عبدالله السلايمة
لم أكن أعرف حسام المقدم قبل أن أطلب منه أن يشارك في مناقشة مجموعتي القصصية «هناك حيث أنا». وحين استجاب لدعوتي ببساطة واهتمام، تساءلت كيف لم أتعرف إلى هذا القاص من قبل، خصوصًا أن تجربته تمتد لسنوات، وأن القصة القصيرة ظلت اختياره الأساسي، حتى بعد أن خاض تجربة الرواية.
كان في طريقته منذ اللقاء الأول ما يوحي بشخص جاد ومهذب، وبمبدع يتعامل مع الكتابة بوصفها أمرًا يستحق العناية، لا مناسبة لإثبات الحضور. ثم جاءت تفاصيل صغيرة أكدت هذا الانطباع؛ فقد جاء خصيصًا من المنصورة إلى معرض القاهرة الدولي للكتاب يوم المناقشة، وشارك فيها، ثم عاد مباشرة إلى المنصورة لانشغاله كما قال. وقد بدت لي هذه التفاصيل، على بساطتها، أصدق من كثير من الصفات التي يمكن أن نضعها في سيرة كاتب.
ولد حسام المقدم في المنصورة، وبدأ رحلته القصصية مبكرًا، فأصدر «أحزان طفل» عام 2001 في طبعة محدودة، ثم «أشباح تعربد على الطريق» عن الهيئة العامة لقصور الثقافة عام 2007، و«شوارع مجهزة للدهشة» ضمن سلسلة «إبداعات» التابعة للمجلس الأعلى للثقافة عام 2013.
وفي عام 2017 خاض تجربة الرواية بإصداره «سباعية العابر» عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، لكنه لم يلبث أن عاد إلى القصة، فأصدر «قهوة بوتيرو» عام 2019، ثم «أبجدية أخرى للماء» عام 2021، وصولًا إلى «ما يشبه الظل» عام 2024.
هذه العودة واحدة من العلامات المهمة في تجربته. فالقصة عنده ليست مرحلة أولى ينبغي تجاوزها للوصول إلى الرواية، وإنما اختيار جمالي ظل وفيًا له. ذهب إلى الرواية، لكنه لم يترك القصة وراءه؛ وكأنه وجد في مساحتها المحدودة ما يلائم نظرته إلى الحياة: لحظة يمكن تكثيفها، وتفصيل صغير يستطيع أن يقود إلى معنى أكبر.
ومن هنا يمكن النظر إلى عالمه القصصي. فهو يقترب من اليومي والمألوف، لكنه لا يكتفي بسطحه. في قصصه تتجاور الواقعية والغرائبية، لا بوصفهما عالمين منفصلين، وإنما باعتبار الغرابة احتمالًا كامنًا في الواقع نفسه. الشخصية الهامشية قد تصبح مركز الحكاية، والمشهد العادي قد ينفتح فجأة على ما لم يكن متوقعًا.
وربما لهذا يبدو عنوان «شوارع مجهزة للدهشة» دالًا على جانب أساسي من تجربته. فالشوارع لا تتغير بالضرورة، ولا يحتاج العالم إلى أن يصبح أكثر غرابة كي يكون صالحًا للكتابة؛ الذي يتغير هو زاوية النظر. أن ترى ما اعتدت المرور به، لكن أن تراه هذه المرة بطريقة أخرى.
وهذا ما جعلني أكثر اهتمامًا بأن أراه قارئًا، لا أن أكتفي بمعرفته قاصًا.
في معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2025، أدارت الكاتبة والإعلامية ولاء أبوستيت، صاحبة دار «أم الدنيا» للنشر، جلسة مناقشة «هناك حيث أنا»، وشارك فيها حسام المقدم إلى جانب الدكتور أيمن تعيلب.
كنت أعرف مسبقًا أن حسام قاص، لكنني اكتشفت في تلك الجلسة قارئًا يعرف كيف يقترب من القصة من داخلها. لم يتوقف عند الموضوعات العامة وحدها، وإنما دخل إلى تفاصيل البناء القصصي، وهو أمر يهمني أكثر من الأحكام الجاهزة.
تحدث أولًا عن عنوان المجموعة، ورآه شاملًا ومعبرًا عن محتواها، ثم توقف عند طبيعة المجتمع البدوي بما يفرضه من عادات وتقاليد صارمة، ورأى أن العنوان يفتح سؤال الانتماء والهوية الفردية داخل هذا المجتمع.
وأشار كذلك إلى ما تحمله المجموعة من مصطلحات وأفكار جديدة، وإلى استمرار بعض التصورات الراسخة في المجتمع البدوي
رغم ما شهده من تغيرات، وتوقف عند علاقتها بالمكان وتجربة الكاتب في سيناء، وما أضافته المفردات البدوية إلى خصوصية السرد.
لكن الأهم بالنسبة إليّ كان انتقاله من الحديث عن العالم الذي تتحرك فيه القصص إلى الحديث عن كيفية بنائها.
توقف عند بداية «سدرة المنتهى»، فرأى أنها بداية حكائية وليست وصفية، بينما رأى في بداية «على قيد التفاؤل» حركة تدفع النص إلى الأمام. وتوقف عند قصة «ابنة الشيطان»، ورآها من أروع قصص المجموعة، مشيرًا إلى أن الكاتب لا يستطيع الاستغناء عن الغواية، لأنها من محركات الأدب والفن.
ثم تحدث عن اللغة، فرأى أنها سلسة، خالية من التعقيد، وأن السرد يتدفق بما يجعل القراءة ممتعة وسهلة، مع وجود بعض التعبيرات البسيطة.
