتصر للضمير الإنساني وتردنا رداً قاسياً إلى أنفسنا، تجعلنا نرى العالم من منظور مختلف، وتؤكد أنه مهما حدث فلا مجال للنجاة الفردية أو الجماعية سوى بأن نعترف أننا لن ننجو وحدنا.

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع