فكري عمر
يتخيل الكثيرون أخلاقًا ثابتة للماضي، في مجال الفن خاصة يُضفون على أجوائه طابع الهدوء، والعبقرية، والمثالية. تتمنى حينها أن تستقل آلة زمنٍ خيالية تسافر عبرها إلى هناك، فإذا فتحت عينيك بعد حلم اليقظة الجميل تجد أنك لا تزال هنا، وسط عالم قَلِق، متعجل، وأهله غالبًا منجذبون إلى الإنجاز المادي دون غيره. صدمة ما بعد اليقظة مُضاعفة، حيث لا توجد آلة خيالية يمكن أن تنزع إنسانًا من زمنه وتغرسه في زمنٍ آخر، لكن الأمل ليس غائبًا تمامًا لحسن الحظ. هناك جِسرٌ ساحر يربط بين ضفاف الحياة، يحمل روحك وخيالك إلى الزمن الذي تود، ويترك جزءًا كبيرًا منك هنا، كأنه أرجوحة معلقة، تعطيك صورة للماضي ولا تنسيك مكانك؛ كي لا تفقد الاتزان. هذا الجسر – الأرجوحة – لا يحتاج منك إلا لأمرٍ بسيط وعميق في آن: أن تكون مغرمًا بالقراءة، والتنقيب عن التاريخ في كتبٍ ومجلاتٍ لم يضعها المؤرخون، بل الكُتَّاب عامة والفنانون، فتشعر بأجوائه ما بين السطور، أو في مساحات المسكوت عنه. سفيرة الماضي المقصودة هنا هي مجلة “المسرح” التي صدر عددها الأول يوم الاثنين الموافق 9 نوفمبر سنة 1925م، على بُعد مئة عام من الآن، واستمر طبعها الأسبوعي طوال عامين ليُختتم بعددها الأخير (86) في 29 أغسطس عام 1927م.
عبر الصفحات تطالع أجواء المسرح المصري في بداياته بأخباره وتحدياته وطموحه، غير أن المجلة برئاسة تحرير الكاتب “محمد عبد المجيد حلمي”، ومدير التحرير “جمال الدين حافظ عوص”، وسكرتير التحرير “حنفي مرسي”، والثلاثة أصحاب فكرة الإنشاء، يتبعون منهجًا ثابتًا طوال الأعداد هو الجرأة، والنقد اللاذع، ونشر الأخبار من كواليس المسارح اعتمادًا على مُكاتِبين سِرِّيين بأسماءٍ مستعارة، أو بواسطة ممثلين من الجوقة لا يُعلن عنهم أبدًا، إضافة إلى أبواب يُقصد منها السخرية و”جر شكل” المؤلفين والممثلين خصوصًا “يوسف وهبي” مؤسس فرقة رمسيس. كما أتاحت المجلة للمتابعين مكانًا؛ لاجتذاب مزيد من الأقلام، والقراء.
تبنت المجلة ابتداءً من العدد الأول إلى العدد الثاني والعشرين غلافًا ينشر صورة كبيرة لممثلة أو مطربة آنذاك كـ”منيرة المهدية”، “ماري منصور”، “أم كلثوم”، “بديعة مصابني”، و”فاطمة رشدي”، ثم فاجأت قراءها في العدد (23) بنشر أول صورة لرجل هو المخرج “عزيز عيد”، وصار وجود نجم فني على الغلاف بين حين وآخر مألوفًا كالمطرب “حامد مرسي”، والممثل “أحمد علام”، و”حسين رياض”، وكُلل العدد الأخير (86) بصورة الزعيم “سعد زغلول” راعي الفنون، مع تخصّيص جزء كبير من المتن لتأبينه.
يُبرر رئيس التحرير في مقالته الافتتاحية بالعدد الثالث هجومه على الوسط المسرحي؛ لتنقية الفن من الأدعياء، وصغار النفوس؛ لينهض المسرح، ويواكب الموجود في أوروبا، فينجذب إليه الجمهور ويحبه.
وهي حجة لا يمكن إثباتها أو دحضها، فالمسرح المصري في بداياته كما يقول “نجيب الريحاني” في مذكراته كان بعضه قريبًا من الساحة الشعبية، حيث ينتشر الاسكتش الساخر، أو مشاهد ومقتطفات من المسرح العالمي، وهو أمر انتبه له الأدباء حينها كـ”توفيق الحكيم”، فدرسوه بأوروبا، ثم ترقَّى المسرح بمزيجٍ من التأليف والترجمات.
لكن اتهام المجلة بمعاداة بعض الفنانين، والمبالغة في الهجوم على “يوسف وهبي” بالذات ظل قائمًا، فأزعج بعض القراء، ورَوَّج لأقاويل اضطرت المجلة معها لعرض بعض الرسائل، والرد عليها بأنها بريئة من الغرض، ليست مأجورة، ولا تحارب نيابة عن أحد.
وواصلت “المسرح” مشاكسة “يوسف وهبي” وغيره، فكانت تنشر صورًا لأعضاء فرقته، وتمتدحهم للبراعة في أدوارهم المساعدة دون أن تصفه بذلك، أو تنشر له صورًا بالأعداد المتقدمة، وتقول إنها حصلت عليها من مصادرها – السرية بالطبع – وفي جانب آخر تدعم فرقة “الماجستيك” وبطلها الممثل الكوميدي “على الكسار”، وإن غمزته ولمزته بلطف في المحاكمات الساخرة التي صاغها “لامج” – اسم مستعار – مستحضرًا الممثلين والممثلات في محكمة خيالية، ليجري بينهم الحوارات الهزلية، ويُنطق القضاة بأحكام مازحة مثل منع فلان من التمثيل، أو الكتابة والترجمة.
بالنسبة لـ”يوسف وهبي” كان الأمر مزعجًا، نَغَّص عليه كثير من نجاحاته المسرحية، ففي موسم 1925/1926م قدمت فرقة رمسيس عددًا من النصوص المصرية المؤلفة والمترجمة مثل: “”البؤساء” لفيكتور هوجو، و”سيزار” بورجيا اقتباس يوسف وهبي، و”الكونت دي مونت كريستو” لألكسندر دوماس، و”تحت العلم” لعبد الرحمن رشدي، و”الوحوش” لمحمود كامل المحامي”. ص292 – 293، كتاب: “عشت ألف عام”، طبعة دار المعارف، 2021م.
وفي موضع آخر من مذكراته اتهم المجلة بأنها مدفوعة للهجوم عليه، وتدمير معنويات فرقته، وادعاءه كذبًا بالتلمذة على يد الممثل الإيطالي الكبير “كيانتوني”، وهو ما أثبت عكسه حين زار الممثل الإيطالي مصر، وأشاد بالنهضة المسرحية وفرقة رمسيس.
لا يمكن الحسم حول دافع الهجوم، فلم يكن بطل فرقة رمسيس وحده هدفًا، بل كان الهدف كثيرون غيره بدرجات متفاوتة، وبطريقة لا تخلو من خفة الظل، والمراوغة، كما أنه في العدد العاشر كتب “سعيد عبده” بأن أصدقائه يظنون أنه يحصل على أجرٍ كبير من نشر قصصه القصيرة، وترجماته الأدبية، لترد المجلة عنه بأنها لا تمنح أحدا من محرريها أجرًا ماليا مقابل النشر، وتُكني نفسها بـ”مسرح التضحية وليس المادة”، تأكيدًا لخلوها من الغرض، فكتابها يعملون بمجلات وجرائد أخرى يحصلون من خلالها على أجور تتيح لهم العمل بها؛ إيمانًا برسالتها المعلنة.
و”سعيد عبده”، طالب الطب، هو مفاجأة أخرى، نشر عددًا من القصص تدور في الريف المصري، بلغة تصويرية وميل إلى الميلودراما يكشف مكر العجائز وسذاجة الصغار والتلاعب بطموح الفقراء، حيث يواجه الأبطال النبلاء بشرًا لؤماء وأشرار، وينتهي الأمر كثيرًا بالغدر والقتل المأساوي.
من الشواهد أيضًا على النقاشات المبكرة حول التمثيل ما نشره المحامي “أحمد عبد الرحمن قراعة” في العدد التاسع ردًا على سؤال: “ما رأي الإسلام في التمثيل؟”، فأخذ يحلل ويفند ويقيس بالمواقف الإسلامية، ليخلص إلى أن التمثيل لا يخالف الإسلام، ويكون ذلك بداية لحلقات نقاشية مستمرة ما بين مؤيد ومعارض.
تفتح أبواب المجلة لقارئها ردهات الماضي وأبهاء مسارح شارع الفن بعماد الدين، وتتبع رحلة القادمين من أقاليم مصر بحثًا عن مكانٍ ومكانة ما بين “مذكرات عن المسرح العربي منذ عشرين عامًا” لـ”جورج طنوس” الذي يُدوِّن مواقفه بالوسط الفني مختلطة بالنقد والطُرف، فنكتشف مثلًا أن الأدوار العاطفية كانت مقتصرة على الممثلين ذوي الطلة البهية والصوت الرخيم، وهي أفكار لا تزال رائجة في الفن المصري والعربي. وفي باب “دائرة المعارف التمثيلية” يكتب “محمد زكي إبراهيم” محاكيًا القاموس اللغوي، فيمزج تصاريف الكلمة بأخبار الممثلين وخلافات المسارح.
حفلت المجلة بأبواب أخرى لمذكرات فنانين وفنانات، وترجمات لموسيقيين عالميين، ومسرحيات وشرح لمواضيع الأوبرا، وأدوار الغناء، ورغم الجرأة الغالبة على خطابها النقدي والخبري إلا أنها ترسم صورة طازجة للماضي الفني بلغته وعاداته وقضاياه، ومع الاندماج التام تشعر أنك انتقلت إلى ذلك الوسط بين نجومه وشوارعه وبيوته شاهدًا على ولادة الأفكار، والطرائق الجديدة للتعبير، والطموح والمغامرة والصراع، ويغمرك إحساس بأن الحقيقة، ووجهات النظر النقدية المتباينة حول الفن أكثر إنسانية وجمالًا من أي صورة مثالية مصنوعة.







