محمد عدي رشيد*
يصدر قريباً عن مجلة قضايا إسلامية معاصرة، بحث لأستاذي الكبير منذر جلّوب يناقش فيه أطروحة العالم الصامت وقابلية العالم على الدلالة من خلال آيات التسبيح. يتأسس البحث على سؤال مركزي مفاده: هل يتوفر العالم على إمكان فهمه كــ “بنية دلالية غير صامته”؟ في مقابل أطروحة الصمت الوجودي التي تقول أن الواقع معطى خام صامت يضفى عليه المعنى بعد قيام الوقائع فيه. ويتم البحث والمقارنة بين الأطروحتين من خلال ما اسماه معيار التثبت الدلالي الذي سنتعرف عليه فيما بعد. ومن المهم قبل الدخول في تفاصيل المشروع الإجابة عن سؤال: لمَ آيات التسبيح الكوني، وكيف يمكن لها أن تخدمنا هنا؟ لقد تم اختيار آيات التسبيح الكوني لأنها – بافتراض جلّوب – “دعوى تتعلق بطبيعة الموجودات كلها” فهي لا تحصر نفسها داخل حد معين يستقصد الإنسان دون الموجودات الأخرى، أو هي تقدم نفسها كخطاب مجازي. فقول إن “ما في السماوات وما في الأرض يسبح” هو توصيف شامل لبنية العالم، يجعل من الخطاب مؤهلاً للاختبار الفلسفي، لأنه قدم نفسه على أنه خطاب شامل.
أولاً: معيار التثبت الدلالي
يقوم كامل المشروع على أساس ما سمي بـــ التثبت الدلالي الذي يؤدي واجب فحص الأطروحات الكونية، الدينية والفلسفية على حد سواء، “من حيث قدرتها على تفسير ظواهر أساسية في تجربتنا للعالم، من قبيل انتظام الظواهر، وقابلية الوجود للفهم، وحضور المعنى، وموقع الوعي في إلتقاط الدلالة” وهو منهج يسعى إلى تفسير كل أطروحة بمعزل عن الأخرى – تفسر بمعزل لئلا ترجَّح واحدة على حساب أخرى -، لأجل الوصول إلى الأطروحة التي تقدم تفسيراً أفضل من تفسير الأطروحة المقابلة. فما يريده هذا المنهج من كل تفسير هو عرض “كيف يفهم العالم فهما متماسكاً، وأن يوضح لماذا تنجح أدوات الفهم، لا أن يكتفي بوصف نجاحها”. وإذا كان العالم يتوفر على إمكان أن يكون دالاً – أو إمكان الانفتاح الدلالي – فهذا لا يعفي القابلية على الدلالة من المساءلة والتحقق. ومن هنا يقترح جلّوب معياراً إجرائياً ثلاثياً للتمييز “بين الفهم الصالح وسوء الالتقاط” هو:
- “القابلية للتثبت، أي إمكان إعادة اختبار التأويل ضمن خبرة مشتركة أو شبكة نتائج متماسكة، لا بقاؤه ادعاء ذاتياً منغلقاً.
- الاقتصاد التأويلي، بحيث يرفض كل تأويل يضاعف الكيانات أو يسقط القصد والغاية من دون ضرورة تفسيرية واضحة.
- القدرة التصحيحية، أي أن يسمح التأويل بمراجعة نفسه تحت مقاومة الواقع، لا أن يحول كل مقاومة إلى تأكيد إضافي غير مشروط”.
وما يمنحنا إياه التثبت الدلالي والمعيار الثلاثي خارج إطار هذا البحث، هو تلك القدرة على مساءلة التأويلات وترجيح تأويل على حساب آخر، ضمن بنية منهجية رصينة قابلة على إمكان إعادة المساءلة المتكررة لكل تأويل. وهو ما يساهم في تقليل فوضى التأويلات غير المنضبطة على حساب التأويلات الجادة التي لمّا يكن متوفر لها من قبل أرضية منهجية تسند قولها.
ثانياً: أطروحة الصمت وقدرتها على الصمود داخل أفق معيار الاقتصاد التأويلي
يبدو القول بصمت العالم وخلو بنيته العامة من القابلية على الدلالة، وظهور المعنى على نحو لاحق بعد قيام الوقائع وتتابع الأحداث، ومن ثم معننتها (إسباغ المعنى عليها) – مِن قبل الإنسان – قول يتواءم مع معيار الاقتصاد التأويلي، وبالتالي ترجّح أطروحة الصمت على الأطروحة المقابلة لها لأنها أقل كلفة مفهوية. سوى أن هذا الفهم لا يتعامل مع المفهوم بجدية؛ ذلك أن الاقتصاد في التأويل لا يفيد – على نحو مباشر- ترجيح أي أطروحة فقط لأنها أرشق من غيرها. أن اطروحة الصمت تثبت على نحو لا رجعة فيه – من غير شرح لذلك الزعم – أن العالم صامت. فيتحول الاقتصاد التأويلي هنا إلى عبء على أطروحة الصمت، بدلاً من أن يكون نافعاً لها. فالاقتصاد التأويلي لا يسعى إلى تنحيف النظريات واختزالها داخل حدود ضيقة، على حساب المتانة المفهومية والقدرة على الشرح والتبرير.
