رضوى الأسود
في مجموعته القصصية الأخيرة “حفلة الإنس والشياطين”، الصادرة عن دار العين، يكسر محمد الفخراني البنية المعتادة للقصة القصيرة، من بداية ووسط ونهاية، وقصة واحدة، وحدث يتطور، واعتمد على تدفق أفكار الراوي وتأملاته الفلسفية والجمالية وسرده للقطات متفرقة – تبدو عادية – من الحياة اليومية، دون ذروة أو حبكة.
لم يكتفِ الفخراني بذلك فقط، ولكنه كَسَرَ الصورة الذهنية النمطية عن الشياطين، والراسخة في العقل الجمعي طبقًا للموروث الديني، تلك الصورة التي حافظت عليها ولم تتجاوزها أعظم الكلاسيكيات الأدبية مثل: “رسالة الغفران” للمعري، و”الكوميديا الإلهية” لدانتي، و”عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات” للقزويني، و”كتاب المخلوقات العجيبة” لبورخيس، من سرد أوصاف عجيبة ومرعبة للجن والشياطين، وتقديمهم بوصفهم مصدر الشرور والرعب والكوارث، ووجودهم بمنأى ومعزل عن البشر، يرون الإنس، بينما الإنس لا يرونهم.
لكن الفخراني قدَّم لنا عالمًا للشياطين متداخل ومتعايش بشكل تام مع الإنس، ولم نرَ وصفًا مخيفًا أو عجيبًا لمظهرهم، ومن ناحية أخرى لم ينفِ أن يكون ثمة عوالم أخرى – قد لا ندري عنها شيئًا – لكنها موجودة بالفعل، وعدم ادراكنا لها لا ينفي وجودها، بل يُثبِت محدودية قدرة البشريّ، المحكوم بحواسه. ليس هذا فقط، بل قدَّم لنا الفخراني شياطين تحمل نسقًا أخلاقيَّا رفيعًا، تتعلَّم من الإنس الشرور، شياطين تقدر قيمة الصداقة، والعطاء، والفن، مقابل بشر ينحون بشكل كبير نحو أفعال دنيئة وغير أخلاقية.
التسكع هو الثيمة المهيمنة على القص، هو جوهر العشر نصوص، التسكع لا يقاس هنا بمعناه الحرفي، ولكن بقدرة الراوي على السرد التأملي، سرد متمهل، لا يتعجل الوصول لنتائج، لا يقدمها ولا ينتظرها، سرد يتخلل نسيج الكون، يفحصه ويحلله دون الوصول لنظرية، يكتفي فقط بمشاهداته الحية، الطازجة، المتأملة في الوجود، فالتأمل هنا هو تسكع في براح الحياة، تفكير متعمق في نشأة الكون، في أول من ابتدع فعلًا أو ابتكر كلمة، إنه إخضاع كل الحواس لمشاهدة دقيقة للكائنات والموجودات.
نحن أمام نص فلسفي عميق، يضع الإنسان أمام حقيقته المعجونة بالخير والشر، وإن كان الشر يبدو أن له النصيب الأكبر، يكشف عن إحساسه الزائف بالتفوق وشعوره المؤلم بالفناء، ما خلق لديه الولع الأزلي الأبدي بالخلود، نص يعكس عجز المرء عن فهم الحياة والوصول لماهيتها، وعجزه الأكيد عن فهم نفسه، مُجَسِّدًا رحلته اللانهائية في “التسكع” باحثًا عن إجابات لأسئلته العصية. الإنسان المولع بالحياة بقدر ولعه بالموت، ربما لأنهما على نفس الدرجة من الغموض. وعلى قدر عمق النص، إلا أنه لم يلجأ لعبارات رنانة أو عناوين زاعقة أو أشكال مباشرة من السرد، بل أتي رائقًا، عذبًا، سلسًا، دون بلاغة أو زركشة لغوية، إذ يؤمن كاتبنا أن بلاغة العبارة تأتي من داخلها. ويتبدى بالفعل لنا ذلك حين يمتلك الفخراني قاموسًا خاصًّا به مشحونًا بكلمات، رغم بساطتها، إلا أنها تُسري تيارًا كهربيًّا في حس القارىء.
استخدم الفخراني تقنيات سينمائية في غالبية نصوصه؛ كتقنية الميتا سرد أو السرد المتعدد، بمعنى أن القصة الواحدة تحوى عددًا من القصص، وكذلك ال Cross Cutting، أو القَطع المتداخل، كما في قصته “أوضاع للحب والطيران” بتبادُلٍ متتابِع بين خطين سرديين، وكأنه عملية تضفير لسرد يشرح أنواع القبلات التي تخترعها رفيقة صديقه، وسرد آخر لمشهد للطيور وهي تأكل الحبوب على الأرض.
باستثناء الأسماء الواردة في قصة “في بيت سلوى لطيف” والتي كانت تخص الشياطين، لم يمنح الفخراني لأبطاله من الإنسِ أسماءً، وكأنه يشير إلى الإنسان بشكل عام.
الرواة في النصوص: كل بطل يسرد قصته بصوته، عدا قصة “اللعب مستمر”، التي كان فيها السارد هو الراوي العليم.
لا تخلو النصوص من الحِسيَّة، لكنها ليست حِسيَّة مبتذلة، بقدر ما كانت احتفاء بالجسد وجمالياته وروعة خَلقه. إنه تمرين على التذوق الجمالي للحياة، كما أن الجنس أحد مظاهر حب الحياة وتحدي الموت.
احتفظ الفخراني من البداية وحتى النهاية بنظرة رومانسية للعالم، على الرغم من عدم إنكاره لوحشيته ورعبه. تشعر في كل قصصه بقلم يحب اللعب؛ اللعب مع القارىء، اللعب باللغة، ممارسة الألعاب العقلية، وحتى ألعاب اللهو البسيطة.
القصص منفصلة لكنها مترابطة بشكل ما، بداية من العنوان، مرورًا بتكرار ظهور بعض الشخصيات في أكثر من قصة، نهاية بعبارة البطل في القصة الأخيرة “وما زلت أمشي في قصة الشغف” التي تقابل كلمة “التسكع” في القصة الأولى، وكأنها تكمل الدائرة.
في القصة الأولى “أغنية التسكع”، نجد التفاصيل الصغيرة التي تصنع الحياة، سرد انسيابي، متدفق دون توقف لالتقاط الأنفاس، وكأنه نهر هادر، أو كأنه الحياة في مروقها السريع، اللاهث. هنا إشارة إلى أن ملايين الأحداث تجري في أرجاء العالم في الدقيقة أو الثانية نفسها، وهذا ما يؤكده الكاتب باستخدامه للأفعال المضارعة والواو التي تتبع كل فاصلة. أيضًا كان ثمة استخدام آخر للواو، وهو الإيقاع، موسيقى داخلية تحكم النص بالكامل.
سرد يشبه السارد في “تسكعه” في الشارع حين يرى بعينيه مشاهد متتابعة، متداخلة، مشتبكة ومتشابكة. مشهد يتبعه آخر، يتبعه ثالث. درويش مجذوب يمشي وراء شغفه، حدسه، لا يحسب حسابًا لشيء، تقوده فقط غريزة مُحبة للجمال وللحياة بكل ما فيها من موجودات ومتناقصات. السارد يعي أن التنوع هو الثراء، الجمال، الشغف، وما دون ذلك هو الملل، والموت، وهو يملك حسًّا جماليًّا عاليًا وحبًّا عظيمًا للبشر والحيوان والنبات والطيور؛ فنراه يحتضن الشجرة ويسألها عن حالها، ونراه يعيش قصة حب كاملة مع مارة من جانبه جمعتهما عدة خطوات بمحاذاة بعضهما البعض.
أتت المشاهد المتزامنة في هذه القصة – والتي يُشكل مجموعها الحياة بكل ثرائها وتنوعها – وكأنها التُقِطَت بعدسة كاميرا، وقد ذكرتني بتلك اللقطات الشهيرة لـ فيفيان ماير أشهر مصورة شارع، لقطات تبدو عادية، نراها كل يوم في الشارع والطرقات، إلَّا أنها مؤثرة ولافتة، تكمن عبقريتها في لحظة الاقتناص، لحظة لا تتقدًّم ولا تتأخر عن موعدها، ومضة إن لم تُلتَقَط في لحظة توهجها، تفقد معناها. إنها العبقرية الكامنة في البساطة. السهل الممتنع.
لم تكن اللقطات وحدها تجسيدًا للحياة، الراوي ذاته كان تجسيدًا لها؛ بما يحمله من غموض، وتناقض، والتباس، ويتجسَّد لنا هذا المعنى في تأكيده ونفيه للمعلومة نفسها في آن واحد: “أنا ماهر جدًّا في تشكيل قصص الحب، وماهر جدًّا في تدميرها”. “أحب أن أحب كل واحدة في العالم، وتكون لي قصة حب معها، وأحب أن أكتفي بواحدة فقط من العالم، وتكون لي قصة حب واحدة”. “أتمنى أن تظهر ثانية، لكني على الفور تمنيت ألَّا تظهر”.
تلك المشاهد واللحظات التي يَعبُرُها ويُعَبِّر عنها الراوي في “تسكعه”، والتي برغم اشتباكه وتفاعله معها بشكل ما، إلا أنه يشعر وكأنه منفصل عنها، يرقبها من بعيد، لا هو جزء منها ولا ينتمي إليها، وكأنها كون موازٍ أو غير حقيقي. يقف السارد على حافة العالم ليصفُه، وقد يكون تبنيه لذلك الموقف، هو تحديدًا ما مكَّنه من وصفِه بتلك الإنسيابية والحيادية والشغف.
لكن المفارقة أنه يعي بالمثل أنه جزء من هذا العالم، بداخله، لا خارجه. إنها المعضلة الإنسانية وأزمة الوجود. لكنه على الرغم من كل ذلك يظل روحًا لم تفقد دهشتها؛ فبالرغم من تكرارية المشاهد التي يراها “المتسكع”، وبرغم أنها من المفترض أن تضحى عادية أو فاقدة لبهجتها وطزاجتها، إلا أنها تظل في عينيه في كامل بهائها وروعتها، وفي كل مرة يشاهدها وكأنها لأول مرة. إنه شغف، عشق تام للحياة بكل تجلياتها.
في القصة الثانية “بالمناسبة، ما الذي تتكلفه حفلة؟” الشيطانة الساردة تنضح بالرومانسية، وإن كانت تنكرها على نفسها – بطول القصة – وكأنها تهمة!
هنا نجد كسر للصورة النمطية للشيطان؛ فالبطلة بائعة ورود، وتهتم بالطير والحيوان، وتحب الاحتفالات، وسماع قصص الحب.
البطلة لا تريد طرح الأسئلة على الرجل الذي تبيعه باقة الورد منذ عشرين عامًا ليحملها إلى حبيبته. هنا تأكيد على أن الشيء المخفي أو الغامض، يبقى جميلًا، مشعًّا، حيًّا، أسطوريًّا. وعلى العكسِ، معرفة الشيء قد تجعله عاديًّا.
هنا الحبيبة الأسطورية بائعة هوى .. مفارقة أخرى.
بطول هذه القصة والتي تُعَد بيانًا كاملًا مسترسِلًا عن مدى روعة وجمال القهوة والشوكولاته، تصدمنا الساردة في نهايتها بأن من لم يجربهما، لن يُفَوِّت شيئًا! قد تكون هنا إحالة إلى أن من لم يجرب شيئًا، لن يعي أبدًا أن هذا الشيء ينقصه، وهي إشارة مبطَّنة وذكية تدعو للتجريب والمحاولة، وأن فيهما السعادة. الفخراني يلعب – وأظنه يلعب دائمًا – على تحطيم ما يتوقعه القارىء.
القصة الثالثة “اللعب مستمر” تؤكد على ثنائية “اللعب والرعب” ما يشبه ثنائية “اللذة والألم”، وكأن للسعادة ثمن يجب دفعه، تلك الثنائية تحيلنا إلى ثنائية “اليين واليانج “، الأسود والأبيض، متناقضان لكنهما مكملان لبعضهما البعض، وفي الكون لا وجود لأحد دون الآخر. طاقتان متضادتان، تؤديان لحدوث أي شيء في الحياة.
لو تأملنا أجمل الأماكن: البحر، الغابة، مدينة الملاهي، سوف نجدها أماكن للتنزه واللهو واللعب والبهجة، لكنها بالمثل يمكنها أن تكون أماكن خطرة، وربما مميتة. الحب نفسه أكبر خطر على المرء، وقد تكون فيه السعادة بقدر التعاسة.
هنا نتبيَّن الوجه المزدوج لكل شيء، ليست هناك حقيقة مطلقة، أو بمعنى أدق وجه واحد للحقيقة.
الجنس في هذه القصة كان حالة خاصة جدًّا، شديدة التميز. لعبة عقل، لا جسد. تجربة لاكتشاف العالم، والذات، والآخر، والجسد بالطبع.
في هذه القصة نجد أن هناك إشارة إلى أن البطل يفضل المرأة التي تكبره في العمر، وذلك حين تجلَّت زوجته الشابة في عمر السبعين ولم ينزعج، بل بدا سعيدًا، وقد يعود ذلك ربما لحبه لنموذج الأم، لكنه لم يعِ ذلك قبلًا إلَّا حين دخل في التجربة الجسدية؛ إذًا هي تجربة وعي. هذا جانب، ومن جانب آخر، قد تكون دعوة لتقبُّل أنفسنا وأجسادنا في هذه السن المتقدمة، وأن الشيخوخة ليست مخيفة، بل قد يكون لها ألقًا.
الحوار بين الزوجين في ذروة الفعل الجنسي بدا عميقًا، إذ دار حول نظرتيهما للحياة، للحب، للجنس. هنا الحسيَّة لم تلغِ العقل، بل أذكته، أشعلت مراكز التفكير فيه. كما سنجد ملمحًا تحدَّث فيه أقطاب الصوفية عن تطور العلاقة الجنسية إلى متع حسيَّة متبادَلَة وافتتان وعبادة روحية؛ فالعلاقة الجنسية عند الصوفي هي فعل مركَّب يجمع بين العناصر التي تشد الإنسان إلى الله والطبيعة، إلى الحياة والحب، وصورة من صور الاتحاد بالذات الإلهية، وليست وسيلة لمتعة الرجل وممارسة استبداده وعنفه، وهو ارتقاء للفعل الجنسي وتنزيهه عن الدنو الذي ينظر به الكثيرون لهذا الفعل.
يقول الراوي:”اللعب والرعب يُخرِجان أفضل وأسوأ ما فينا”. وهنا أتذكر تجربة “مارينا أبرافوميتش” التي ظلت واقفة دون حراك أمام بضعة أفراد في تجربة دامت 6 ساعات، واضعة على منضدة 72 أداة منها: ورد – ريش – مقص – عطور – عسل – شفرات حادة – منشار – مسدس. في البداية أهداها أحدهم وردة، وآخر منحها قبلة، ومع مرور الوقت جرحها ثالث، حتى انتهى الأمر بأن أحدهم بدأ بتصويب المسدس لرأسها، حتى منعه الآخرون. نعم هذا هو الإنسان، وهذه هي خطورة اللعب!
تنتهي القصة بعبارة “اللعب مستمر”، وذلك بعد أن قال لها الزوج: “مقلب وهدية”، وكأن قصص الحب، أو الحب ذاته إمَّا أن يكون مقلبًا أو هدية، أو ربما الاثنين معًا. هنا أيضًا إشارة إلى أن الحب في عمقه لعبة عقلية بين اثنين، تتطلب ذكاء وخبرة وقدرة كبيرة على استيعاب الآخر. لكنها لعبة خطرة، وقد تكمن لذتها في خطورتها.
القصة الرابعة “ستاند آب حب”. من خلال نظرة البطل، نستطيع بوضوح تبيُّن وجهة نظر الفخراني في الحياة ورؤيته لها بشكل بسيط دون تعقيد، ببساطة وقوع الرجل في حب امرأة من ضحكتها. ربما تلك هي النظرة التي نحتاجها كي نظفر بحلاوة الدنيا.
هنا السارد شيطان، وبشكل كبير يشك القارىء طوال الوقت أن سارد القصص على تنوعها هو شيطان من كلمات معينة؛ كأن يصف الإنس مثلا بإعجاب، أو أن ينتقد تصرفاتهم ويستهجنها.
هنا أيضًا استخدم الفخراني تقنية القَطع المتوازي، وهو تكنيك اتَّبَعه تقريبًا في معظم القِصص، ما يمنح شعورًا بالديناميكة والخفة، ويجعل القارىء متيقظًا طوال الوقت.
