زهير كريم
إن إزالة الأقنعة، في الصفحة الأخيرة من «حفلة الدوبلير» لأحمد عبد اللطيف، لا تعني هزيمة السلطة، أو انهيار التزييف أمام الحقيقة، بل هي علامة توقف موسيقية في لحن طويل، ولحظة تأمل صنعها (البوب) ليطرح فيها سؤالًا جوهريًا حول صناعة البطل الذي يرافقه خطاب تعسفي، أيديولوجي؛ فهو يهتك في جملته، قبل موته بلحظات، حقيقة أصالته، فيشير إلى أنه هو الآخر مجرد دوبلير لأسلاف كثيرين، مثّلوا كلهم دور الأصل، بينما هم في الحقيقة نُسَخ وحسب، حيوات مزيفة، تخفي ذوات مطحونة، تعيش حالة اغتراب أساسها حلم محبوس، لم يجد فرصة للظهور كي تتحقق من خلاله نزاهة الأصل من الشوائب. فاختلطت في كلماته ا الطبيعة والتاريخ، الطبائع الانسانية الممتدة، وحكاية التاريخ الذي يكرر الحيوات، ولتظهر شخصيته بوصفها امتدادًا وليس تأسيسًا، بل إن الشخصيات كلها في العمل هي نُسَخ من أخرى: الفنان والكاتب، الرياضي والعالِم، المفكر والسياسي، العشاق والغرباء، كلهم امتداد ومحاكاة لقصص أخرى حدثت في زمان ومكان آخر. تمامًا مثل أحمد لطيف الكاتب، وهو نفسه مانويل الصحفي الإسباني، ماريا الباحثة هي نفسها (لولو) الحبيبة في دولة الحيرة، والجدة صاخبة المكتبة في مدريد، حتى المكان هو محاكاة، فمركز مدريد هو نفسه وسط البلد في دولة (الحيرة) المكتبات والمقاهي والشوارع.
تدور أحداث الرواية، (الصادرة مؤخرا عن دار العين) وخلال 280 صفحة، حول شعب من الأشباه، فكل فرد فيه هنا نسخة من أخرى تعيش في المكان نفسه أو في مكان آخر، في الزمن ذاته أو في زمن بعيد، والجميع هنا يعيشون حياة مزيفة، يرتدون أقنعة تصير مع مرور الوقت جزءًا من صورتهم، فيصدقون المرايا، وينسون الشيء الذي خلف القناع. هذه المنطقة السردية يواجه فيها أحمد عبد اللطيف سؤالًا يتعلق بآليات السلطة في تحويل التنوع إلى تشابه، وإذابة الاعتراض في التوافق، فيظهر الناس جميعهم وكأنهم خرجوا من ماكينة تفريخ واحدة، نسخة واحدة، ظاهريًا على الأقل في الصورة، أما الهوية المستقلة فهي مكبوتة، مهيمن عليها، مهددة في حالة التنفس بالقمع، والاختفاء القسري، والموت.
والرواية، في مبناها العام، تشتغل على أربعة مسارات سردية. الأول يتعلق برئيس دولة (الحيرة)، أو البوب، حياته وأحلامه في أن يكون ممثلًا. يرفضه المعهد فيتجه إلى الكلية العسكرية، حياة تشبه سيرة هتلر، وبالصدفة تعجبه فكرة أن يجمع كل أشباهه في القصر الرئاسي، 53 رجلًا، برتبة دوبلير، يقومون بكل المهام التي تتطلب وجود البوب، خارج القصر أو خارج البلاد، في المقابلات والتجوال في الأسواق، وهم أهداف محتملة للقتل، وضحايا جاهزة تمنح أرواحها لحياة البوب، بعيدًا عن أعين آلهة الأولمب الـ12، والذين يديرون شؤون الدولة في الخفاء.
الخط الثاني هو عن رواية ملعونة يكتبها شخص اسمه أحمد لطيف، ترفضها الرقابة، فتقوم صديقته (لولو) بطبعها بطريقتها، وبنسخ محدودة توزعها بنفسها، لكن الكاتب اغتيل بعد تداول الرواية، وتختفي لولو في الوقت نفسه. وحين يجيء مانويل الصحفي وحبيبته ماريا الباحثة من إسبانيا إلى دولة الحيرة، يعثر على الرواية التي كتبها أحمد لطيف في سور الكتب المستعملة، يقرأها ويترجمها إلى الإسبانية، فيجدها شخصًا اسمه أحمد لطيف، مهاجرًا في إسبانيا بعد هروبه من دولة الحيرة. يتعرف مرة أخرى على (لولو) التي تبدو وكأنها عاشت في زمن آخر، مثل أحمد لطيف الذي عاش أيضًا زمنين، أو أنه في نسختين: نسخة في مدريد ونسخة في دولة الحيرة.
الخط الثالث يتعلق بالأشباه الذين انجبوا أبناء الخطيئة، أولاد الدوبليرات من سيدات استأجرن اصلا لغرض المتعة، حملن وانجبن لكنهن لم يرضعن، تكفلت برعايتهم موظفات في مؤسسات خاصة، أنهم اطفال اهتم بهم البوب بنفسه، وصنع منهم قادة المستقبل ودرع سلطته. يقول الراوي: بمتوسط 15 طفلًا في السنة لكل شبيه، أنجب كل منهم 420 طفلًا من أكثر من 300 سيدة طوال 27 عامًا، ولو ضربنا هذا العدد بـ53 دوبليرًا لكان الناتج 260,22 ألفًا، تربوا جميعهم في دور أيتام تابعة للرئاسة، ودرسوا في مدارس القادة حتى نهاية البكالوريا، وتم إعدادهم بعدها كضباط أو كحراس للمستقبل، وكانوا جميعهم متشابهين مع فروقات بسيطة بتأثير جينات الأم.
الخط الرابع يخص آلهة الأولمب، وهم 12 شخصًا يديرون البلد مع وجود واجهة هي «البوب». فهم يعدّون الخطط، ويغيرون الرؤساء، هم راسمو العلاقات الخارجية مع الدول الصديقة والعدوة، وهم أصحاب اختيارات الوزراء والسفراء، ونجوم السينما ونجوم الدراما ونجوم كرة القدم ونجوم الطرب ونجوم الكتابة ونجوم الجوائز، وبمقدورهم كذلك، إن أرادوا، خلع الرئيس واختيار آخر.
وتبدو الثيمة الأساسية في «حفلة الدوبلير» متفرعة مثل سواقٍ، هي روافد لنهر كبير. يقول مانويل، وهو أحمد لطيف نفسه في زمن آخر وبلد آخر: إننا أحيانًا نبحث عن شيء، فنجد شيئًا آخر، وحين نجده نعرف أنه ما كنّا نبحث عنه، من دون أن ندري، كأن كل شيء في أصله اثنان، لكن بنسختين: أصلية ودوبلير. هذا التصريح تقوضه في النهاية جملة «البوب» الأخيرة، فالحقيقة أن لا وجود لأصل، الجميع هنا داخل هذه الحكاية نُسَخ لأسلاف لا نعرف عنهم شيئًا. آلهة الأولمب أنفسهم، المتحكمون بكل شيء، هم أشباه لآخرين، مثل شبيهات زوجة البوب، وشبيهات الأمهات، وأشباه أبناء الخطيئة الذين يقابلون في النهاية آباءهم، لكنهم لا يستطيعون الاعتراف بأنهم آباء لهم، لأن الجميع في هذا التقابل دوبليرات.
يقول البوب في الصفحة 54: إننا نربح بالضعف وليس بالقوة، وهذه الجملة هي الأساس الذي بنى عليه أحمد عبد اللطيف حياة الشخصية الرئيسة. فتمثيل حالة الضعف هي الطريقة التي وظفها البوب للوصول إلى الحياة، وهنا تظهر مقدرة البوب على التمثيل، فهو جاهز دائمًا لتزييف حياته أو إظهار ذاته المقموعة، لكي ينتقم من لجنة التمثيل التي رفضته، وليحقق في الوقت نفسه رغبته الدفينة في أن يكون ممثلًا وليس ضابطًا في الجيش. حتى اختياراته العاطفية خضعت لفكرة الانتقام ذاتها، أكثر من كونها حاجة إنسانية، فهو رجل منكسر من الداخل، مهزوم في النهاية، إنه حكاية ضعف أخرى كشفها الدوبلير رقم 7، ودفع ثمن ذلك حياته: إطلاقة في الرأس في حفل مرور ثلاثين عاما على تنصيب البوب.
وتتجلى في هذا النص فكرة جوهرية تتعلق بكوننا جميعًا نؤدي دور شخصية اخرى لنحقق من خلالها فراغا ظل يذكرنا بعجزنا. البوب نفسه يؤدي دور ممثل لم يستطع أن يظهر على المسرح، حتى عندما صار رئيسًا، كان يخرج للقاء بائعة هوى، يناديها باسم حبيبته، فتقول له إنه الاسم الذي حلمت به طوال حياتها، فكانت تؤدي دور دوبلير لامرأة أخرى ميتة او منسية او حلم جف فلا يمكن اعادته للحياة. وبسبب هذا التناقض الداخلي، حقق البوب حلمه بالتمثيل من خلال أشباهه، فكانوا يؤدون دورهم ببراعة بل يتقمصون الشخصية على نحو مخيف، أو بالقدر الذي يجعلهم ينسون حتى ذواتهم ليندمجوا بصورة البوب نفسه، لكن وجوده اليومي بينهم على طاولة نقاش وسمر، هو الشيء الوحيد الذي يذكرهم أنهم مجرد نُسَخ، موظفون، وهو الرئيس ووليّ النعمة.
الإشارات في العمل كثيرة، تشكل بمجموعها اسطورة تتكرر في كل مكان وزمان، استعارة تنقل القارئ، خاصة أولئك الذين عاشوا في بلدان هيمنت عليها الأنظمة الشمولية، إلى التجارب الشخصية، فتضع كل قارئ في موقع الشاهد. فحن في النهاية امام نص يحاول تفكيك العقلية التي تُدار فيها السلطة في ظل الأنظمة الشمولية، يعرض فيها أحمد عبد اللطيف الاحداث بلغة جميلة، تنطوي على مواضع تنوير، ولحظات توقف، بينما بنية العمل نفسه تبدو اقرب إلى المتاهة، مساحة لن يخرج القارئ منها سوى بحقيقة أنه هو الآخر مجرد دوبلير لشخص ما هنا أو هناك، في هذا الزمن أو قبل ألف عام.