ثالثاً: اللغة والدلالة
يرفض جلّوب ثنائية عالم صامت وعالم ناطق، ويتجه صوب أن وجود الدلالة يسبق وجود اللغة، لكن اللغة في الوقت ذاته هي جهاز تفعيل الدلالة: أن العالم يصير ممكنا على التحقق والفهم بعد أن تنتج اللغة شبكة المفاهيم وسلسلة العلائق التي بواسطتها يكون العالم على ما هو عليه الآن. وفي هذا السياق يعرف جلّوب اللغة بكونها جهازاً دلالياً، وهي، أي اللغة، الوسيط الذي يتيح لنا الامساك بالدلالة. وبهذا لا تكون اللغة منشأ الدلالة، إنما هي إمكان ظهور الدلالة، لا إمكان تحقق القابلية على الدلالة – أو الانفتاح الدلالي -. وثمة تمييز يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار: كون اللغة غير قادرة على التقاط الدلالة في موضع ما، فهذا لا يسوِّغ القول بانعدام الدلالة. وليست اللغة في الوقت ذاته، مجرد وسيط غير فعّال، إنما هي الشيء الذي يتعيّن به العالم. بهذا، تصبح اللغة آلة التقاط الدلالة والجهاز الذي يظهر العالم بحسب قابليتها على الإظهار. وبعد أن تم التعرف على عمل اللغة وعلاقة اللغة بالدلالة وحدود عمل اللغة بوصفها جهاز إظهار الدلالة، صار السؤال الآن متعلقا بمعنى الدلالة ذاته وما هي إمكاناته وحدوده. وما يراد من قابلية الواقع للدلالة هو إمكان قيام المعنى عبر نسبة من الفروقات والتمايزات بين أشياء العالم تكون متوفرة في البنية الأساسية للواقع. إذاً، وعلى هذا النحو، يكف مفهوم الدلالة عن كونه معنى لغوي يحمل خطابا ما، ويصير الأرضية البدائية الأولى لشرط إمكان قيام المعنى بالعالم. فلا يعود الصمت إشارة إلى انعدام قابلية الواقع على الدلالة، إنما هو حول الأدوات المستخدمة للوصول إلى تلك القابلية، أي أن صمت العالم لا يتعلّق ببنيته الوجودية الخام، إنما هو متعلق بالشروط والإمكانات المتاحة لالتقاط تلك الدلالة.
لقد تحدث مارتن هيدغر في كتاباته المبكرة، أعني الكتاب الذي ترجم إلى العربية بعنوان: الأنطولوجيا هرمنيوطيقا الواقعانية، عن وجود الدلالة في العالم، والكيفية التي تتشكل بها. واستمرارا لمشروعه الفلسفي، نجد الموضوع ذاته في كتاب الكينونة والزمان، من خلال مفهوم تحت – اليد. فنفهم أن الدلالة عند هيدغر تتكون حينما يلاقي الدازين العالم. ونفهم العالم دلاليا عنده من خلال شبكة من العلاقات وسلسلة من الإحالات: شيء يحيل إلى شيء آخر، وهكذا. وبهذا نفهم الأشياء، أو هي تقدم نفسها من خلال ظهورها في شبكة الإحالات تلك. غير أن هذا يعني إن الإمكان الدلالي للأشياء، عند هيدغر، يمكن أن ينعطب إذا ما توقف عمل سلسلة الإحالات، فلا يعود العالم، حين تكف السلسلة عن كونها مترابطة، مفهوما، وبعدها، بالمصطلح الهايدغري، يكون العالم غير صالح للاستخدام. في حين أن ما يجنبنا جلّوب إياه هو ذلك الإمكان الذي يتيح للعالم أن يكون غير صالح للاستخدام، من خلال توفر على بنية أولية قابلة على إمكان الدلالة بمعزل عن التقنيات التي تتيح لنا الإمساك بها.
رابعاً: آية التسبيح واختبار الأطروحة
في هذا القسم يتعامل جلّوب مع النص الديني – المختبر – من خلال مسار جديد يقترحه للتعامل مع النصوص الدينية، عبر عنه بوصفه اقتراحا تفسيرياً عن العالم، ويصبح النص الديني من خلال هذا المسار خاضعا لما يخضع له أي اقتراح تفسيري آخر، بمعزل عن كون النص المقدم يحمل دلالة قدسية تحمل ضمناً إشارة تزعم صدقه الكامل، أو هو يرفَض من غير سبب فقط لكونه نصاً دينياً. إن هذا المنهج يسائل كل أطروحة، بعيداً عن أي حكم مسبق يقول بصحة أو خطأ أي أطروحة ما.
ولقد وقع الاختيار على آية التسبيح، كما أشرنا آنفا في أول هذه القراءة، لأنها تحمل معنى كلياً يفيد شمول بنية العالم بكليته، من غير أي استثناء لأية جزئية من جزئياته، “وهذا الشمول هو ما يجعل من الآية صالحة للاختبار الفلسفي”. فقبل كل شيء حرر التسبيح من كونه تسبيحاً لفظياً أو معنى لغوياً، وافترض أن التسبيح هو “دلالة وجودية” أي “توصيف لطريقة حضور الموجودات في الوجود.” فيفهم، الباحث، التسبيح لا على أنه قول لغوي، بقدر ما يشير إلى أن الموجودات تقع داخل بنية دلالية تشير إلى ما يفهمها “من غير أن يكون هذا التجاوز مفهوما بالضرورة”. وهو ينطلق من بنية الآية نفسها، إذ يفترض أن الآية تقول إن الموجودات “تسبح” ولا تقول إنها “تتكلم” وبالاستناد إلى آية التسبيح الأخرى التي تقول بوجود التسبيح من غير أن يكون مفهوما من قبل الإنسان، يصل جلّوب بناءً على ما أسس آنفا إلى أن حضور التسبيح هنا يتواءم مع كون امتناع فهم الدلالة أو عدم ظهورها من خلال إطار لغوي يخرجها إلى حيز الوجود القابل للفهم، لا يعني أن الدلالة أو القابلية على الدلالة غير موجودة. لكن ما الذي تضيفه آية التسبيح الكوني على مفهوم قابلية الواقع للدلالة، فهذه هي النقطة الأهم بحسب جلّوب. يقوم مدار الأطروحة هنا على إعادة النظر لمفهوم التسبيح ذاته وتبديد الفهم الشائع له. فلا يشير القول بكون الموجودات تسبح، إلى أن الموجودات تمارس فعلا لغوياً ما، فالتسبيح هو أن الموجودات تحمل في بنيتها الخام فعلا دلالياً يشير إلى ما يتجاوزها – وهذا ما أثبته جلّوب داخل سياق الأطروحة. وبهذا المعنى تكون الموجودات دالة أو هي قابلة أن تكون كذلك، من غير قصد أو وعي بتلك الدلالة. وتنجح أطروحة التسبيح في الشيء الذي تعذّر على أطروحة الصمت إنجازه. ما تقوله أطروحة التسبيح ببساطة: أن مقاومة الواقع لبعض التأويلات والعجز عن تفسير ظاهرة بعينها، إنما هو عجز في فهم أن العالم منفتح دلالياً. من غير أن تعد الأطروحة بأن تقدم فهما كاملا للعالم، أعني أنها لا تلزم بذلك، فكل ما تقدمه أطروحة التسبيح هو عرض رؤية تفسيرية خاصة بها تكون مقابلة للرؤى التفسيرية الأخرى، من غير ادعاء بامتلاك حجة نهائية: إنها لا تشرح بقدر ما تؤوِّل العالم.
خامساً: الدلالة – الوعي – التلاقي
ما نحتاجه هنا لفهم الكيفية التي يتم بواسطتها التشكّل النهائي لصورة العالم من خلال تلاقي الوعي بالدلالة ثم ظهور العالم بصورته النهائية، هو التعرف على مفهوم الأنا أو واجب الوجود عند المؤلِف، إذ لا ثمة إمكان – كما أفترض – لفهم هذا الجزء من غير الرجوع إلى ذلك المفهوم. وما يمكن إيجازه هنا – على نحو سريع -، إن العالم إذ يظهر فهو يحتاج إلى ذات عارفة تدركه وتتلاقى معه، ومن خلال تلك الأنا التي تدركه يتشكَّل العالم ويظهر بصورته النهائية. غير أن السؤال ينتقل من شرط وجود العالم، إلى موقع الوعي بين الدلالة والعالم. وليس الوعي هنا أداة الإنتاج إنما هو أداة الكشف والاستقبال، وما يظهر هنا هو: أن الوعي ليس مصدر الدلالة، غير أن هذا لا يعني أن الوعي مجرد متلقٍ سلبي غير فاعل، إنما هو البوابة التي بحسبها تلتقط الدلالة ونوضع في صلب فهم محدد ما للعالم. فالعالم بهذا الفهم لا يعطى مباشرة، ولا يفهم بمعزل عن الوعي الإنساني..
……………..
*كاتب من العراق










