أحمد رجب شلتوت
تمثل رواية “حجاب الساحر” للشاعر أحمد الشهاوي امتداداً طبيعياً لمشروعه الإبداعي الذي اتخذ من العشق مسلكاً ومن التصوف لغة. ولعل ورود الشاعر لنبع الرواية يأتي كمحاولة لاستيعاب رؤية فلسفية وروحية تحتاج إلى مساحة أكثر اتساعا من فضاء القصيدة المكثف.
العشق كمقام صوفي
في قلب الرواية يقف “العشق” باعتباره “مقاماً صوفيا”، إذ تتجاوز العلاقة بين “عمر الحديدي” و”شمس حمدي”، النطاق الجسدي لتصبح “وصولاً روحياً”. وهذا يجعل من الحب الإنساني وسيلة للاتصال بالكوني والمطلق، هكذا، لم تعد شمس مجرد امرأة، بل أصبحت رمزا للأنوثة، تذكرنا بابن عربي حين جعل “الأنثى” مظهراً من مظاهر تجلي الحق.
ترتبط هذه الرؤية العشقية ببنية “الرحلة” التي تشكل العمود الفقري للرواية. لكنها رحلة متعددة الأبعاد، جغرافية من مصر إلى سقطرى، ونفسية داخل أعماق الذات، ومعرفية في طلب الحقيقة. هذه الرحلة تستدعي تقاليد السير الصوفية حيث يترك السالك كل العلائق ويخرج طالباً للكشف. هكذا تتحول الأماكن في هذه الرحلة إلى محطات روحية، الهرم الأكبر يصبح محراباً للتأمل، وسقطرى جزيرة مقدسة، والبحيرة المقدسة مرآة للذات. والمهم في هذه الرحلة ليس الوصول إلى وجهة جغرافية، بل التحول الداخلي للمسافر، مما يجبن البنية سمة دائرية تشبه أدب المقامات الصوفي وألف ليلة وليلة. وهذا البناء يعيد إلى الأذهان الرحلات الصوفية التي لا تهتم بوجهة الوصول بقدر ما تهتم بالتحول الروحي الذي يحدث أثناء الطريق.
من الأسطورة إلى تعدد الذوات
تتقاطع في شخصية “شمس حمدي” طبقات متعددة من الرموز الأسطورية، فهي ليست امرأة واحدة بل “نساء عديدات” بحسب تعبير الرواية. هذا التعدد ليس مجرد تقنية سردية، بل هو تجسيد للعقيدة المصرية القديمة “الكل في واحد”. من خلال هذا الانزياح الأسطوري، تتحرر الشخصية من حدود الزمان والمكان، فتصبح شمس هي سخمت المنتقمة، وإيزيس الجامعة لأعضاء أوزوريس، ونون البدء الأولى.
كما أن هذا التعدد في الذوات يخلق مساحة سردية تسمح بتجاوز المنطق الواقعي إلى منطق الأسطورة حيث الماضي والحاضر يتداخلان في لحظة وجودية واحدة، كما أنه يمثل محاولة لاستعادة سلطة الأنثى التي سُلبت عبر قرون من الهيمنة الذكورية. من خلال هذا التماهي مع الأسطورة، تتحرر الشخصية من حدود الزمان والمكان والجسد البيولوجي، حتى حدث استئصال الرحم، الذي قد يبدو في السياق الاجتماعي نقيصة، يُعاد تشكيله روائياً كتحول روحى عميق، حيث تتجاوز “شمس” وظيفتها البيولوجية الضيقة لتصبح كينونتها أكثر اتساعاً وتعدداً.
وهكذا تقدم الرواية رؤية مغايرة للمرأة لا كضحية، بل كقوة كونية قادرة على التحول والتجدد، قائمة على التكامل والندية مع الرجل “عمر الحديدي” الذي لا يظهر كمنقذ تقليدي بل كمرشد وشريك في رحلة الاكتشاف، وبالرغم من كون “شمس” تعاني السحر والمرض وفقدان الرحم، ، إلا أن الرواية لا تُقدَّمها كضحية، بل ككائن قادر على التحول والتجدد. استدعاء صور الإلهات القديمات يعيد للمرأة سلطتها الرمزية المفقودة. حتى التجربة الجسدية المؤلمة تُعاد قراءتها كتحول روحي، حيث تتجاوز البطلة حدود الوظيفة البيولوجية لتتسع روحها وتصبح “نساء عديدات” في جسد واحد.
المعرفة ضد السحر
تقدم الرواية رؤية مغايرة لمفهومي “السحر” و”المعرفة”. فالسحر الأسود الذي تتعرض له “شمس” ليس مجرد أعمال خفية، بل هو تجسيد رمزي للقوى المعيقة التي تحول بين الإنسان وتحقيق ذاته، من قيود اجتماعية وسياسية ونفسية. في المقابل، تمثل “المعرفة” السلاح الأقوى، لكنها ليست المعرفة العقلانية المجردة، بل المعرفة الباطنية أو “المعرفة القلبية” التي تعتمد على الكشف والتأويل والحدس. من خلال هذا التصور، تتحول الرواية إلى دعوة للعودة إلى المعرفة الجوانية في مواجهة سحر المادة والسطحية في العصر الحديث.
اللغة حجابا وكشفا
تحمل لغة الرواية بصمة أحمد الشهاوي الشعرية الواضحة، حيث تتحول اللغة من أداة للسرد إلى موضوع له. الكلمات هنا ليست حروفاً مجردة، بل هي طاقات روحية قادرة على فتح الأبواب المغلقة وكشف الأسرار. هذا التجلي اللغوي يستدعي التصور الصوفي للغة بوصفها “حجاباً” و”كشفاً” في آن واحد. فـحجاب الساحر في العنوان ليس مجرد تميمة واقية، بل هو استعارة للغة والكتابة نفسها، فذلك الستر الذي يخفي الحقيقة المباشرة لكنه يكشف عن طريق الوصول إليها لمن يتأمل.
هكذا يصبح لدى الكاتب القدرة على أن يصنع بكلماته عوالم موازية مما يفسر الإيقاع الغنائي والتكثيف المجازي في النص، فبعض المقاطع توشك أن تكون مناجاة، مما يعمق البعد الصوفي للنص.
البوح الذاتي والنسيج السيري
ورغم كل هذا البعد الكوني والأسطوري، تظل الرواية متجذرة في تربة البوح الذاتي. اختيار ضمير المتكلم والتناوب بين صوتي “عمر” و”شمس” يخلق تماهياً عميقاً بين الكاتب وشخصياته. في “شمس” يحكي الشهاوي عن جراحه، جرح فقدان الأم، وهواجس الهوية، ورؤيته للمرأة كمصدر للنور. الإهداء إلى الأم والابن يؤكد أن هذا العمل هو جزء من سيرة ذاتية ممتدة، حيث يتحول السرد إلى طقس لاستحضار الأحبة ومقاومة النسيان. فتصبح الرواية وسيلة للبقاء، وخلق خلود من خلال الكلمة.
كما تتناثر عبر صفحات الرواية فقرات تشكل نوعا من البوح، فتبدو كما لو كانت أثرا لتجارب شخصية مر بها الكاتب، هذا التداخل بين السيرة والأسطورة يؤكد أن الذات الفردية لا يمكن أن تُفهم إلا في سياق أوسع، سياق التاريخ والرموز والذاكرة الجمعية.
نص على تخوم الأجناس
وأخيرا فإن “حجاب الساحر” هي رواية لا يمكن احتواؤها في تصنيف واحد. إنها نص يقف على التخوم بين الشعر والسرد، بين الصوفي والواقعي، بين الأسطورة والسيرة الذاتية. استطاع أحمد الشهاوي أن ينسجها بخيوط متعددة، شعرية وصوفية وأنثوية وذاتية، في نسيج روائي متماسك، يطرح أسئلة جوهرية عن المعنى والوجود والحرية في عالم معاصر يقدس المادة ويغيب الروح. الرواية، في تحليلها، هي رحلة كشف وتأمل، دعوة للقارئ ليس لاستهلاك حكاية، بل للمشاركة النشطة في رفع الحجب، طبقة بعد أخرى، نحو بحث دائم عن النور الذي يخفيه الحجاب ذاته.

















