“سيبقى الشعر مدينا”.. قصائد تناكف العالم بلهجة حانية

magda hasaneen

محمد الكفراوي

يبدأ ديوان “سيبقى الشعر مديناً” للشاعرة ماجدة حسانين بمفارقة في الإهداء تشي بحالة تعدد الذوات، وتمد خيطا متصلا بين الشاعرة وتاريخها العائلي، فهي نورا بنت نوال، حيث تمنت أمها تسميتها نورا، وهي ماجدة بنت حسانين إذ قرر أبوها تسميتها ماجدة، بحسب ما ذكرت في إحدى قصائدها. لتكسر الإيهام منذ البداية وتقدم لنا تجربة في البوح والمناكفة والعناد تجاه مفردات عالمها، لكن بلهجة حانية وطريقة تتقصى الألفة أكثر ما تنتمي للعزلة أو العنف الذاتي في مواجهة أذى العالم.

يضم الديوان الصادر عن دار “الأدهم” في القاهرة قصائد تحمل طابعا متمردا، تلوح فيها صيغة الرفض للواقع ومحاولة صنع واقع جديد حتى لو في الحلم والخيال، ولا تكف القصائد عن مناكفة العالم بطرح مفرداته كرموز للأذى أو الصراع. وعلى الرغم من ذلك تتردد بين جنبات هذا العالم رغبات مكبوتة وأحلام مؤجلة ومشاعر جياشة، فمفردات “الحب، الحنين، الشوق، الشغف، البوح ” تنتقل بين قصيدة وأخرى لتؤدى معنى دلاليا يناسب السياق، ولكنها تترك أثرا نفسيا ممتدا عبر صفحات الديوان كله، وإن كانت أكثر وضوحا في بعض القصائد “لي في ذمتك / عناق يصلح ما أفسدته الوحشة/ وقبلة تغلق أبواب المسافة”.  

تكاشف الشاعرة الشعر وتخاطبه وتستخدمه موضوعا مباشرا للقصائد بجرأة لافتة أحيانا، ورومانتيكية مفرطة في أحيان أُخر، وفي مواضع معينة تترك مساحة بين الذات الشاعرة وبين الشعر نفسه كنوع من التخلي الحميد كما في قصيدة “تهذيب الكلمات”: “ما أكتبه ليس شعراً/ هو فقط حكايات أرويها بتهذيب/ مصفاة من الصراخ واللعنات”  وفي القصيدة نفسها “لا أزعم أنني شاعرة/ أنا فقط أرتب ما أريد قوله/ دون أن ألوثه بالغضب/ أصفيه من الشتائم والسجائر والكحول”.

ولا تخلو قصائد الديوان من الحس العاطفي والروح التّواقة إلى المحبة، وهي في المحصلة تضع مواصفات الرجل المثالي، مثلما تقول في قصيدة “ومضات”: “تقدم لي رجل يقرأ نيتشة/ يعزف على العود ويحب الطبخ/ رفضته فوراً/ أشعر بالارتباك/ أمام من لا أستطيع الشكوى منه”.  

وتتبدى مفارقات الذات الشاعرة ليس هنا فقط، عندما تجد الرجل المثالي لا تستطيع التعامل معه وترفضه فورا، ولكن أيضا في مفردات كثيرة وصور مركبة حول القوة والضعف، الحب والكراهية، البعد والقرب، الصمت والبوح، فهذه المفارقات والثنائيات الضدية مكونات أساسية في الصور الشعرية، حتى حين تنتقل القصيدة من الطابع العاطفي إلى الفلسفي إلى النوستالجيا إلى التأمل أو استدعاء مفردات القرية في قصيدة “قروية” التي تحمل صورا خلابة  متخيلة من ألبوم عائلي في الذاكرة: “أعرف اتجاه القبلة من ميل السنابل/ أقيس الموسم بخطوات أبي/ حين يعود من الحقل/ تعبه كان ساعة الرمل في بيتنا/ حين يجلس/ نعلم أن الشمس ستغيب بعد قليل”.

تبدع الشاعرة في تقديم صور جديدة تمزج بين الواقع المادي والخيال “ثمة أشياء كان يجب أن تنساها/ حتى لا تنكسر كلما ابتسمت”. “ثم قلبي اللين/ الذي صيرته حجراً/ كي ترتاح من صداه/ سينبت فيه حزن كثيف/ حزن له شكل … الجنازة”.

رغم انطلاق الصور الشعرية في غالبية الديوان من التفاصيل الذاتية والنفسية المتخيلة أو المستدعاة من الذاكرة إلا أن القصيدة التي يحمل الديوان اسمها “سيبقى الشعر مدينا” تضع المتلقي أمام حالة أخرى مغايرة، تقترب أكثر من فكرة القضايا الكبرى والموضوعات الإنسانية الحيوية والمؤثرة على اختلاف الزمان والمكان، إنه نوع من العرفان للمهمشين والمنسيين وحاملي صليب المعاناة طوال العمر: “سيبقى الشعر مدينا/ للنساء اللواتي نزعن أرديتهن/ بعن أنوثتهن مقابل أجرة بيت/ للرجال الذين نسوا أسماءهم/ في طوابير المكاتب/ وفي دفاتر الدين/ وفي زنازين الوطن”. 

وتستدعي الشاعرة ثيمة الأمومة الثكلى، بقصيدة تحمل عنوان “نسوة لن يذكرهن أحد”، وكأنها قررت هي أن تكون بديلا عن التجاهل والنسيان الذي تقابل به تضحيات الأمومة، فتقدم بورتريهات مكثفة لهن في صور خلابة عن الفقد والرحيل والانتظار والإيمان بعودة الابن الغائب وتجهيز العالم استعدادا لاستقباله.

يحمل الديوان روحا شعرية صافية، تنطلق من مفردات الواقع والذات والقرية والماضي لتصنع عالما من الصور والأخيلة التي تنفذ إلى الروح بطريقة سحرية، لقربها الشديد من المألوف، وفي الوقت نفسه لما تمتلكه الصور الدرامية المركبة من حمولات دلالية تنصب فخاخاً محببة للخيال.

 

 

 

شاعر مصري صدر له: ـ حلم وردي يرفع الرأس ـ بعد الموتى بقليل

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع