حين تستيقظ الأشباح

عبد الهادي سعدون

زهير كريم

في حِوارٍ له نَشَرَتْهُ جَريدةُ المَدى العِراقية عام 2022، يظهر الكاتب والمترجم عبد الهادي سعدون في تصريحاته محاربا متحمسا للقتال في فك الاشتباك بين الوطن الام والآخر البديل، وهو في تصريحه هذا، يقدم الكتابة بوصفها طريقته التي يخوض من خلالها معركته، وهو يدرك في الوقت ذاته، إنه لن يخرج من المعركة خاسرا او منتصرا عندما يتعلق الامر بالقلق أمام قضية الهنا والهناك، يقول : اللغة هي نَوعٌ من سَدِّ النقص في حَياةِ المَنفى بَعيدًا عن الأرض الأم. والكِتابةُ تَنطوي على مُراضاةٍ لِوُجودٍ آخر، هُناكَ تَسابقٌ هو حقيقة حياتي ما بَين الهُنا والهُناك، انتِصار أيِّ منهما نَوعٌ من الهَزيمة للذات الأخرى.

يُحيلنا هذا التَّصريح ذو الجودة العالية في وضوحه، إلى الجانب الأهمّ في انشغالات عبد الهادي سعدون في أعماله الروائية، بل هو انشغال عامّ للرواية العربية في العشرين عامًا الأخير. لكن المغامرة الإبداعية التي تتعلّق بقضية الهجرة، تحرّكت بغلوّ في مساحة مفتوحة، ليظهر لنا أدب يعتمد في الأساس على المكان بوصفه اغترابًا عن الجذور، أو الوطن الأم، مشفوعا بالمقارنات، وهو ينطوي كذلك على التسابق كما عبّر عنه عبد الهادي سعدون في حواره، وهو نوع من القتال الذي يعتمد على التمسّك بالصرامة النفسية في تشكيل وعي الكاتب، إذ يُظهر في هذا التسابق إفراط المهاجر بالسعي لتحقيق فكرة المراضاة التي هي مدونة الصراع الدائم، والتي نتج عنها أدب قلق على الدوام، منشغل بخلق خصوصية لذات مزدوجة، تُغامر بخلق إشارات عن كيان توفيقي أساس اختلافه الحفاظ على الذات الأخرى والتي قال عبد الهادي سعدون في حواره عنها: إن انهيارها هزيمة.

وعبد الهادي سعدون في أعماله حاول خَلق شخصيات غير يقينية، غير مؤمنة بالسلام النفسي الذي يَعقب العودة إلى الأصل، ولا تعتقد في الوقت ذاته أن الانسجام بين عالَمين هو السلام المستقر الذي لا ينطوي على تهديد، شخصيات حائرة في النهاية، خائفة، لكنها لا تَقبل الهزيمة بوصفها انتصار ذات على ذات. او إنها في ورطة عليها مواصلة السير في متاهتها الى النهاية كما لو انه قدر لا يمكن الهروب منه.

وتتماهى شخصيات عبد الهادي سعدون في الروايتين موضوع القراءة، بالفضاء النفسي، والقلق الوجودي لدون كيخوته، حين عاد لأسمه الحقيقي ألونسو كيخانو، فالاسم الحقيقي هو الهزيمة، لكن أبطال عبد الهادي سعدون تمسكوا بتأجيل أو تخفيف أو مقاومة تحقق هزيمتهم، فهم يرفضون العودة إلى أسمائهم الأصلية، يخافون من انتصارها لهذ هم يواجهون أشباحها بجراح عميقة في الحلبة، لا يريدون كذلك الاستسلام للمفارقة العميقة التي تتشكّل بسبب المعركة الطويلة للمراضاة، أو العيش في عالمين. في الوقت نفسه يجدون أنفسهم في صراع تتعرض فيها هُوياتهم المزدوجة لتهديد دائم بالانتهاك.

في العملين اللذين أتصدى لهما في هذه المادّة (تقرير عن السرقة) و(متنزّه الحريم) مجموعة من الأسئلة التي تحاول إضاءة ما هو غامض ومُعتم ومُحيّر في خَلق انسجام للمهاجر بين ذاتين، ليس كظاهرة عرضية بل تمثيلًا لإشكالية، أو واقعًا يتسم بالتضارب، أو التسابق بين ذاتين: أصلية وجديدة. النصّان هنا عالجا بحذر هذا الانشغال بالعيش المُقلق، قدّما عرضًا شفافًا لمنظورات متعددة للعالم، والتقطا صورًا عن علاقة الإنسان بالمكان وبالبيئة الجديدة، خلقا اوهاما كأسلوب للصراع، وبنى منطقية لدعم تصوراتهم عن فكرة المراضاة. وواجها أسئلة تبحث عن اجابة بين الانسجام أ الوَهم، هذه الثنائية التي شغلت بطل “تقرير عن السرقة” وأيضًا بطل (متنزّه الحريم)

ومن الناحية الأسلوبية، يتشكّل في روايته تقرير عن السرقة إيقاع بوليسي، على الأقل في الصفحات الخمسين الأولى، يتلاشى فجأة ليدخل النصّ في فجوة كابوسية، كما لو أن الشخصية وصلت الى منطقة الأعياء في الحلبة، وها هي تنهار امام ظهور اشباح الماضي، إذ انبثقت خلال السرد أسئلة خلخلت النظام في حياة البطل، قوّضت كلّ توازن خلال ثلاثين عامًا، ودفعته إلى منطقة الفوضى والحيرة، والبحث عن حقيقة العيش بين ضفّتين، بل وضعته في مواجهة قاسية مع تاريخه الشخصي، مع ذاكرته، ومع هويته المركّبة، وحتى مع أسئلته الوجودية أيضًا، ليذهب في نهاية الأمر للبحث عن بقعة ضوء في آخر النفق، باحثًا عن حقيقة ذاته الأخرى(الجديدة) التي لم يكن يتوقع هشاشتها ثم انهيارها السريع والمفاجئ. متسلحا بشجاعة لم يكن الدون كيخوته قد حافظ عليها فسقط في قبضة اسمه القديم، فحدث انتهاك _ كما سماه امين معلوف_ لهويته المركبة المتعالية.

وتقرير عن السرقة، رواية تنتمي إلى تلك السرديات المنشغلة بقضية الهجرة والمنفى، لكنها في الجوهر نصّ يتصدّى لإشكاليات اعمق هي الهوية المركبة، إذ إنّ عبد الهادي سعدون ومن خلال الشخصية الرئيسة يحاول تفكيك هذا القلق من زاوية أخرى مغايرة، يدافع فيها عن الفكرة الجوهرية في كتاب أمين معلوف الهويات القاتلة: الهوية مؤلَّفة من انتماءات متعددة، ولكن لا بدّ من التأكيد كذلك أنّها واحدة، وأننا نعيشها بكليتها. فهويّة الإنسان ليست سلسلة من الانتماءات المستقلة، بل رسمًا على نسيج مشدود، ويكفي أن يُنتَهك انتماء واحد لينفعل الإنسان بكلّ كيانه. لهذا ظهر البطل في (تقرير عن السرقة) متصالحًا في البداية مع كونه حاملًا للتعدد، آمنًا من الانتهاك الهويّاتي، مهاجرًا، فاعلًا وذائبًا تقريبًا في المكان الجديد، يراهن وهو يخوض تجربته على النسيان الخلّاق، ثم جاء الحدث الرئيس ليربك هذا التصالح ويكشف حجم الهشاشة في الذات الجديدة، لتظهر صورة البطل مستسلمة لمحاكاة قاسية تنطوي عليها فكرة الانتهاك.

الحدث المفصلي الذي أظهر هذا التناقض المثالي بين السلام النفسي الذي تعضده فكرة المراضاة وبين التهديد بالانتهاك، هو سرقة جهاز الحاسوب القديم من البيت، لم يكن الصندوق المهمل الذي يعلوه الغبار، كما يخبرنا البطل والذي يحوي ملفات قديمة، بل كان هو الشبح الذي وجد الفرصة المناسبة ليظهر. أوهمنا السارد أنّ لا أشباح في حياته، والملفات القديمة في حاسوبه مجرد أشياء لا أهمّية لها. لكن قراءة النسيج السردي في طبقتِه السفلى تكشف لنا أنّ البطل يحاول تغطية قلقه من خلال الغبار الذي على الحاسوب، يسميها ملفات قديمة كأسلوب للدفاع عن خوفه، وهو بهذا يراهن على اللغة بوصفها صمام أمان، وأداة لتحقيق أقصى درجات المرح، وتعبيرًا عن صرامة بلاغية تلتقط صورة مستقرة للذات الجديدة، التي دفنت الذات القديمة في حاسوب، صندوق الماضي، الذي يسرقه اللصوص فتَنفجر القنبلة ويتشظّى الوجود الذي كان مستقراً. هذه هي الحادثة التي كشفت الحجاب عن حجم التشوّهات في النفس، وعن حجم القسرية التي مارسها المهاجر من أجل إخفاء الذاكرة ليفسح لذاته الجديدة التفوّق، بل والهيمنة التامة، كما لو أنّه يعترف أخيرًا أنّه قريب من الهزيمة، على الرغم من عدم استسلامه للمصارعة الخصم في الحلبة.

