طارق ج. سالم
لم يكن في مخيلة حسن الشندويلي البسيطة أن كل مشاكله ستنتهي بهذه السهولة. فبينما كان يتصفح بهاتفه المشروخ آخر الأخبار الكئيبة على تطبيق الفيسبوك، وقع بصره على خبر ظن أنه سيغير حياته إلى الأبد. كان حسن في التاسعة والعشرين من عمره، يحيطه الفقر من كل الجهات، كفأر عالق بداخل مصيدة لا هو ميت ولا هو على قيد الحياة.
قبل أن ينطلق إلى مسعاه توقف حسن طويلًا أمام عتبة منزله في حي السيدة زينب. كان قد عاد لتوه من نوبة عمله الليلية؛ وما زال يرتدي ملابسه نفسها، كما إنه لم يتناول إفطاره بعد، ولا حتى كوب القهوة الذي يعزه كأخ لم تنجبه أمه. لم يكن في جيبه هذا الصباح سوى مائة وخمسين جنيهًا هي كل ما تبقى معه حتى نهاية شهر أغسطس الطويل. كانت خططه البسيطة تقتضي أنه لابد أن يستدين، حتى لو وصل الأمر إلى الاستدانة من شخص تعرف عليه لأول مرة في حياته. كان قد جرب هذا النوع الغريب من التسول، وقد أعجبه الأمر إذ أنه قابل الرفض بسعادة أكثر من سعادته بالموافقة.
في نهاية العشرينات الحصول على مليوني جنيه بحركة واحدة وفي بلد لا يعيش الحظ في أي من جنباته ضرب من الجنون لا من الخيال. لكن في ذلك اليوم بدا وكأن الحظ قد قرر الظهور على شكل كلب أبيض من تلك الأنواع التي لم يكن حسن أو أي حد يعرف اسمها. كتلك الكلاب البيضاء الصغيرة التي لا تشاهد إلا في الأفلام الأجنبية أو مع بعض الأثرياء في أحد إعلانات الكمباوندات.
كان هذا الكلب هو تميمة حظ حسن الشندويلي التي ستخرجه من بؤسه الذي ظن أنه سيلازمه حتى الموت. راح يتجهز ببعض المعلومات عن الكلاب من برامج الذكاء الاصطناعي المجانية والتي جعلت كل من هب ودب خبيرا في أي شيء بعد دقائق معدودة. أصبح يعرف كل شيء عن حياة كلب السامويد، وحتى الأماكن التي قد يحتمي إليها في ظل هذا الحر الشديد، إذ أن تلك النوعية من الكلاب تكره الحرارة إذ أن أصولها تعود إلى إقليم سيبريا وسط الثلوج.
لم يكتفِ بالتعرف على طريقة حياة هذا النوع من الكلاب ووجد أنه لابد أن يتعرف على حياة ذلك النوع من الأغنياء الذين باستطاعتهم دفع هذا المبلغ من أجل كلب. لم تكن معرفته كبيرة بالناس لأنه انفصل عن الواقع منذ أن ترك الجامعة وبدأ عمله كحارس ليلى لجراج لا يدخله سوى بعض الفقراء الذين يبحثون عن أي مأوى للنوم فيه. راجع جميع المعلومات بدقة ثم حدد موقع الكلب المفقود وخرج إلى العالم الذي وعده بالثراء عن طريق منشور على الفيسبوك.
أول ما قام به هو التواصل مع أصحاب الكلب الذين كانوا ينتظرون مكالمته كما ظن في البداية. كانت امرأة صوتها يوحي أنها في نفس عمره تقريبًا، سألها بعض الأسئلة التي تعبر عن فهمه لطبيعة حياة هذه النوعية من الكلاب. قالت له صاحبة الكلب وهي تكاد تنفطر من البكاء: “أنت وصلت لها… يا حبيبي”. ظن أن حبيبي هذه تعود له وانه قد نال حبها لمجرد محاولته الوصول إلى الكلب. لكنها عندما ذكرت اسم زوجها فهم أنه لم يكن المقصود. أخبرها أنه في طريقة إليها وانه قد كلف مجموعة من العاملين في شركته والتي ستتولى مهمة البحث. بدا عليها الاستغراب إذ أن صوته في هذه اللحظة بدا رسميًا كضابط شرطة. قالت في لهفة: “هو عمو اللواء علي بيه كلمك”. صمت للحظه، فسمعها تنادي صديقتها بصوت عالٍ: “شوفتي يا مها عمو علي حبيبي كلم حد من صحابه”. قاطعها حسن بعصبية: “إحنا جهة أعلى يا فندم”. وقبل أن تغرق في التفكير سألها عن موعد فقدانه وأخر مكان شوهد فيه وطلب منها بعض الصور الخاصة بالكلب إن وجدت. أرسلت له كل طلباته عبر مجموعة من الرسائل على تطبيق الواتس. وجد المحادثة فرصه ليذكرها بحقيقة المكافأة فأكدت له أن التسليم سيكون في نفس لحظة وصول الكلب لها بالسلامة. احتفظ بصورة من المحادثة لضمان حقه إن هي رفضت تسليمه الأموال. أغلق المكالمة ثم استقل أول مواصلة قابلها متجه إلى التجمع الخامس، وراح يفكر وسط أصوات الأغاني المهرجانية وعراكات السائق مع بعض الركاب حول حياته الجديدة. فكر أولا في أمه التي ستفتخر به أخيرًا بين أخواتها وأنها أخيرا ستذبح له دكر البط الذي تسمنه من أجل زوج أخته الذي يزورهم عند عودته من السعودية. فكر أيضًا في والده الأسطى شندويلي سائق أتوبيس النقل العام الذي أنهكه العمل. ظن الأسطى شندويلي أن ابنه الوحيد سيكبر ليعيله كما فعل هو يومًا مع أبوه الذي لم يغادر الحياة قبل أن يرسله للحج تحقيقًا لأمنيته. كان أول مبلغ اقتطعه حسن من المليوني جنيه لحج أبوه ومن بعده ثمن سيارة نقل ركاب تكون باب رزق له ولأبيه بقية حياتهم. بدت أحلامه أغلى من أن يحققها كلب، لكنه عندما أمعن النظر في صور الكلب شعر وكأنه بمثابة صديق يعرفه منذ سنوات وبفضل تلك الصداقة القوية ستتحقق كل أمانيه.
عندما وصل حسن إلى التجمع الخامس كان المكان نظيفًا للغاية ليعيش فيه أي كلب أو قطة مشردة. لم تتواجد الحيوانات بكثرة كما هو الحال في حيه الذي يعيش فيه. توجه لأخر مكان شوهد فيه الكلب والذي كان عبارة عن حديقة كبيرة بداخل بيت السيدة صاحبة الكلب. الجوع والعطش بدأ ينهشانه ولكنه كان قرر أن يعيش نفس الجوع والعطش الذي يعاني منه الكلب المفقود، وبهذه الطريقة سيستطيع أن يتجول في الأماكن التي تجول فيها الكلب. واجهات المطاعم كانت نظيفة للغاية ولم يبدو عليها أن أحد من الزبائن قد يلقي أي طعام لحيوان جائع. التف حول المطاعم حيث الباب الخلفي الذي يجلس فيه بعض العاملين ليدخنوا سجائرهم الرخيصة ويلتقطوا بعض الأنفاس من العمل الرهيب. عندما اقترب من أحد تلك الأبواب وجد هنالك عامل يجر أكياس القمامة الكبيرة ليضعها في أحد الصناديق التي خصصت لها. اقترب منه حسن وسأله بطريقته الشعبية:
– مفيش شغل ليا يا صاحبي.
نظر العامل نحوه بامتعاض وأجاب:
– ولا ليا يا وحياتك.
– أمال الوضع إيه يا رياسه، سأله حسن بابتسامة.
رد العامل هذه المرة بغضب:
– دول عالم نجسه والله يا زميلي أنجس حتى من الزبالة دي.
اخرج حسن علبة سجائره مضطرًا وقدمها للعامل كي يسترسل معه في الحديث. تناول العامل سيجارة من العلبة بسعادة وراحا يدخنان بهدوء وراء صندوق القمامة الكبير.
– مالهم الناس هنا يعني؟ سأل حسن العامل.
– مفيش والله يا صاحبي زي مانت شايف شغل كتير ومرتبات ميتة. بالك الناس دول ممكن يدفعوا ملايين لحتة كلب ولا انهم يدونا ألف جنيه.
امسك حسن بالخيط وراح يسأله:
– انت عرفت بحوار الكلب.
– طبعا يا سيدي ما صاحبة المطعم هي صاحبة الكلب. ثم تمتم بصوت خفيض:
– عالم ولاد كلب والله. تعرف إني شوفت الكلب ده يومها، والله يا عم كلب ما يسوى خمسين جنيه. أنا عارف هو راح فين لأنه كلب نجس واي كلب لازم يحب النجاسة، زمانه راح يشوف أي حته نجسه يقعد فيها شويه وقال يفكه من الجو النضافة ده.
سأله حسن بسخرية:
– فين ياعم النجاسة دي؟ الشوارع هنا تحس إنها مستحميه.
– يا حبيب أخوك النجاسة هنا أكتر بس انت شكلك جديد وأول مرة تيجي هنا.
قطع حديثهما صوت أحد العمال ينادي على العامل صارخًا:
– كل ده بترمى الزبالة يا عادل يا ابن الصرمه.
ألقى العامل السيجارة وهو يودع حسن قائلاً:
– أديك شايف المعاملة، اهرب يا صاحبي من هنا.
تساءل حسن في نفسه حول طبيعة النجاسة التي قصدها عادل، لابد أنه يقصد الأشياء التي لا تحدث إلا في الخفاء وأنه لابد أن هذه النجاسة ستظهر مع حلول الليل. هكذا أقنع نفسه حتى لا يفقد الأمل وظل يحوم في كل الأرجاء ويدون في هاتفه كل الأماكن التي أثارت انتباهه كي يزورها مرة أخرى عند حلول الظلام. لم يكتفي بمراجعة كل صناديق القمامة ولا حتى أماكن إلقاء المياه في الشارع وان ندرت. كان رعبه الوحيد أن يصل أحد للكلب قبله، وخاصة وانه على حسب ما أخبره الذكاء الاصطناعي عن هذه الكلاب ودودة تجاه جميع البشر ولا يمكنها التفريق بين الأغنياء والفقراء.
عندما بدأت الشمس تهبط من ناحية الغرب، تحول لون الحياة إلى اللون البرتقالي المحبب إلى قلب حسن. حينها تذكر حسن موعد عمله. غزى الخوف عقله، فلابد أن الكلب بعد كل هذه المدة قد وصل إلى يد تطعمه وتسقيه، وسينال صاحب الحظ السعيد الجائزة كلها قبله. راح يبعد هذه الأفكار عن فكره بينما يهاتف صديقه في العمل ليخبره أن يغطي مكانه هذه الليلة بعد أن وعده بتعويض ورديته في اليوم التالي. رغم انه لم ينم منذ الأمس أصبح عليه أن يناوب لأربعة وعشرون ساعة في اليوم التالي إلا أن حسن كان في غاية التأكد من أنه سيحصل على المكافأة، ولن يحتاج إلى العمل مرة أخرى في ذلك الجراج القذر أو في أي مكان أخر. عندما تذكر قذارة الجراج تنبه أنه لم يقم حتى الآن بمراجعة الجراجات والتي هي مكان مثالي لأي كلب يبحث عن مأوى.
(ارابيلا بلازا) كان أول مول توجه إليه وهناك كان يعرف أحد حراس المول والذي كان صديقه في مدرسة الثانوية. كان عماد كعبيشي في خصام طويل مع حسن بسبب فتاة كانا قد وقعا في حبها معًا، ومن المثير للسخرية أنها اختارت عليهما رجل في عمر الأربعين يمتلك محل كبير بسوق السيدة عائشة وسيارتان تعملان كتاكسي للعاصمة. عادت علاقتهما بعض الشيء بعد زواج حبيبتهما بمدة، لكن بداخلهما ظلا كعدوين أغلب الوقت. حذر حسن نفسه ألا يخبر صديقه سبب زيارته كي لا ينافسه في الحصول على الكلب كما نافسه من قبل على قلب الفتاة الوحيدة التي أحبها.
عندما رأه عماد كعبيشي من بعيد اصطنع الانشغال لكن حسن لم يعطه الفرصة واقترب منه بتودد وهو يقول:
– عمدة ابن جهتي الغالي.
استدار عماد له بوجه كئيب يحمل ذرات لا نهائية من العرق، حاول مبادلته الابتسام فلم يقوى فمد يده بفتور ليصافح يد حسن التي مدت نحوه.
– مالك يا صاحبي؟ تساءل حسن بتوتر ليبدو عليه القلق.
أجاب عماد بفتور:
– النهارده الخميس وزي ما أنت شايف المول مليان زباين، ولاد ديك الكلب بيجيبوا الفلوس دي كلها منين نفسي أعرف؟
– بلدهم يا عم وهما صحابها، إحنا فيها ضيوف انت نسيت ولا إيه.
– ضيوف بس بالعقل يا صاحبي، ده الضيف حقه ياخد واجبه ويُكرم، إنما دول شافطين كل حاجه في كروشهم.
– عندك حق والله يا صاحبي المهم طمني عن الحاجة، مشوفتهاش من زمان.
– أمي ياعم تعيش انت من الشهر اللي فاتت، انا دلوقت عايش في البيت لوحدي.
– لاحول ولا قوة إلا بالله، وحياة أمي ما اعرف إلا منك دلوقت، البقية في حياتك يا عمدة.
– حياتك الباقية، تعالى نخش الكشك نشرب كوبايتين شاي.
تهلل وجه حسن بسعادة فمن مكان الكشك سيستطيع مراقبة كامل الجراج ولن يمر أي شيء إلا من خلاله. لكنه عندما دخل الكشك كاد أن يقع من طوله فما أن دخل حتى وجد كلب أبيض صغير يجلس على كرسي مكسور في زاوية الكشك. دفعه عماد بقوة للدخول لأنه عندما تجمد في مكانه ارتطم بجسده الذي أغلق باب الكشك. حاول حسن أن يخفي اضطرابه من رؤية الكلب وقال ساخرًا:
– معرفش إن عندك ضيوف ياعمدة؟
– ده مش ضيف، دي سُكره. خش متخافش مش بتعض.
جلس حسن بجوارها بينما انعقد لسانه فاستطرد عماد يقول:
– من ليلة امبارح وهي معايا وحبتها أوي هاخدها تعيش معايا في الشقة، أنا زهقت من العيشة لوحدي.
لم ينطق حسن وظل يتأمل الكلبة وكاد من السعادة أن يحتضن عماد لولا انه فكر انه ليس عليه أن يخبره بأي شيء، وكل ما عليه فعله أن يسرقها في أول وقت ينشغل فيه عماد عنها. أصبح فكر حسن مشغول في أحلامه التي هي على وشك التحقق عندما مد له عماد بالشاي وهو يقول له:
– اشرب ياعم ده باينلها ليلة طويلة، العربيات بقت فوق بعض أهي.
كانت يد حسن ترتعش من فرط السعادة عندما تناول كوب الشاي من صديقه مما استرعى انتباه عماد والذي تساءل بريبة:
– مالك يابني أوعى تكون بتشرب نيلة سودا من اللى بقت في كل مكان دي.
– لا ياعم استغفر الله، هو إحنا عارفين نأكل نفسنا لما نصرف على الحاجات دي، هي سيجارة حشيش كل فين وفين من باب التفاريح.