كنت أستمع إليه وأنا أكتشف شيئًا يتجاوز ما يقوله عن مجموعتي. فقد كان يتعامل مع النص بعين القاص؛ عين تعرف أن القصة لا تُقاس بما تحكيه فقط، بل بالطريقة التي تبدأ بها، وبكيفية تحريك شخصياتها، وباللغة التي تمنحها إيقاعها، وبالتفاصيل التي تجعلها قابلة للحياة.
وهنا بدا لي أن الكاتب قد يكشف عن نفسه من خلال الطريقة التي يقرأ بها الآخرين.
فحسام، الذي يبحث في قصصه عما يختبئ خلف المألوف، كان يفعل الشيء نفسه وهو يقرأ نصًا لزميله. لم يكن يمر على القصص مرورًا عامًا، وإنما يتوقف عند المواضع التي تكشف طريقة تشكلها. وكأن القاص الذي يكتب كان حاضرًا في القارئ أيضًا.
ومن هذه اللحظة أصبحت معرفتي بتجربة حسام المقدم أكثر قربًا. لم أعد أراه فقط من خلال عناوين كتبه أو الجوائز التي حصل عليها، بل من خلال الطريقة التي ينظر بها إلى نص آخر.
وقد حصل خلال مسيرته على جوائز من نادي القصة المصري، والهيئة العامة لقصور الثقافة، وساقية الصاوي، ومركز رامتان، فضلًا عن جائزة الشارقة للإبداع العربي.
لكن هذه الجوائز، على أهميتها، لا تفسر وحدها خصوصية تجربته. ما يستحق التوقف عنده أكثر هو استمراره في كتابة القصة، وإيمانه بأنها ليست جنسًا أدبيًا أقل من الرواية، وإنما فن له منطقه الخاص.
فالقصة القصيرة تضع الكاتب أمام امتحان مختلف: كيف يقول الكثير في مساحة قليلة؟ كيف يمنح شخصية عابرة ما يكفي من الحياة كي تبقى في الذاكرة؟ وكيف يجعل لحظة محدودة قادرة على أن تتجاوز حدودها؟
يبدو أن حسام اختار هذا الامتحان طواعية.
ومن «أحزان طفل» إلى «ما يشبه الظل» امتدت سنوات من الكتابة، دخل خلالها الرواية ثم عاد منها، وتغيرت العناوين وتطورت التجربة، لكن ظل هناك خيط يصل البدايات بالنهايات، وهو البحث عما لا يظهر كاملًا في النظرة الأولى.
ولهذا لا أظن أن «الدهشة» في تجربته تعني الغرابة، وإنما تعني إعادة النظر. أن يأخذ الكاتب مشهدًا عاديًا، ثم يضعه في سياق يجعلنا نكتشف أنه لم يكن عاديًا تمامًا. أن يمنح الشخصية التي تمر على هامش الحياة فرصة لأن تقول ما لم نسمعه منها من قبل.
فالقاص لا يحتاج إلى أن يخترع عالمًا بعيدًا عن الواقع كي يفاجئنا؛ يكفي أحيانًا أن ينظر إلى الواقع نظرة أطول قليلًا. أن ينتبه إلى شخص يعبر الشارع، أو إلى كلمة عابرة، أو إلى لحظة لا يبدو لها شأن، ثم يسأل: ماذا لو كانت وراءها حكاية؟
وربما لهذا أجد «شوارع مجهزة للدهشة» أكثر من مجرد عنوان لمجموعة؛ إنه يلخص طريقة في النظر. فالشوارع موجودة، والناس يعبرونها، والأيام تتكرر، لكن الكاتب يعرف أن التكرار لا يعني أن الأشياء استنفدت أسرارها.
وحسام المقدم، في ما قرأت له وفي ما سمعته منه، يبدو من هذا النوع من الكتاب.
قاص يعود إلى القصة بعد الرواية، لا لأنه لم يجد في الرواية ما يريد، وإنما لأنه يعرف ما الذي تمنحه القصة ولا يمكن لغيرها أن يمنحه. وقارئ يدخل إلى نص الآخر من بابه الفني، لا من خارجه، فيسأل عن البداية والحركة واللغة والغواية قبل أن يسارع إلى الحكم.
ولعل هذا هو أكثر ما بقي لي من تلك المناقشة: لم أتعرف فيها فقط إلى الطريقة التي قرأ بها حسام «هناك حيث أنا»، وإنما تعرفت، من خلالها، إلى شيء من طريقته في الكتابة.
فكما يفتح القاص نافذة صغيرة في الحكاية ليرى القارئ ما وراءها، فعل حسام الشيء نفسه وهو يقرأ نصي؛ اقترب من الحكايات، وتوقف عند تفاصيلها، وأشار إلى ما يمكن أن يكون مختبئًا تحت سطحها.
ومن هنا أفهم الدهشة في تجربة حسام المقدم: ليست مفاجأة مصطنعة، ولا غرابة تبحث عن أثر سريع، وإنما هي تلك اللحظة التي تتغير فيها نظرتنا إلى شيء ظنناه مألوفًا.
وهذه، في تقديري، إحدى وظائف القصة القصيرة؛ أن تجعلنا نعود إلى العالم نفسه، لكن بعين مختلفة.
ذلك ما وجدته في حسام المقدم؛ قاصًا يكتب من جهة، وقارئًا يعرف كيف يرى من جهة أخرى، وفي الحالتين يترك للحكاية بابًا مفتوحًا على ما لم تقله بعد.


