وتقرير عن السرقة نصّ لا يمنح نفسه بسهولة. في البداية نعم، يشعر القارئ بأنّ الإيقاع سوف يستمر بهدوءٍ بدون فخاخ، فجأة يُدخلنا عبد الهادي سعدون مع البطل إلى نفقٍ معتم، فنضطر لمراجعة كلّ ما قرأناه في البداية، فالنصّ منسوج من طبقات ينبغي أولًا فصلها عن بعضها، نصّ ينتمي إلى نوع من الأدب الذي يمنح القارئ فرصة للدخول بين طبقاته، ويجبره كذلك على القيام بدوره كقارئ أمام نصّ يغريك بالمتعة السهلة في البداية، لكنه يورّطك أيضًا بالفخاخ المنصوبة هنا وهناك في آخر الأمر.

والرواية بشكل موجز تبني حبكتَها بالاعتماد على مسارين: الأول يتعلق بكسر الباب وسرقة الحاسوب القديم المهجور، والثاني يعتمد على طرد البطل من عمله مترجمًا في دائرة البلدية. هذان الحدثان يتعاضدان بقوة لدفع الحكاية لمنطقة التوتر، والتي تبدو في البداية مجرد حكاية عن عملية سرقة سخيفة وحسب، لصّ سرق حاسوبًا قديمًا بعد أن دخل منزل مهاجر عراقي متزوج من امرأة إسبانية، رجل مطرود من العمل منذ أشهر، حتى دخل الحدث الآخر، مغادرة الزوجة للبيت. من هنا تبدأ رواية عبد الهادي سعدون، في تسليط الضوء على الباب المكسور الذي كان مغلقًا وآمنًا، والذي سيقود البطل إلى الدخول في الفجوة، أو التاريخ العميق، المغيب منذ ثلاثين عامًا، لتنفتح هوّة واسعة لا يمكن ردمها بالأوهام او تغطيتها بالمراوغة البلاغية، بل بالبحث عن إجابة حقيقية، صافية تتعلق بنزال ليس سهلاً، الاعتراف اولا بقوة الخصم، والذي يحتاج إلى شجاعة في مواجهته، من أجل تفكيك ثنائية الانتهاك والمراضاة.

في مقطع من الرواية، يقول الراوي: وقبل أن تخرج وتغلق الباب خلفها، التفتت وقالت لي بما يشبه رجاءً صادقًا: أتمنى أن تجد لنا مخرجًا من هذه المتاهة. هذه الجملة قالتها الزوجة قبل أن تترك البيت وتهجره إلى الأبد، المشهد هو ذروة الحدث في رواية (تقرير عن السرقة) إذ تتمثل هذه الذروة في خراب المنزل، وتشتت العائلة، وضياع ثلاثين عامًا من العيش في مدريد، الفترة التي عاشها البطل مهاجرًا فاعلًا وناجحًا في حياته كما يحاول أن يوهمنا خلال السرد. لكنه الآن يدخل المتاهة، ويجرّ معه الزمن والعائلة والبيت.

تقرير عن السرقة، رواية تنطوي على تشويق عال، وهو العنصر الذي حرك المسارات الأخرى في السرد، على الرغم من كون الطيف البوليسي سرعان ما تلاشى. في النهاية تبدو الحكاية بوصفها ابنة الكابوس، ابنة الضياع والحيرة. استثمر فيها عبد الهادي سعدون كلّ إمكانياته، بمهارة ودراية، فكتب روايته تفتح الملفات في كل حاسوب قديم كان مهملاً يعلوه الغبار.

لعبة الذاكرة والنسيان

وفي مكان آخر من الحوار ذاته يقول عبد الهادي سعدون: لا يمكن تجاوز ثنائية مدريد ـ بغداد، لأنّهما حاضرتان بكثافة وبتقارب لا يمكن فصله بسهولة. أنا ابن هوية مشرقية وجدت في شجرة غربية ما يساعدها على الاستمرار بالحياة والحديث عنها.

يفتح لنا هذا التصريح مرة أخرى الرموز والأساطير والخرافات في *متنزّه الحريم*، روايته القصيرة التي يحاول فيها خلق أبطاله من النسيج نفسه تقريبًا، والذي قدّم فيه ثيرفانتس بطله المحارب لطواحين الوهم، إذ يعود عبد الهادي سعدون مرةً أخرى لتفكيك ثنائية التذكّر والنسيان، بدون الوطن الأم والوطن الجديد.

شابّ عراقيّ اسمه (عبد) يتعرّض للاعتقال في بغداد، يحدث ذلك بسبب انتظامه في الخلايا الشيوعية قبل عام 1980، يبيع أبوه كلّ شيء من أجل إخراجه من السجن، ينجح ليسافر الابن إلى تركيا ثم إلى إسبانيا التي كانت قد خرجت قبل سنوات من عصر الجنرال فرانكو.

هنا، عند هذه النقطة من السرد، تبدأ حياة ثانية للبطل في الوطن الجديد، يغيّر اسمه في محاولة للنكران، يندمج بسرعة كما لو أنّ التنكر هو الطريقة المثلى لتبنّي أسطورة جديدة، أو نمطًا سيريًا متفوّقًا على الذاكرة. النكران هو الفكرة العبقرية التي ستجعل (عبد) الذي تحوّل إلى (سيدي) يستريح في حوض آمن إلى الأبد، لكنه في الخامسة والخمسين تقريبًا، يتفاجأ بظهور وحش الذاكرة على شكل كابوس، الوحش الذي خرج من عتمة الماضي ليؤكّد للبطل أنّه عاش في وهم النسيان وليس حقيقته.

في رواية “تقرير عن السرقة” أيضًا، يعتقد البطل أنّه دخل نسيانه العبقري أو مراضاته، لكن حادثة سرقة حاسوبه القديم أعادته إلى نقطة الصفر، كما لو أنّه لم يعش يومًا واحدًا في بلده الجديد، يكتشف في لحظة أنّه ينسحب إلى الذاكرة بشكل كامل.

في (متنزّه الحريم) يتعرّض الراوي لمرض في القلب، هذا الحدث المصيري يقوده كذلك لمناقشة معنى الأسماء، لكن في حدود الثنائية نفسها: التذكّر والنسيان، بينهما إشكالية الهوية. (سلطانة أو ماريا) وهي الشخصية التي لا تقلّ حياتها ثراء ودرامية عن البطل الرئيس، إسبانية مولودة في (الحسيمة) في المغرب، وبسبب عاطفة المراهقة تخسر حياتها وعائلتها والوضع الاجتماعي والاقتصادي الذي كانت تعيشه، تتحوّل إلى عاهرة بسبب (العربي الطنجاوي) الذي يتحوّل إلى شبح في حياتها حتى بعد عقود طويلة، كما يتحوّل رجال الأمن إلى كابوس في حياة (سيدي أو عبد) العراقي أيضًا، والذي التقى ماريا في طنجة وهي شابة، أنقذها من الطنجاوي .وقتها، كانت سلطانه تدير بيتَ دعارة اسمه (*متنزّه الحريم*) وهي هنا سلطانة المكان، يرافقها (الدون سيدي) في تنقّلاتها بعد عودتها إلى إسبانيا بين مدن الأندلس حتى مدريد. إنها علاقة من نوع غريب، حميمية في جانب منها، لكنها من جانب آخر تجاوزت فكرة الحب المتداوَل، شيء يشبه الحاجة الروحية قبل الاحتياج الجسدي والعواطف السائلة، أو أنّها اندماج ذريعته قضية الاغتراب نفسها، أو الحيرة في تنوّع الهويات، معتمدة بشكل رئيس في بناء الحكاية على ثنائية الذاكرة أو الكابوس. طرفاها: العربي الطنجاوي من جهة سلطانة ورجال الأمن في بغداد من جهة الدون سيدي، أما النسيان فتمثّله الحياة الثرية الطويلة للشخصيتين الرئيسيتين: السفر والحب والمغامرات. لكن المرض… مرض القلب الذي أصيب به العراقي (الدون سيدي)، ومرض القلب هنا استعارة للحنين إلى الشرق، أعاده لاسمه القديم (عبد). إنه كيخوته الذي استعاد اسمه القديم، لكنه لن يموت في حمّى البحث عن المراضاة، بل يحاول تقليل الخسائر التي ينطوي عليها الانتهاك، انتهاك الهوية في الأسماء، ومراضاتها في مواصلة الرحلة حتى النهاية.

 

 

زهير كريم

23 مقال
صدر له: ـ ماكنة كبيرة تدهس المارة ـ قصص ـ منشورات المتوسط ـ قلب اللقلق ـ رواية ـ صائد الجثث…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع