كتابة وحوار: أسعد الجبوري
تاريخ ومكان الميلاد: 11 أبريل 1959، بورغشتيت، ألمانيا
تاريخ ومكان الوفاة: 8 يناير 2021، مولهايم، ألمانيا
كانت شبه عارية، وهي تتمدّد على رمال الشاطئ في تلك الظهيرة الحارّة، وعلى جانبها طائر ((الثوثو)) الأزرق، صاحب الجناح الواحد العريض. لم نختر وقت الحوار مع الشاعرة الألمانية باربرا كوهلر، لكن سكرتيرها الشاب بثّ في الأنفس الطمأنينة على أن كلّ شيء سيكون على ما يرام. انتقلنا نحن الثلاثة من طقس الرمال الجاف والحارّ إلى جذع شجرة ضخم في الطرف السماوي الخامس من أرض الفردوس، حيث محل إقامة باربرا مع طائرها الأزرق الجميل. ولم تمضِ دقائق على وجودنا مع الشاعرة حتى أغلق الجذعُ الشقَّ على نفسه، وبدأنا بطرح الأسئلة على الشاعرة في طقسٍ مخيفٍ شبه مرعب.
سألنا باربرا:
س: ما الباب الذي تفضلين الدخول من خلاله إلى اللغة؟
ج- باب الصمت.
س: هل تُزعجكِ اللغةُ بأصواتها؟
ج- أجل. أنا أحبُّ التسلّل إلى اللغة بهدوء. لا أحبذ الضوضاء أبداً.
س: أهو مرضٌ يتعلقُ بمشكلات الأذن الوسطى، حيث التسبب بحدوث مضاعفات طبية بحاسة السمع؟
ج- لا يخص الأمر الأذن الوسطى، بل يتعدّى ذلك إلى طبيعة الكلمات ومكوّناتها.
س: أتعتقدين بأن لبعض الكلمات دماً ولحماً يا باربرا؟
ج- لم أتأكد يوماً من غير ذلك. أنا أدرك حقيقة تكوين كلّ كلمة أستعملها أثناء الكتابة.
س: وكيف تكتشفين ذلك؟
ج- عندما تُبتلى بالشعر بشكل جيد، فإنه يمنحك من نفسه راداراً ومختبراً ودفتر شيكات لتصريف النصوص، وأنا حصلت على شيء من تلك العطايا.
س: هل الشعر بنكٌ؟
ج- نعم. إنه بنكٌ لادخار البشر والحجر ونبضات الهواء.
س: لادخار البشر المشردين تقصدين؟
ج- لا يوجد أحدٌ على سقف الأرض بصفة غير صفة مشرّد، أو بهوية تتعارض مع التشرد.
س: وماذا عن الحجر؟
ج- الحجرُ فلزاتٌ من السائل المنويّ الذي عادةً ما يحافظ على النوع من خلال التحجّر الأركيولوجي في علم الآثار وطوبوغرافيا الغرام البيولوجي.
س: كيف يمكن لشاعرة من طرازك أن تربط ما بين لغة الجسد ولغة الحجر؟
ج- إنها دورةُ الدم في الطين، وعودتنا الشعرية عبر الموت إلى وجودٍ مطلقٍ آخر.
س: وما نوع اللغة التي يمكن لشاعرة أو لشاعر التعامل بها مع كائنات ذلك الوجود المطلق الآخر؟
ج- هي تلك اللغة التي تتشكّل من أبخرة الألسن لتولد عنها ما يمكن التفاهم عليه بين الكائنات.
س: وكيف يمكن لتلك اللغات اجتذاب الشعر؟
ج- ليس عن طريق الرياضيات بالتأكيد.
س: متى يكون السفر الشعري ضرورةً؟
ج- حينما تنتفي رغبة قتل القصيدة في نفس الشاعر وأمكنته الثابتة.
س: أين تذهب قصائدك حين تنام باربرا كوهلر؟
ج- تذهب لرعي النجوم كما أعتقد.
س: ولمَ تعتقدين ذلك؟
ج- لأنني أعرف علاقة قصائدي بالليل، فهما خطان متوازيان عادةً ما يلتقي أحدهما بالآخر في حانة الأساطير السماوية.
س: من رأيتِ في تلك الحانة؟
ج- كلما ترددتُ على تلك الخمارة وجدت فيها شكسبير يمارس لعبة الشطرنج مع المتنبي، وسط ترقّب مخلوقات غريبة التكوين، وكانت تدور عليهما الممثلة رومي شنايدر بكؤوس الشمبانيا.
س: هل فكرتِ ذات يوم بوجود علاقة تربط ما بين الشعر وما بين الشطرنج؟
ج- نعم. علاقة الذكاء. فأن تكون شاعراً عليك أن تصبح داهيةً على رقعة الشطرنج.
س: وهل يموت الشعرُ دون ذكاء؟
ج- لا. لن يموت، ولكنه يخسر اللعبة على الورق، مثلما يخسر اللاعبُ الفاشلُ على رقعة الشطرنج.
س: هل أنتِ شاعرة لغة؟
ج- ربما. فكثيراً ما لا أجد أحداً برفقتي سوى اللغة، فأحكي معها طويلاً حتى حلول النوم.
س: قارئ شعرك يدخل عزلتك فيرى ما وصلتِ إليه على تلك الأرض. هل كانت عزلتك مثمرةً يا باربرا؟
ج- لم أجد من يفهمني أكثر من العزلة. كانت هي العالم الأوسع من منزلي ومن البلاد كلها.
س: هل بسبب غياب الحبّ حدث ذلك الاندماج ما بينك وما بين العزلة؟
ج- أنا عشتُ تنافساً ما بين الطرفين، وفازت بي العزلةُ بامتياز.
س: دون اللغة؟
ج- لا يمكن أن يحدث شيء دون وجود تلك اللغة، شفهيةً أم مكتوبة. ففي فضاءات اللغة سرعان ما نجد حلولاً للآلام ولمشاعر الحواس ولحركات الأصابع والشفاه والفساتين والورق والنبيذ الذي يرانا بالأعين المخبأة بالكؤوس.
س: كم كانت نسبة الأنوثة في جسدك؟
ج- يجب أن يذهب هذا السؤال إلى نصوصي، فربما هي القادرة على توفير الجواب الأفضل والأصح والأعمق.
س: وأنتِ، ألا تدركين نسبة خصوبتكِ من الأنوثة؟
ج- أخاف أن يعاقبني جسدي فيما لو وقع لساني بزلةٍ من مراتب الخطيئة.
س: كيف تحدث الخطيئة في الحبّ؟
ج- حينما يتحجّر ماء الرجل في حضن المرأة، ولا تقوم الأخيرة بإعادة تدوير الحجر وجعله نهراً يسيلُ على السرير.
س: هل تأثر الغرام بالشيوعية أو باشتراكية ألمانيا الديمقراطية؟
ج- ليس كثيراً. ففي الشيوعية باب لا يُقفل، هو باب الحب. وعليك الاستنتاج.
س: وما الجامع ما بين الماركسية الحمراء وبين سرير المرأة الشاعرة في غرفة حمراء؟
ج- انتصابُ سارية العلم الأحمر في المنصة.
س: وكيف ينتصب الفكرُ برأيك يا باربرا؟
ج- ثمة خطأ جسيم عند بعض الشعوب يقوم على خلو الأيديولوجيات من الجنس. ذلك اعتقاد يخلو من الحكمة والفهم العميق.
س: لمَ برأيك؟ هل لأن الماركسية نظرية غير شهوانية، ولا تقوم إلا على نظرية البروليتاريا الرثة وقضايا المنجل والشاكوش وقانون نفي النفي على سبيل المثال؟
ج- في الجسد الشيوعي منصاتٌ وأبوابٌ ودهاليز وخمارات تروّج للحب وتبادل الأفكار في الغرام والنكاح بعيداً عن القيود، بل وكان الجنسُ الفلسفةَ التي يتمحور حولها الوجود ببصمته الماركسية.
س: وتحت أية ذريعة أو حجة بُنيت تلك النظرية؟
ج- تحرير الكائن الشيوعي من مشاغل الجنس والضياع العاطفي سينقل طاعته من النظام الشهواني إلى طاعة حزب الدولة الماركسية.
س: هل كان سريرك في مجموعتك (امرأة ولا أحد) ماركسياً بالقدر الكافي؟
ج- لقد كنت كذلك. كنتُ جسداً يذهب مع الحب إلى (أغاني الأوديسة)، ذلك الكتاب الذي يفيض بالأنوثة وبكلام الإناث وبالعطور التي تظهر من أجساد العاشقين في لحظات التكافل الجنسي ما بين الطرفين.
س: هل تعتقدين بأن الأرض كروية؟
ج- ليس كثيراً، فأنا لم أسقط من فراشي يوماً بسبب دوران الأرض.
س: أنتِ تناولتِ الغربة في شعرك كثيراً، فعن أية غربة كتبتِ أنتِ بالضبط؟
ج- ثمة آلام غير موجعة في البدن، ولكنها تتحدث عنكَ بألم لغويّ يملك روحاً مجازية للتعبير عن غربتك التي تمتد من الداخل إلى الخارج دون أن تعرف لها أسباباً مفهومة. تلك كانت غربتي غير الواضحة، غير الملموسة إلا بأصابع الكلمات.
س: كأن الكلمات هي المصابة بأمراض الغربة لا أنتِ؟
ج- ذلك واقع كان حقيقياً إلى حدّ ما، فكلماتي المخزونة برأسي وبغرف الحواس هي من يتصرف مع أجواء الغربة وطقوس التشتت الذهني الذي طالما كنت أعاني منه.
س: هل تتعرض اللغة لحالة الفصام كما يجد القارئ الذكي ذلك في مجموعتك الشعرية ((الصندوق الأزرق))؟
ج- بالتأكيد. كلّ شيء لا يبقى على حاله في اللغة، والفصام تعديلٌ للرؤية في مرآة الشعر.
س: تقصدين أن ذلك يتم بكسر الجمود وتحرير الجملة الشعرية من الحاضنات الكلاسيكية؟
ج- تماماً. أنا حاولت في (امرأة ولا أحد) أو في مجموعتي (أغاني الأوديسة) أن أنقذ كتاباتي من الروتين الشعري القاتل، وأن أنقل العلاقة ما بين الذكر والأنثى إلى مستوى الغرام اللغوي غير المتعثر بسكك الحديد.
س: لذلك واجهت قصائدك صراعات في الجامعات وفي الشارع الألماني؟
ج- هناك الكثير من النزاعات التي واجهتها كتبي التي حاولت نحت الكلمات بالحرية الحارّة كالشمس.
س: وكتابك ((الروليت الألماني)) أين تضعينه في سجل تاريخك الشعري؟
ج- كل كتابة شعرية هي لعبة روليت بشكل من الأشكال، ولا أظن أن الشاعر غير مستفيد من المقامرة، لأن أصل الشعر يقع في هذا المجال الحصريّ.
س: وبماذا تستطيع الشاعرة باربرا أن تقامر به؟
ج- بفتح نوافذ القصائد ورمي أحذيتي.
……………………..
*من كتاب “نُصُوصُ المَصَحَّات البارِدة”، شاعرات القيامة وأحزان المجوهرات، إصدار دار فضاءات / عمّان – الأردن











