د. سيد ضيف الله
البرنامج الثقافي لمعرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام فيه الكثير من نقاط القوة والتميز التي نحتاج إلى أن نبني عليها للاستفادة القصوى منه، فهو فرصة عظيمة أمام وزارة الثقافة لتحقيق مباديء العدالة الثقافية، وتعزيز قيم التسامح والمواطنة، والانتماء، ورفع مستويات الوعي الجمالي في المجتمع المصري، فضلاً عن أنه فرصة لتعزيز خطوات الدولة المصرية على المسار الذي رسمته لنفسها على مستوى العلاقات الدولية والإقليمية، وكذلك على مستوى تصوراتها التنموية وشرح التحديات التي تواجهها لجمهور المعرض بشكل مباشر.
لكن وزارة الثقافة لها شريك مهم في إقامة هذا المعرض، ألا وهم الناشرون المشاركون الذين دفعوا أموالا مقابل مشاركاتهم، وأحضروا كتبهم لبيعها بهدف الربح وبهدف نشر ما بها من ثقافة ومعرفة شاركوا مؤلفيهم في الرغبة في نشرها.
وبالتالي البرنامج الثقافي يجب أن يحقق توازنًا بين أهداف الشركاء من المعرض، وهي أهداف مشتركة بالفعل لأن زيادة بيع الناشرين لكتبهم هو المؤشر الحقيقي والهدف الجامع بين وزارة الثقافة والناشرين.
وإذا تأملنا في بعض محاور البرنامج الثقافي، يمكن أن نقف على عدة ملاحظات:
1- اختيار نجيب محفوظ شخصية لمعرض الكتاب، اختيار موفق جدًا رغم كل الاعتراضات التي طرحت حول عدم حاجة نجيب محفوظ لذلك، نعم محفوظ لا يحتاج لذلك لكن الدولة المصرية باختيارها نجيب محفوظ شخصية المعرض تقدم رسالة مهمة تواجه بها التطرف الفكري الذي ضرب محفوظ بمطواة في عنقه ذات يوم، وكنت أتمنى أن تصل هيئة الكتاب لاتفاق مع الناشر الذي يمتلك حقوق نشر أعمال نجيب محفوظ بحيث تكون هناك طبعة مشتركة لعشر روايات منتقاة، يتم تقديمها في طبعة شعبية مخفضة لجمهور المعرض كهدية من الهيئة والناشر لجمهور المعرض، وهذا كان سيزيد الإقبال على بقية روايات نجيب محفوظ عن هذا الناشر. وأظن أن بمثل هذا سنستجيب لاحتياجات الجمهور الجمالية والثقافية.
2- اختيار الدولة ضيف شرف في المعرض يخضع لاعتبارات عديدة، لكن أظن أن من بينها تعزيز العلاقات الدبلوماسية والثقافية بين مصر وهذه الدولة. لكن ماذا سيستفيد جمهور المعرض بشكل مباشر من هذا الاختيار، فمن المهم أن يصاحب هذا الاختيار إذا كانت دولة أجنبية قيام المركز القومي للترجمة بترجمة ثلاثة كتب على الأقل عن ثقافة هذه الدولة وتاريخها وجغرافيتها وعلاقاتها الدولية ..إلخ. ومن المهم أن يكون تقديم هذه الكتب بسلسلة ندوات تجمع المؤلفين والمترجمين وسفيرة هذه الدولة والناشر، وأتصور أن مثل هذه الندوات تحتاج لأن تكون ضمن محور يستحدث تحت عنوان “ناشر وسفير” يُضم إليه لقاءات تجمع بين عدد من ناشري دولة معينة وسفيرها، فمثلا نجمع الناشرين السعوديين مع سفير السعودية بمصر، والسعودية هنا مثلها مثل عشرات الدول التي ليست ضيف شرف هذا العام، ويكون هدف الندوة تعزيز الدبلوماسية الثقافية والترويج لكتب ناشري هذه الدولة. وأظن أن مثل هذه الندوات ستستجيب لاحتياجات الجمهور المعرفية.
3- محور كاتب وكتاب هو أكثر المحاور استجابة للهدف الجامع بين الناشرين ووزارة الثقافة، لكن أقترح تطويره بحيث يكون الهدف التعريف بكتاب منشور لدى ناشر معين ويتم الإعلان عن مكانه في المعرض، والأهم أن يكون هناك سلسلة ندوات مع الناشرين أنفسهم ليس لعرض كتاب واحد، وإنما لعرض أهم الكتب التي يقدمونها هذا العام والأسباب التي دفعتهم لتقديم هذه الكتب، وما تقدمه للجمهور من معرفة ومتعة، وسياساتها في اختيار عناوينها وهكذا. أتمنى أن يكون مثل هذه اللقاءات مذاعة عبر شاشات في صالات العرض حتى لو كانت تقدم في القاعات المغلقة في بلازا 1 أو 2. وأظن أن بمثل هذا سنستجيب لاحتياجات الجمهور الثقافية والجمالية ونقدم له خدمة تسويقية تعينه على اختيار ما يلبي احتياجاته التي دعوناه لتلبيتها بوصفه الزبون الذي نحن في خدمته ناشرين ووزارة ثقافة ومتحدثين في ندوات معرض الكتاب.
4- حفلات التوقيع هي من أنجح أنشطة البرنامج الثقافي من وجهة نظري لأن مسئولية الدعاية لها تقع على عاتق المؤلف والناشر بعد أن دفع مبلغًا من المال من أجل الترويج لكتاب ما، لكن اختيار الكتب لا معيار له سوى دفع رسوم حجز القاعة وهو معيار اقتصادي قد يتصادم مع معايير أخرى ثقافية وسياسية، الأمر الذي يترتب عليه إثارة بلبلة كان يمكن اجتنابها بتوسيع زاوية الرؤية ووضوح الهدف الجامع بين وزارة الثقافة والناشرين للوصول إلى سياسة ترويج واضحة تحقق أهداف الشركاء في هذا المعرض. فالناشر هو شريك إدارة المعرض وليس المؤلف، والاثنان (الناشر وإدارة المعرض) في خدمة المؤلف والجمهور معًا، وليس في خدمة طرف واحد منهما.
5- سياسة “العدد في الليمون” لم تعد مناسبة كسياسة حاكمة لحشد المبدعين لإرضاء أكبر قطاع منهم، وهي سياسة حاكمة لعدد من الأنشطة مثل (ملتقى شعراء الجامعات، ديوان الشعر)، فالنتيجة ليست في صالح الشعراء المشاركين وليست في صالح الشعر، ولا في صالح الناشرين ولا إدارة المعرض. لأنه ببساطة نحن دولة تعدادها 110 مليون ولو افترضنا أن نسبة 1% فقط من المصريين مبدعون وأكاديميون فنحن مطالبون بوضع برنامج ثقافي لمليون ومئة ألف مشارك، وهذا ضربٌ من الخيال! فلابد من تغليب معيار الكيف على الكم، والانتقاء على أسس جمالية وثقافية تلبِّي احتياجات جمهور المعرض الجمالية والثقافية على تنوعها وتحقق في الوقت نفسه للناشرين ميزة تسويقية لما ينشره، وإذا كان الشعر جاذبا لجمهور مستمع ولا قراء له من منظور الناشرين، فالأولى انتقاء ما يلبي احتياجات الجماهير الجمالية لتقديمه لفتح سبل لنشر الشعر بإشراك الناشرين في الأمر على نحو ما.
6- من أمتع الأنشطة الجاذبة للجمهور والتي تجسِّد وعيًا بدور البرنامج الثقافي في تعزيز الهوية المصرية نشاط (مخيم أهلنا وناسنا، وقاعة الطفل) لكن مثل هذه الأنشطة تحتاج لمزيد من الدعم وتسليط الضوء عليها إعلاميًا.
7- أتفهم رغبة إدارة المعرض في الاستفادة من محور “المؤتمرات” لتحقيق ثقل معرفي للبرنامج الثقافي، لكن اختيار المؤتمرات يحتاج لإعادة نظر، فثمة العديد من موضوعات المؤتمرات مكانها الصحيح هو الجامعات أو المجلس الأعلى للثقافة لطبيعة المشاركين المستهدفين وهم مجتمع المتخصصين في موضوع معين، فاختيار شخصية نقدية على أهميتها غير جاذب لجمهور المعرض، بل إن النقد الأدبي كله غير جاذب للجمهور، فإذا كنا فاعلين وساعين لجذب الجمهور له فلتكن ندوات عامة تطرح قضايا ثقافية أكثر منها قضايا شديدة التخصص. ويحسن ألا تنفصل هذه الندوات عن ما يمكن أن تقدمه العلوم الإنسانية من قضايا ثقافية تلبِّي احتياجات الجمهور المعرفية والجمالية، فثمة حاجة للاهتمام بقضايا الصحة النفسية والعلاقة بين الأجيال والتاريخ كما تقدمه المناهج التعليمية، ومستقبل العلوم الإنسانية في الجامعات، مباديء التذوق الفني، الفنون في الحضارة المصرية.. إلخ. هذه أمثلة لقضايا مهمة وجاذبة وتحتاج عند طرحها لمن يجيد التعامل مع الجمهور لا من يجيد البحث العلمي المتخصص فقط.
8- إن الاستجابة لاحتياجات جمهور المعرض المعرفية والجمالية واجب، وإذا كان هناك تخوف من مناقشة قضايا ثقافية بشكل جماهيري حفاظًا على حسن التنظيم والشكل اللائق الذي تظهر به الندوات، فإنني أضع مثل هذه الاعتبارات فوق رأسي، لكن دون أن أتخلى عن ضرورة الاستجابة لاحتياجات جمهور المعرض الثقافية والجمالية، وبالتالي ليس أمامنا سوى التنظيم كما نريد والإتاحة للجمهور كما يريد. إذ يمكن أن تعقد الندوات الثقافية المهمة والمنتقاة بعناية للاستجابة لاحتياجات جمهور المعرض في قاعات لكن يتم بثها عبر شاشات في أكثر من مكان في المعرض، فضلاً عن إتاحتها على موقع معرض الكتاب ومواقع الناشرين المشاركين في كل ندوة، وهذا ليس صعبًا على مصر.
…………………..
*نشر هذا المقال في صحيفة أخبار الأدب تعليقاً على معرض القاهرة الدولي للكتاب 2025















