حب وجنس وجسد لا يطيع العقل.. قراءة في قصيدة «مقالة الزجاج» لـ آن كارسون 

آن كارلسون

محمود خليفة

تستيقظ امرأة في الرابعة صباحًا، تتذكر رجلًا هجرها في سبتمبر، تنظر إلى وجهها في مرآة الحمّام، تغسله وتعود إلى الفراش. وفي اليوم التالي تستقل القطار لزيارة أمها، حاملةً معها مجموعة من الكتب، بينها الأعمال الكاملة لإميلي برونتي. حتى هذه اللحظة، تبدو الحكاية بداية مناسبة لرواية قصيرة، أو يوميات امرأة خرجت لتوها من علاقة عاطفية فاشلة. لكن النص الذي بين يدي قصيدة.

قرأت «مقالة الزجاج» للشاعرة الكندية آن كارسون، فوجدت امرأة تتناول الخس مع أمها، وتقرأ «مرتفعات وذرينغ»، وتتذكر حبيبها السابق، وتستمع إلى أخبار الجيران والفئران التي تقرض المناديل الورقية. وبين هذه التفاصيل تتسلل صور شعرية مذهلة، وتأملات فلسفية عميقة، ومشاهد جنسية بالغة القسوة والصراحة، قبل أن تعود الأحاديث المنزلية لتحتل القصيدة من جديد.

والقصيدة، المنشورة ضمن مجموعة «الزجاج والسخرية والإله» عام 1995، نص طويل يمتد إلى ثمانية آلاف كلمة. أي أن القارئ الذي دخل بحثًا عن الشعر قد يجد نفسه، بعد قليل، مقيمًا في بيت العائلة، يعرف عن محتويات الثلاجة أكثر مما يحتاج. لكن خلف هذه الثرثرة الظاهرة تجربة أكثر تعقيدًا: امرأة تحاول فهم الحب بعد انتهائه، وتكتشف أن العقل قد يعرف الحقيقة كاملة، بينما يواصل الجسد التصرف كما لو أنه لم يسمع بها.

لماذا مقالة؟ ولماذا الزجاج؟

لم تختر كارسون عنوان «قصيدة الزجاج»، بل «مقالة الزجاج». والكلمة الإنجليزية التي استخدمتها في العنوان تعني المقالة، وتحمل أيضًا معنى المحاولة أو الاختبار الفكري. وهو اختيار يكشف طبيعة النص؛ فهذه ليست قصيدة تريد التعبير عن الحزن فحسب، وإنما محاولة لتشريحه. الحب هنا ليس تجربة عاطفية فقط، بل موضوع للبحث، والرغبة ليست إحساسًا جسديًا فقط، بل مشكلة فلسفية تستدعي إميلي برونتي وهيثكليف وكاثرين، وربما تستدعي معها المكتبة كلها.

أما الزجاج، فيحضر بوصفه مادة للعزلة والشفافية في الوقت نفسه.ففي مشهد المطبخ، تجلس الأم وابنتها تتناولان الخس، بينما تستند نسخة من كتاب برونتي إلى وعاء السكر. وتكتب كارسون:

يبدو كأننا جميعًا أُنزلنا إلى جوٍّ من الزجاج.

وبين حين وآخر، تتسلل ملاحظة عبر الزجاج.

ثم تتوالى الملاحظات: الضرائب، والبطيخ الذي لم يحن أوانه، ومصففة الشعر التي وجدت الله فأغلقت محلها أيام الثلاثاء، والفئران التي تقرض أطراف المناديل الورقية.

الزجاج يسمح بالرؤية، لكنه يمنع اللمس. تستطيع الأم وابنتها تبادل الكلام دون أن تقترب إحداهما من الأخرى حقًا. غير أن للعنوان مفارقة إضافية؛ فالزجاج الذي يفترض أن يكشف ما وراءه قد يتحول إلى حاجز يحجبه. وكذلك اللغة حين تتكاثر حتى تصبح الكلمات نفسها عقبة أمام التجربة التي تحاول التعبير عنها.