– لو كان على الحشيش مقدور عليه، إنما دلوقت فيه بلاوي تانية، حبوب صراصير والبتاع المنيل اللي اسمه الأيس ده. فاكر زميلنا عمر المغربي؟ بيمشي في الشارع بيخرا على نفسه دلوقت، مخه اتلحس من الهباب ده.
– أعوذ بالله، تمتم حسن ومد يده يضعها على فرو الكلبة التي كانت هادئة ومستكينة للغاية كما لو أنها تتابع حوارهم وتفهمه. رن هاتف عماد فأخرجه من جيبه ورد على الطالب الذي لم يكن سوى أحد الحراس من الجهة الأخرى يسأله عن سبب الزحمة التي ناحية بوابته. كان عماد يسب ويشخر من أنفه لأنه لم يكن المتسبب بذلك الزحام وإنما الحارس الأخر المجاور له الذي تغيب عن العمل في يوم الذروة. تهلل حسن عندما وجد أن الهاتف الذي بيد عماد ما هو إلا هاتف قديم من نوع المحمول ذو الأزرار. سأله حسن في توجس:
– معطلك عن حاجه يا صاحبي؟
رد عماد بانفعال:
– لا ياعم، دي العيال ولاد الوسخة بتوع الجيل الجديد، يشتغل يومين يجيب كارت الشحن ويغيب بعد كده ونشيل إحنا الطين.
سأله حسن بمكر:
– بتعرف أخبار الدنيا ازاي وانت قاعد هنا؟ لا عندك تلفزيون وحتى تلفونك قديم.
– أخبار إيه يا عم فكك. كفاية القرف اللي بنشوفه على المباشر قدامك اهو، عربيات أشكال وألوان ونسوان عريانه ورجاله بفخاد مليانه وكلاب عايشه عيشه منحلمش بيها.
تأكد حسن أن عماد لا يعرف أي شيء حول جائزة العثور على الكلب، فازداد اطمئنانًا أن ذلك اليوم هو يوم سعده ولا شك. فكر للحظة أن يخبر عماد ويتقاسم الجائزة معه لكنه يعرف طبيعة عماد الأنانية، كما انه لو اقتسم المبلغ سيصبح نصيبه غير كافي لتحقيق كل أحلامه. استقر في النهاية أنه في اللحظة المناسبة سيحصل على الكلبة وينطلق لتسليمه ويختفي من حياة عماد للأبد.
مر الوقت ببطء وعماد عينه لا تفارق سُكره أبدًا، كل دقيقه يسألها إن كانت تود أي شيء، كان جهز لها مكانًا بداخل الكشك لقضاء حاجتها وبجوارها الماء وبعض علب البيف الجاهز. سأله حسن بسخرية:
– هتصرف عليها منين يا عمدة؟ متأخذنيش في السؤال؟
– ربك بيرزق ياعم، كل حاجة بتيجي برزقها، علب البيف دي بتترمى لما صلاحيتها بتخلص، واحد في المول بيديني خمس علب كل أسبوع بربع تمنهم كنت بتغدى بيهم. هوفرهم ليها واحاول يزودلي الكمية. لو حتى هسرقهم ياعم. الكل هنا بيسرق من المول، اهم حاجه الكاميرا متجبكش.
– مفكرتش تبيعها؟ تلاقيها تجيب خمسة آلاف جنية.
– أبيع إيه ياعم ولا كنوز الدنيا، ده أنا بحس أن ربنا بعتها لى عشان تفكرني بأمي. بص كده لعنيها دايمًا مليانه دموع زي أمي الله يرحمها مكنتش بتبطل عياط عليا. قبل ما تموت فضلت تقولى: سامحني يابني هسيبك لوحدك في الدنيا. تقولش روحها رجعت في الكلبة دي، أصل بالعقل كده إيه هيخلى كلبه نضيفه زي دي تحب تقعد معايا.
صمت عماد للحظة ثم سأل حسن:
– انت مطول اعمل حسابك في العشا؟
– العشا عليا هسهر معاك ونتعشى سوا.
– عيب عليك ده انت ضيفي وواجب عليا. خد بس الفلوس وهاتلنا ساندوتشات فول وطعمية عشان مينفعش أسيب مكاني.
وافق حسن على مضض ولكنه رفض أن يأخذ المال. عندما خرج من المول متوجها إلى محل الفول الذي وجهه إليه عماد اخرج هاتفه ليتواصل مع صاحبة الكلب والتي وجدها أرسلت له صور جديدة للكلبة ومقاطع فيديو لها. لم يجد في نفسه رغبة في مشاهدة أي شيء وفكر أن يخبرها أن ترسل له عربون، لقاء اقترابه من الوصول للكلبة. لكنه تراجع في أخر لحظة حتى لا تشك في صدقه. عندما عاد للكشك وجد عماد غير موجود والكلبة تجلس في مكانها وحيدة. وجد أن الفرصة سانحة ليهرب بالكلبة في هذه اللحظة. وضع الطعام على الكرسي وحمل الكلبة بين يديه وعندما استدار ليخرج وجد عماد أمامه. سأله عماد:
– خير يا حسن رايح فين بالكلبة؟
ارتجف حسن وراح يقول والعرق يتصبب من جبينه:
– كنت بفكر أمشيها شويه تغير جو.
– ياعم المروحة شغاله أهي الجو بره نار، ده أنا لما لقتها في الشارع كانت بتطلع في الروح.
حملها عماد وأعادها إلى مكانها مرة أخرى وهو يلاطفها كأنها أمة التي ولدته. تناولا العشاء الذي صرف فيه حسن كل ما معه من نقود ومن بعده جهز عماد دور شاي جديد.
– أنت معندكش شغل الليلة دي ولا إيه؟ سأله عماد بينما يجهز الشاي.
رد حسن بحزن مصطنع:
– طردوني من الشغل. من بكره هدور على شغل جديد.
– ياعم وتدور ليه، هكلملك المشرف ومن بكره تنزل تشتغل معايا. إيه رأيك؟
شكره حسن بعدما أبدى موافقته وراح يفكر في طريقه يهرب بها بالكلبة في أسرع وقت. مر الوقت ببطء حتى غرقت الكلبة في نوم هانئ، بينما ظل حسن يتلوى على الكرسي كأن مسامير خفية زُرعت تحته. كانت الساعة تقترب من الواحدة صباحًا عندما شعر عماد بألم في بطنه. نادى على حسن الجالس بداخل الكشك عندما وصل إليه قال له وهو يتألم:
– بطني بتتقطع، هو انت جبت الساندوتشات دي منين؟
رد حسن بحرص:
– من عند الراجل اللي قلت عليه، حتى قلت له عماد اللي باعتني.
– يخرب بيته ده أنا هموت، أقف مكاني دقيقة هروح الحمام في المول وارجع على طول.
– من عنيا يا صاحبي.
تهلل وجه حسن عندما شاهد عماد يغوص بين أجساد الناس عند مدخل المول. لم يدع الفرصة تهرب من يده حمل الكلبة وانطلق مسرعًا إلى الشارع من دون أن ينظر وراءه. عندما خرج من المول نبحت الكلبة نباحًا طويلاً مما أجبره على غلق فمها بالقوة. ظل يركض كما لو انه يهرب من الشيطان نفسه. بعد أكثر من عشر دقائق من الركض المتواصل لاحت له فيلا صاحبة الكلب من بعيد فأخرج هاتفه وراح يرن عليها. ردت على مكالمته بعد أكثر من محاولة، أتاه صوتها من وراء الهاتف حزينًا للغاية. كانت نسته من كثرة المتصلين الذين حاولوا الاتصال بها. بصوته المتعب اللاهث حاول يذكرها بنفسه لكنها لم تعطه أي فرصة جادة للحديث، أخبرها انه يحمل الكلبة بين يديه ويقف أمام منزلها. تهلل صوتها وهي تقسم عليه انه لو كان يكذب فإنها سترسله إلى ما وراء الشمس. أقسم لها بغليظ الإيمان أن الكلبة بين أحضانه بسلامة وعافية. أخبرته أنها ستفتح له باب الفيلا الكهربائي ليدخل حتى تصل من مطعمها المجاور للمنزل. دخل حسن الحديقة المظلمة إلا من شعاع نور لعمود إنارة عند مدخل السيارة إلى الفيلا. سار باتجاه البيت وأخذ يمني نفسه أن تعطيه صاحبة الكلبة المال بسلاسة حتى يعود إلى أبيه وأمه ويوقظهما على أفضل إنجاز في حياته.
فجأة من وسط الظلام انقض أحدهم على رأس حسن بضربة أسقطته على الأرض. ارتمى حسن على الأرض بينما الكلبة لازالت بين ذراعيه تعوي من السقطة، عندما فتح عينه وجد أن الذي فوق رأسه لم يكن سوى عماد صديقه. صرخ عماد بجنون:
– عاوز تبيع أمي يا ابن الكلب.
حاول حسن استجماع قواه ليشرح قصة الجائزة ويخبره أنه سيتقاسمها معه، لكن عماد كان نزع الكلبة من بين ذراعه. أضاء نور ساطع مدخل الفيلا وتبعه صوت محرك سيارة. توقفت السيارة وانطفأ المحرك وغطى الظلام المكان. خرجت امرأة في عمر الثلاثين تهرول ناحية الكلبة وهي تقول بلهفة:
– لولا حبيبتي.
توقفت فجأة لما وجدت حسن ملقى على الأرض والدماء تتدفق من رأسه، ومن وراءها صرخت المرأة التي كانت تقود السيارة عندما خرجت وراء صديقته.
صرخ حسن بكل قوته:
– يا عماد دول صحاب الكلبة هيدونا اتنين مليون جنية قصادها، ادهالهم وهنقسم الجايزة سوا ورحمة أمك.
ظل عماد يحتضن الكلبة وكأنه لم يسمع أي شيء. صرخ حسن مرة أخرى:
– أبوس إيدك مضيعش الفرصة دي من أيدينا.
صرخ عماد هذه المرة في جميع الموجودين:
– اللي هيقرب مني هموته، انا معنديش حاجه اخسرها. اللي عاوز يخسر حياته يقرب مني.
فجأة خرج صوت أخر من داخل الفيلا يهرول ناحية السيارة، عندما اقترب منهم صرخت السيدة صاحبة الكلب:
– الحقنا يا عمو علي هيقتلوا لولا. أشهر اللواء مسدسه ناحية عماد وهو يقول بحذر:
– سلم الكلبة بدل ما أقتلك وملكش دية عندنا، هنقول حرامي نط يسرق الفيلا.
ظل عماد جامدًا مكانه محتضنًا الكلبة رغم توسلات حسن له. تحرك عماد ناحية الباب ليهرب فامسك قدمه حسن وأسقطه أرضا، عندها صرخت صاحبة الكلب بهلع ودوي صوت الرصاص. طلقة، اثنان، والثالثة جاءت متأخرة بعد لحظات. سكنت الأصوات إلا من أنين ضعيف لكلب السامويد الأبيض. هز اللواء أجساد الملقين على الأرض بقدمه فلم يحركوا ساكنًا. أفلتت الكلبة من قبضة ذراعي عماد وتحركت تجاه صاحبتها التي قابلتها بابتسامة واسعة. حملتها بين ذراعيها وهي تقبلها وراحت تقترب من عمود الإنارة كي تطمئن عليها، فلما رفعتها في النور حدقت فيها طويلًا ثم تلاشت ابتسامتها شيئًا فشيئًا.
صرخت بألم: “دي مش لولا… “
صمتت للحظة واستدارت تخاطب صديقتها: دي مش لولا يا مها.