القصة الخامسة “بقدونس”. يقول البطل الشيطان عن الإنس، وهو هنا يعمل شيف (طباخ): “شيئان لا يفعلهما الشياطين أبدًا: دس السم في الطعام، والقتل المأجور”، وفي موضع آخر يقول: “يأكلون بعضهم”، وفي موضع ثالث يقول: “لا تُنافِس إنسيًّا في حرب أو أكل .. تخسر”!
هكذا صوَّر الفخراني الشياطين مقابل الإنس، بعكسِه للصورة النمطية للشياطين، وتبيانه أن الإنس هم من يقومون بالأفعال الشريرة والخسيسة، التي رفضها الشياطين، لكن مع التأكيد على أن هناك أفعالًا أخرى لطيفة تعلموها منهم مثل: اختراع بعض الكلمات، واختراع النكتة.
هنا أيضًا تأكيد على الحيرة وعلى عدم وجود حقيقة مطلقة، حين يقول البطل: “الطبخ مهنة سهلة”، ثم يعود لينفي كلامه بقوله أنها مهنة صعبة!
في هذه القصة ذِكر لرواية “في بيت الطباخة”، وسوف يكون هناك ذِكر لاحق لرواية “لا تمت قبل أن تحب” في قصة “في بيت سلوى لطيف”. ومن هنا نرى فكرة البراح الذي، كما يتسع للمخلوقات جميعها، يتسع بالمثل ليحتوي ويضم أعمالًا سابقة للكاتب. وربما هي فكرة أن كل شيء مترابط، يُكمِل بعضه بعضًا، مؤثِّرًا ومتأثِّرًا.
في القصة السادسة “لا تدفعوا الحساب” سنلاحظ تكرار لشخصيات وعبارات ظهرت وقيلت قبل ذلك في قصة سابقة، ما يجعلنا نشعر بتماسك وترابط بين القصص على الرغم من أنها قصص منفصلة؛ مجموعة قصصية وليست متتالية قصصية.
لغة الفخراني كما تدعونا للتأمل، تلعب أيضًا على حواسنا وتدغدغها. بارع تمامًا في تكوين وتجميع مفردات، ربما لو أتت منفرده لن يكون لها ذلك التأثير الذي يكون لها حين تكون مجتمعة. يَعرِف الفخراني سر “طبخة اللغة”، يعرف مكونات المعادلة الكيميائية التي حين تندمج معًا تُحدِث البرق أو تُحدِث انفجارًا. يعي تمامًا أن لكل حرف وكل كلمة ذبذبة معينة وأن تلك الذبذبة تشبه السحر في مفعولها. استمَع إلى هذه الكلمات: “مقاس اللذة” .. “طبخة جسمها” .. “رائحة جسمها جمر دافىء”.
في هذه القصة جمع بين الإنس والشياطين الشغف بالحب والجنس، مع شغف أقل أو يكاد يكون منعدمًا بالمال، وكأن العالم يُحركه الحب والجنس وحدهما، وهما في الحقيقة حين نتأملهما نجدهما شيء واحد، غير منفصلان، وفي هذا السياق تأتي نظرته للمال شديدة الرومانسية.
في القصة السابعة “في بيت سلوى لطيف” نجد الإنسي يأتي بأفعال مخجلة وغير أخلاقية، كأن يتحرش بفتاة، أو أن يطمع في حافظة نقود وجدها في الشارع، دون الاكتراث بالبحث عن صاحبها، هنا إضاءة من الكاتب على فكرة استحقاق الإنسي، بينما ظهر الشيطان بشكل أخلاقي مبالَغ فيه، وهذا مقصود من الكاتب؛ فالشيء يتضح بنقيضه.
قصة الصداقة التي نشأت بين إنسي وشيطان من موقف بسيط للغاية، مصادفة عادية جمعتهما أمام مكتبة، ثم دعوة الإنسي على الغداء في بيت الشيطان والترحاب الذي لاقاه منه ومن زوجته، وقصة الحب التي بالكاد ستبدأ بين ذلك الإنسي وشقيقة زوجة الشيطان. كل ذلك يقول أنها دعوة للحب والتعايش بين الفرقاء.
في القصة الثامنة “أوضاع للحب والطيران” نجد فكرة “نهاية العالم” مقابل فكرة “الخلود”، وتيه الإنسي بينهما. يعلم الإنسان يقينًا بفنائه، فيحلم بالخلود، يتحدى هذا الفناء بالحب، بالجنس، أو حتى بقبلة حقيقية.
تتشابه هذه القصة بشكل ما مع القصة الأولى في تكنيك السرد الحر المتدفق، لكن في الأولى كان لمشاهدات، بينما هنا كان للذكريات.
في هذه القصة تأكيد آخر وليس أخير على أنانية الإنسان ونرجسيته، وتفكيره بأنه محور الكون، مقابِلًا لطيبة الطيور التي لا تمانع مثلًا أن يشاركها إنسي الطعام.
في القصة التاسعة “ماشيه على حل مشاعرها” نستمر مع فكرة تحطيم الصورة الذهنية عن الشيطان، مع تأكيد دناءة البشر، أو بمعنى أدق تفريغ الصورة النمطية من جوهرها الأخلاقي فيما يخص الشيطان، وإبراز صورة الإنسان على حقيقتها المتأرجحة بين الخير والشر، وإن كان الشر هو الغالب.
يثير هنا الكاتب – بشكل ذكي ورقيق – بعض الأفكار، منها أن الروح الحرة هي ما تمنح المرء تَفَرُّده الشخصي، هي ما تجعله جميلًا، حتى وإن افتقد الجمال الشكلاني. والفكرة الأخرى تتعلَّق بالأخذ بظاهر الأشياء، دون الدخول إلى العمق، ما يجعل الحقيقة مطموسة، والرؤية مبتورة، مشوهة، عارية من صحتها.
في القصة العاشرة “قصة الشغف” كان الشغف الأكبر هو الشغف باللغة، نتبينه لدى الكاتب من لعبِه المستمر باللغة، ترتيب العبارة ثم بعثراتها، التعمُّق في اللغة عبر “التسكع” في القواميس واكتشاف الألفاظ والمرادفات، مع اختيار السهل والبسيط منها، وربما الأقرب إلى العامية، على الرغم من فصاحته.
إنه اختيار الكاتب: نصوص تبدو أن كتابتها سهلة، وألفاظ تبدو سلسة طيعة، لكن في حقيقتها هي السهل الممتنع. قد نرى أنها كتابة سهلة التطبيق، بينما في الواقع هي صعبة التنفيذ، صعبة التقليد، لأنها تحتاج إلى روح حرة، جريئة، متحررة من كل قيد كما روح محمد الفخراني.
في هذه القصة أثار الكاتب سؤالًا: هل نبتكر أم نكتشف؟ وفي هذه النقطة، هناك رأي يقول بأننا لا نكتشف شيئًا، وإنما هو موجود منذ الأزل، نحن فقط نزيح عنه التراب. تلك الكتابة الفلسفية والنظرة العميقة للكون تؤكد لنا أن الأديب الحقيقي هو في جوهره فيلسوف، وأن العمل الأدبي الحقيقي هو سؤال الفلسفة.
هنا ينهي الكاتب مجموعته بنَصٍ نشعر وكأنه يُكمِل النَص الأول، نَص نشعر فيه بالتجوال مع الكاتب أو السارد. الفخراني يوقع قارئه في فخ، يورطه معه في المُشاهَدة والرؤية والحِس، بل والحَدس. وهنا تأتي مشاركة القارىء للكاتب، بفتح الأخير له مجالًا للدخول كعضو فاعل، لا عضو شرفي.
أتأمل تعبيره المتكرر “لا زلت أمشي في قصة الشغف”. هنا يتحدث الكاتب عن نفسه، عن أسباب شغفه المتنوعة وربما المتناقضة، لنكتشف في النهاية أن مجموعها يشكِّل شغفه بالحياة كلها.
وتنتهي القصة بالعبارة نفسها: “ومازلت أمشي في قصة الشغف”. إنها وصف غير مخل للفخراني، الكاتب الذي يسبقه شغفه، يحركه، يقوده، ويجعله يكتب بهذا الشكل الذي يخصه وحده، ليفتح شهيتنا للحياة.