اسم الحبيب الذي هجر المرأة هو «لو»، واسمه في الإنجليزية يعني «قانون». ومن الصعب مقاومة المفارقة. الرجل الذي أربك قوانين حياتها العاطفية يحمل اسم القانون نفسه.

بعد خمس سنوات من الحب، يقرر الرجل إنهاء العلاقة. يخبرها، ببرود، أن شيئًا ما لم يعد كافيًا بينهما. وتشعر هي بقلبها ينكسر إلى قطعتين تطفوان مبتعدتين داخل صدرها. تمد يدها لتلمس يده، فيتراجع. يقول إنه لا يريد ممارسة الجنس معها، لأن الأمور تصبح جنونية بينهما. لكنها تبدأ في خلع ملابسها. هنا تصل القصيدة إلى منطقة أكثر خطورة من مجرد الحزن على حبيب راحل. فالمرأة لا تجهل أنه لم يعد يريدها؛ إنها تعرف ذلك، ومع هذا لا تستطيع التوقف عن الرغبة فيه.

وتصف كارسون اللحظة بصورة حيوانية جارحة:

أدفع مؤخرتي الصغيرة الحمراء الملتهبة، مثل قرد بابون،

نحو رجل لم يعد يعتز بي.

الصورة صادمة لأنها تهدم دفعة واحدة التصورات الرومانسية عن الجسد العاشق. لا توجد هنا امرأة فاتنة تتهادى بين ذراعي حبيبها، ولا جسدان يتحدان في نشوة الحب. هناك جسد بشري يشبه نفسه بحيوان، وامرأة ترى ما تفعله دون أن تستطيع منعه.

والاختيار اللغوي بالغ الأهمية؛ فالمرأة لا تقول فقط إن الرجل لم يعد يحبها، وإنما إنها لم تعد عزيزة عليه. لقد فقدت مكانتها الحميمة عنده، ذلك الاعتزاز الذي يجعل الإنسان يشعر بأنه مرغوب فيه ومصون في الوقت نفسه.

ومع ذلك، يواصل جسدها الاستجابة له.

ثم تأتي واحدة من أقسى عبارات القصيدة:

لم يكن في عقلي موضع واحد

لا يفزعه ما أفعله، ولا في جسدي جزء واحد

كان بوسعه أن يفعل غير ذلك.

في هذه الأسطر يتواجه العقل والجسد مواجهة لا ينتصر فيها أحد. العقل يدرك الإذلال، والجسد يواصل الاستجابة. المعرفة لا تحرر المرأة من رغبتها، والوعي لا يمنحها سلطة على نفسها. لكن كارسون لا تكتفي بهذه الثنائية؛ بل تتساءل عما يقع بين العقل والجسد، وتقترح الروح بوصفها الموضع الذي تطحن فيه الضرورة الإنسان. والمفارقة أن هذه الفكرة الفلسفية لا تبلغ قوتها القصوى في شرحها، بل في صورة المؤخرة الملتهبة التي تدفعها امرأة نحو رجل لم تعد عزيزة عليه.

هناك، في الصورة التي قد يراها البعض قبيحة أو فاحشة، ينجح الشعر في قول ما يصعب على التحليل قوله.

تستمر الليلة بعد ذلك في مشهد أكثر تعقيدًا، وأكثر جرأة مما تسمح به عادة اللغة الرومانسية المهذبة. يبقى «لو» معها. يستلقيان فوق أغطية الفراش، ويتلامسان، ويغني كل منهما للآخر بلغتهما الخاصة، مثل طفلين يستعيدان زمنًا لم يكن فيه الحب قد تحول إلى مشكلة.

ثم تصف كارسون ما حدث دون مواربة:

حاولنا أن نمارس الجنس.

ظل قضيبه مرتخيًا، وإن كان سعيدًا.

أما أنا فبلغت النشوة مرة بعد أخرى،

وفي كل مرة كان إدراكي يزداد صفاءً.

هذا تفصيل شديد الأهمية، لأنه يقلب التوقع التقليدي للمشهد الجنسي. الرجل الذي قرر الانفصال لا يستطيع الانتصاب، والمرأة التي تعرضت للهجر تبلغ النشوة مرارًا. لا يتطابق الانكسار النفسي مع العجز الجنسي، ولا تتحول اللذة الجسدية إلى دليل على السعادة. بل يحدث العكس تقريبًا. كل نشوة تمنحها مزيدًا من الصفاء المؤلم. ثم ترى نفسها كأنها ترتفع نحو السقف، وتنظر إلى الروحين المتعانقتين على الفراش، وقد أصبحت حدودهما الفانية مرئية مثل خطوط على خريطة. وترى تلك الخطوط تتصلب. إنها لحظة انفصال تقع داخل العناق نفسه. الجسدان متجاوران، لكن المسافة بين الشخصين تصبح نهائية. وفي الصباح يرحل الرجل.

هنا تبلغ كارسون إحدى ذرى القصيدة الفنية. فهي لا تستخدم الجنس لإثارة القارئ، ولا تقدمه بوصفه اعترافًا جريئًا من أجل الجرأة. إنها تجعل العلاقة الجنسية تجربة معرفية؛ فالجسد لا يكشف حقيقة الحب وحده، بل يكشف أيضًا حقيقة نهايته.

والأشد إيلامًا أن المرأة لا تصل إلى هذه المعرفة رغم اللذة، وإنما من خلالها.

تحتل إميلي برونتي مساحة كبيرة من «مقالة الزجاج»، حتى يكاد حضورها ينافس حضور الحبيب الغائب.

تقرأ كارسون أشعارها وسيرتها وروايتها «مرتفعات وذرينغ»، وتبحث في عزلة الكاتبة الإنجليزية، وعلاقتها بالحرية والألم، ثم تنتقل من هيثكليف وكاثرين إلى تجربتها الشخصية. فهيثكليف ليس مجرد شخصية روائية يحب كاثرين، بل إنسان يتحول الحب عنده إلى ضرورة قاهرة. وكاثرين نفسها تتحدث عن حب يشبه الصخور الأبدية الكامنة تحت الأرض: قليل المتعة الظاهرة، لكنه ضروري.

هنا تطرح كارسون سؤالًا: ما القوة التي تُبقي شخصين معًا، وتفصل بينهما في الوقت نفسه؟

هذا التداخل بين التجربة الشخصية والأدب من أكثر عناصر القصيدة ذكاءً. فبرونتي ليست مرجعًا ثقافيًا للزينة، وإنما امرأة أخرى تحاول الراوية أن ترى نفسها من خلالها. لكن ذكاء البناء لا يلغي مشكلة الإيقاع. فكلما اندمج النص في تجربة المرأة، قطعه تحليل أدبي جديد. وكلما بدأت صورة شعرية في التكوّن، ظهرت إميلي برونتي، حاملةً واقعة من سيرتها أو تفسيرًا لشخصيات روايتها.

وأحيانًا يبدو أن كارسون لم تكتفِ باستدعاء برونتي إلى قصيدتها، بل منحتها حق الإقامة الدائمة فيها.

في أحد مشاهد الإفطار، تنتقل الأم فجأة من الحديث عن الستائر إلى انتقاد النساء اللواتي يتحدثن عن الاغتصاب، ثم تشير إلى صور ملابس السباحة في أحد الكتالوجات، وكأن الملابس تفسر الاعتداء.

تسألها الابنة:

هل تقولين إن النساء يستحققن الاغتصاب بسبب إعلانات ملابس السباحة؟

ثم يأتي السؤال الأكثر أهمية:

لماذا ينبغي أن تتحمل النساء مسؤولية رغبات الرجال؟

ليس هذا مجرد خلاف عائلي عابر، وإنما امتداد للصراع الذي يهيمن على القصيدة.

فالجسد الأنثوي الذي رأيناه قبل قليل عاجزًا عن الانفصال عن رغبته، يجد نفسه هنا محكومًا بلغة اجتماعية تجعله مسؤولًا عن رغبات الآخرين أيضًا. والأم لا تتحدث من موقع رجل يمارس سلطته على المرأة، بل من داخل الثقافة التي ورثت أحكامها وأعادت إنتاجها.

لكن المشهد لا ينتهي بانتصار الابنة في المناظرة. إذ تلاحظ فجأة كتفي أمها النحيلتين تحت رداء الحمّام، وتدرك أنها خائفة، وأنها ستبلغ الثمانين قريبًا. وهنا تنقلب المواجهة الفكرية إلى لحظة إنسانية. فالمرأة التي تدافع عن أفكار جارحة ليست مجرد ممثلة للسلطة الاجتماعية، بل كائن هش يخاف الشيخوخة والموت. بهذه الحركة الصغيرة، تنجح كارسون في تحويل حوار عائلي يبدو عابرًا إلى مواجهة بين جيلين، ثم إلى اعتراف مشترك بالهشاشة.

وهذا مثال ممتاز على التفاصيل اليومية حين تؤدي وظيفة فنية حقيقية، بدل أن تكون مجرد حشو داخل القصيدة.

الاعتراض على طول «مقالة الزجاج» لا يعني المطالبة بعودة الشعر إلى الوزن والقافية، ولا اختزاله في القصائد القصيرة. فالقصيدة الحديثة تستطيع أن تستوعب السرد والفلسفة واليوميات، وأن تصنع موسيقاها الخاصة من تكرار الصور وتوزيع الجمل والوقفات. لكن المشكلة تتعلق بوظيفة الكلام.

في مشهد المطبخ، مثلًا، تتوالى أحاديث الأم عن الضرائب والبطيخ ومصففة الشعر والفئران والطقس، بينما تحاول ابنتها قراءة برونتي وتخفي حزنها. هذه التفاصيل ليست بلا وظيفة؛ إنها تكشف عجزًا عن التواصل. الأم وابنتها تتحدثان عن كل شيء تقريبًا، باستثناء ما ينبغي الحديث عنه.

لكن هل يحتاج هذا العجز إلى كل تلك التفاصيل؟

قد تكون الثرثرة مقصودة، بوصفها تمثيلًا للزمن النفسي بعد الانفصال. فالحزن لا يتكون من لحظات شعرية متوهجة وحدها، بل من أيام عادية تتكرر فيها الوجبات والأحاديث والذكريات. غير أن تصوير الملل لا يشترط إصابة القارئ بالملل. ومن يريد الكتابة عن الأرق ليس مضطرًا إلى منع قرائه من النوم. وهناك فرق بين الاستطراد الذي يضيف طبقة إلى التجربة، والاستطراد الذي يكتفي بإطالة الإقامة داخلها.

هذا الفرق هو ما يجعل القصيدة غير متساوية المستوى. بعض تفاصيلها يكتسب دلالته مع التقدم في القراءة، وبعضها الآخر يبدو أقرب إلى مادة يوميات لم تخضع بما يكفي لمقص التحرير.

أين يختبئ الشعر؟

تبدأ القصيدة بصورة مدهشة:

أسمع نقرات داخل حلمي.

يقطر الليل من صنبوره الفضي

على امتداد ظهري.

يتحول الحلم إلى مكان مسموع، والليل إلى مادة سائلة. كلمات قليلة تخلق إحساسًا لا يمكن اختزاله في معلومة.

وفي موضع آخر، حين تسأل الأم ابنتها عن سبب احتفاظها بكل تلك الذكريات، يأتي الحوار:

قالت أمي: «أنتِ تتذكرين أكثر مما ينبغي.

لماذا تتمسكين بكل هذا؟»

فقلت: «وأين يمكنني أن أضعه؟»

هذه واحدة من أجمل لحظات القصيدة، وربما أبسطها. فالذاكرة تتحول إلى حمل مادي لا يعرف صاحبه أين يتركه. لا تحتاج كارسون إلى شرح فلسفي طويل عن الماضي واستحالة التخلص منه؛ يكفي سؤال واحد لتظهر المشكلة كاملة.

وتتكرر هذه القدرة في مشهد الأب الذي أخذ الخرف يسلبه اللغة والذاكرة. الرجل الذي كان يومًا قويًا يصبح عاجزًا عن تركيب جملة مفهومة، وتبدو يداه الكبيرتان كأنهما تنتميان إلى شخص آخر. تصف كارسون يديه وقد بقيتا ضخمتين رغم ضمور جسده، وتشبه كلًّا منهما بحذاء في لوحة لفان جوخ. وهنا يكتسب الجسد معنى مختلفًا عن جسد المرأة في مشهد الجنس. إنه جسد يتداعى لا بسبب الرغبة، بل بفعل الزمن. وهذه إحدى نقاط قوة كارسون: إنها لا تفصل الجسد عن الفكر، بل تجعل الجسد نفسه أداة للتفكير.

لكنها لا تثق دائمًا بهذه الأداة. ففي مواضع كثيرة تعود إلى الشرح، كأن الصورة لم تؤد واجبها كاملًا، أو كأن القارئ يحتاج إلى محاضرة صغيرة بعد كل اكتشاف شعري.

بعد رحيل «لو»، تبدأ المرأة ممارسة التأمل، وتراودها رؤى تسميها «العاريات». وهي ليست عاريات بالمعنى الإيروتيكي المعتاد. لا تحتفي كارسون هنا بجمال الجسد أو إغرائه، وإنما تكشفه بوصفه مادة قابلة للتمزق والتشوه والفناء.

في الرؤية الأولى، تقف امرأة وحيدة على تل، تواجه ريحًا شمالية عنيفة:

تتمزق شرائح طويلة من لحم المرأة،

وتقتلعها الريح من جسدها،

تاركةً الأعصاب والدم والعضلات مكشوفة.

ثم يظهر فم بلا شفتين، يحاول الصراخ دون صوت.

إنها صورة يصعب احتمالها. الجسد لم يعد موضوعًا للرغبة، بل صار مسرحًا للعذاب.

والصلة بين هذا المشهد والمشهد الجنسي السابق ليست عرضية. ففي الحالتين تتعرض المرأة لقوة لا تستطيع مقاومتها. هناك كانت الرغبة تدفع جسدها نحو رجل لم تعد عزيزة عليه، وهنا تمزق الريح جسدًا يحاول البقاء واقفًا. كأن كارسون تقول إن الجسد لا يتوقف عن كونه ساحة للصراع لمجرد انتهاء العلاقة الجنسية. وفي هذه الرؤى تظهر شاعرية كارسون بأوضح صورها. لا تحتاج إلى شرح معنى الألم، لأنها تمنحه شكلًا مرئيًا. اللحم يتطاير، والأعصاب تنكشف، والريح تصبح قوة تنزع عن الإنسان كل ما يحميه.

واللافت أن «العاريات» لا تقدم الجسد باعتباره شيئًا ينبغي ستره، وإنما باعتباره حقيقة لا يمكن سترها.

في الرؤية الأخيرة، تعود صورة الجسد الذي تمزقه الريح، لكن شيئًا أساسيًا يتغير. ترى المرأة جسدًا بشريًا يقف في مواجهة رياح رهيبة، حتى يبدأ اللحم في الانفصال عن العظام. غير أن الألم يغيب هذه المرة:

لم يكن ثمة ألم.

كانت الريح تطهّر العظام.

وبرزت العظام فضيةً، ضروريةً.

لم يكن ذلك جسدي، ولا جسد امرأة؛

بل جسدنا جميعًا.

هنا تكتمل إحدى أهم الحركات الفنية في القصيدة. فالجسد الذي ظهر في مشهد العلاقة الجنسية بوصفه جسد امرأة أسيرة رغبتها، ثم ظهر في الرؤى الأولى جسدًا ممزقًا بالألم، يتحول أخيرًا إلى صورة تتجاوز الفرد والجنس. لم يعد الجسد ملكًا لامرأة مهجورة، ولا موضوعًا لرغبة رجل، ولا مجرد ضحية للريح. صار صورة مشتركة للهشاشة الإنسانية. وهذه النهاية تقدم دفاعًا قويًا عن بناء القصيدة الطويل؛ لأن الرؤية الأخيرة تستمد قوتها من علاقتها بما سبقها. إنها لا تلغي الألم، لكنها تغير طريقة النظر إليه.

ومع ذلك، لا يعني نجاح النهاية أن كل ما سبقها كان ضروريًا بالقدر نفسه. فقد تصل قصيدة إلى خاتمة عظيمة عبر طريق كان يمكن أن يكون أقل ازدحامًا.

ليس من العدل اختزال «مقالة الزجاج» في نثر طويل جرى تقطيعه إلى أسطر قصيرة. فهي تمتلك بناءً تتجاوب داخله صور الزجاج والجليد والريح واللحم والعظام، وتربط بين تجربة عاطفية شخصية وأعمال أدبية تنتمي إلى زمن آخر. لكن الاعتراف بذكاء هذا البناء لا يستلزم التسليم بنجاح كل أجزائه.

لقد وسعت كارسون المساحة التي يستطيع الشعر أن يتحرك فيها، لكنها لم تحافظ دائمًا على الكثافة التي تمنح هذا الاتساع مبرره الجمالي. والمفارقة أن القصيدة التي تتحدث عن العجز عن التخلص من الذكريات تبدو هي نفسها عاجزة أحيانًا عن التخلص من التفاصيل. وربما كان ذلك جزءًا من مشروعها الفني. وربما كانت الاستطالات ضرورية لكي يشعر القارئ بثقل الزمن الذي تعيشه المرأة بعد الانفصال.

لكن القصد الفني، مهما بدا ذكيًا، لا يكفي وحده لضمان نجاح النتيجة. فليس كل ما يُفعل عمدًا يُفعل بإتقان.

والأهم أن جرأة كارسون الجنسية لا تجعلها شاعرة عظيمة تلقائيًا، كما أن صراحتها الجسدية ليست فضيلة أدبية مستقلة. قيمتها الحقيقية أنها تستخدم الجسد لفضح التناقض بين ما يعرفه الإنسان وما يفعله، بين الرغبة والحرية، وبين اللذة والإذلال. وقد تكون كارسون في أكثر لحظاتها جسدية وفجاجة أكثر شعرية منها في بعض تأملاتها الفلسفية المطولة. فصورة امرأة تدفع مؤخرتها الملتهبة نحو رجل لم تعد عزيزة عليه تقول عن عبودية الرغبة أكثر مما تقوله صفحات من الشرح النظري.

لا تحسم «مقالة الزجاج» سؤال الحدود بين الشعر والنثر، وربما لا تريد حسمه أصلًا. لكنها تترك انطباعًا مزدوجًا. إعجابًا حقيقيًا ببعض صورها وبنائها الفكري، وتحفظًا لا يقل صدقًا على استطالاتها وميلها إلى الشرح.

إنها قصيدة تمتلك شجاعة النظر إلى الجسد دون تجميل، وإلى الحب دون أوهام رومانسية، وإلى الذاكرة بوصفها عبئًا لا يعرف صاحبه أين يضعه. ومع ذلك، تستطيع كارسون أن تصنع صورة شعرية مدهشة في بضعة أسطر، ثم تمضي صفحات في التفكير حول ما كان يمكن للصورة أن تقوله وحدها. فالشاعر لا يتميز فقط بقدرته على اكتشاف الكلمات، وإنما أيضًا بقدرته على معرفة متى ينبغي أن يصمت.

وربما لم تكن مشكلة كارسون أنها لم تجد ما تقوله، بل أنها لم تعرف دائمًا متى تكتفي بما قالت.

……………………………..

المصدر:

آن كارسون، «مقالة الزجاج» (The Glass Essay)، من مجموعة Glass, Irony and God، نيو دايركشنز، 1995.

 

اقرأ أيضاُ

مقاطع من “مقالة الزجاج”

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع