القسّ عيد صلاح*
امتزج الخيال بالواقع، وارتبط الماضي بالحاضر بالمستقبل ليُشَكِّل لوحةً فنيّةً أدبيّةً بديعةً هكذا عشت الأسبوع الماضي في قراءة ماتعة لرواية “جبل الطّير” للروائي المصريّ عمَّار علي حسن، الصّادرة في القاهرة عن “مكتبة الدّار العربيَّة للكتاب” عام 2016م، تقع الرّواية في 644 صفحة من القطع المتوسط. تنقسم الرّواية إلى أربعة أقسام في 72 فصلاً. يستخدم عمَّار علي حسن أسلوب typological أي الموقف الذي به يستنير الحاضر بمواقف وكلمات الماضي وهو نوع معروف من التفسير يقوم بوضع مجموعتين مختلفتين من الأشخاص إلى جانب بعضهما بعضًا لتضح الصورة.
تناقش الرّواية اللحظة الرّاهنة بكل تعقيداتها وإشكاليّاتها وتحوُّلاتها من جرَّاء الفقر والفساد والتّطرف والجهل وذلك عبر استدعاء التّاريخ والنّظر للمستقبل من خلال بطل الرّواية سمْحان في مقابل الأصوليّة الدينيّة في مصر ونوبات التّعصب والتطرف الدّخيلة على الشّخصية المصريّة في تسامحها واستيعابها للحضارات. والرّواية غنية بتفصيلاتها ولغتها وسردها وتغوص في الثّقافة المحليّة بمفرداتها واماكنها وشخوصها لمنطقة شمال مدينة المنيا (طهنا الجبل، جبل الطّير) وشمال المنيا البهنسا، والّتي تعبِّر عن مصر في المجمل العام.
سمْحان النّابه-بطل الرّواية-الّذي لم يُكمل تعليمه ليساعد والده في الحقل تظهر لديه رغبة في المعرفة فيداوم على قراءة الكتب الّتي تركها له عمه رشيد الّذي توفاه الله وهو على أعتاب المرحلة الجّامعيّة. وعن طريق أحد أقرباء والده يتعيّن في هيئة الأثار غفيرًا لتبدأ رحلته في استدعاء الماضي عبر رؤى وتجلّيّات وحوارات خياليّة ليكتسب خبرات كثيرة في الحياة. يقوده تأمّله ورؤياه وتجربته وشيخه عبد العاطي إلى أن يكون شيخًا صوفيًا له مريديه.
الأسماء الواردة في الرّواية لها دلالتها مثل: عبد الباطن، رشيد، سمْحان، برهان، عبد العاطي، جميلة، سعدان، أبو حذيفة، عبد الفضيل، أبانوب، سامية، عبد العليم، والمكان في روايات عمَّار له حضوره ومركزيته فجبل الطّير له تاريخ وله حاضر وقد جَسَّدَت الرّواية الحضور الثّقافيّ والدّينيّ له، فهو قبلة كل المصريّيّن مسيحييّن ومسلمين، أيضًا وما يتم في الدّير يتم بصورة قد تكون شبيهة في حلقات الذّكر في البهنسا. كما حضر الزّمان في ماضيه وحاضره ومستقبله.
تؤكِّد الرّواية على مصريّة سمْحان (رمز السماحة) في مقابل السّلفيين والمتشدّدين من خلال التّأكيد على أصوله وجذوره التّاريخيّة والثّقافيّة ومذهبه الصّوفيّ. وهناك حضور واضح للأفكار الصّوفيّة عبر مضامينها وكلماتها ومصادرها وشيوخها. كما تؤكِّد الرّواية على خصوصيّة الزّمان والمكان فالقارئ من المنيا-ككاتب هذه السطور-يجد نفسه في هذا السّياق الرّوائيّ الّذي يعبر عن خصوصيّة الزّمان والمكان. كما تنحاز الرّواية لسمْحان وبرهان، العقل والقلب، والفكر والوجدان، فهما تؤامان يميزان المرحلة الفكرية المتزنة دون شطط أو غلبة لاتجاه على آخر، وهو ما تنحاز له الرّواية.
زواج سمْحان وجميلة الّلذان تلاقت أرواحهما قبل اللقاء هو زواج مرفوض من السّلفييّن الإسلامييّن فقد طالبوا بإسلامها، ورفض الزّواج من المسيحيّين أيضًا له، وفي حالات شبيهة أُخِذَ البعض منهُنّ إلى الدّير. فالزواج المختلط غير مرحب به.
ولأنَّ الأدب أرحب من الواقع، والخيال أوسع من الحدود والأُطُر الضّيقة الّتي تصنعها السّلطة أو الفكر المتشدّد، أو القيود المجتمعيّة أو الدّينيّة، فيمكن مع خلاله مناقشة كافة الأفكار بجرأة وحرّيّة هكذا ناقش عمَّار علي حسن “الزّواج المختلط” في روايته لتكون مَعبرًا ومجازًا للتّأكيد على التّسامح الدّينيّ والمجتمعيّ الأمر الّذي لم يلق قبولًا على كافة المستويات: الكنيسة، السّلفيين، المجتمع. السّؤال: ألم توجد علاقة أخرى غير الزّواج المختلط بين سمْحان وجميلة ليعبر عن عمق العلاقة بين المسيحييّن والمسلمين؟ قد تكون هذه صورة من الصّور الّتي ناقشها د. عمَّار في رواياته، وقد تناول هذه العلاقة في نضجها وقوّتها في رواية زهر الخريف قبل التّحولات الّتي طرأت على المجتمع المصريّ نتيجة لبعض السّياسات في السّبعينيّات من القرن الماضي والفكر الوافد إلى مصر عبر العاملين في الدّول العربيّة، مع انحصار الدّور التّعليميّ والثّقافيّ للمؤسَّسات الوطنيّة في مصر.
ولأنَّ هذا الأمر له حساسيّة خاصة والاقتراب منه صعب بالرّغم من نجاح بعض القصّص في الواقع مثل سمْحان وجميلة. فالواقع ينبئ بأنَّ الزّواج المختلط غير مقبول لدى المسيحييّن في مصر من مسلمين ومسيحييّن وقد جسَّدت الرّواية هذا الرّفض. وقد تكون الفكرة في الرّواية هي الرّمزيّة في العلاقة وليس الزّواج بالفعل رمزية العلاقة والتّلاحم بين أبناء الوطن الواحد، فالرّمزيّة في رواية جبل الطّير موجودة وبقوة.
الحضور المسيحيّ في رواية جبل الطّير يدور حول ثلاث شخصيّات أساسيّة: القسّ أبانوب الّذي يظهر عليه التّشدد والغيرة على الإيمان يعيش قصة حُب، رغم زواجه، قادته أخيرًا إلى فقدان العقل. والرّاهبة سامية الثّابتة على إيمانها وتشددها، وظهر هذا في حواراتها مع جميلة. وجميلة الّتي تركت طريق الرّهبنة وتزوّجت سمْحان عبر قصّة حب تلاقت فيها الأرواح قبل الأجساد. كل واحد/ة له تجربته/ا وخبرته/ا الشّخصيّة، وتُناقش الشخصيّات في تكوينها المعرفيّ والثّقافيّ والدّينيّ، وردود أفعالها، في ضوء السّياق المجتمعيّ والثّقافيّ الخاص والعام، والتّيار الدّينيّ المتشدّد الّذي أثرَّ على الجميع وحَكَمَ تصرفاتهم. فِهم جُزء من مجتمع له ثقافته وعاداته، أحلامه وطموحاته، انكساراته وهزائمه واحباطاته.
الصّوت القويّ والظّاهر في الرّواية عبر الحوارات والمواقف والمضامين هو التّأكيد المتواصل والمستمر على ثقافة السّماحة في مواجهة ثقافة العنف، وثقافة الانفتاح في مقابل ثقافة التّشدد، وثقافة الاعتدال والوسطيّة في مقابل ثقافة التّطرف. وثقافة المعرفة في مقابل الجهل. وثقافة الحوار (الدّيالوج) في مقابل الثّقافة الأحادية (المنولوج). وثقافة الفهم المتعدِّد للنصّ الدّينيّ على الرّؤية الوحيدة المنغلقة عليه.
وهي رواية تبحث في اكتشاف الهويّة المصريّة والتّأكيد على خصوصيتها الّتي تميل بطبيعتها إلى التّسامح (سمْحان) وكذلك عكس ما صُدَّرَ لها من فكر عن طريق أبو حُذيفة—وهو صديق سمْحان في الدّراسة—الّتي قضى 20 عامًا في إحدى بلاد العربيَّة.
المشهد الختاميّ الواضح في الرّواية هو سيادة العلم من خلال العقل ولكن لا يمنع هذا الخيال من خلال القلب وظهر ذلك في ظهور وحضور الجدّ سمْحان مع الحفيد عبد العليم (السّماحة/العلم). عبد العليم يعبر عن عنصريّ الأمة من خلال جدّيه سمْحان وجميلة، وعن العقل والقلب من خلال زواج ابن سمْحان مع ابنة برهان، ولعل هذا فيه دلالات كثيرة.
الرّواية غنيّة وثريّة في تفصيلاتها ومفرداتها وحواراتها الدّاخليّة وهي تميل للبعد المعرفيّ الثّقافيّ فمن يقرأها يستفيد كثيرًا. والمصادر الّتي أشار إليها الرّوائيّ في نهاية الرّواية تُبيّن المعلومات الغزيرة الّتي وردت في الرّواية—في قالب روائيّ—لم تأت من فراغ.
في الختام، لا يمكن قراءة رواية «جبل الطير» بوصفها عملًا سرديًا عن مكان بعينه أو زمن محدّد، بل باعتبارها محاولة واعية لاستعادة سؤال الهوية المصريّة في لحظة ارتباك حضاري وفكري. فمن خلال مزاوجة التاريخ بالراهن، والعقل بالوجدان، والدين بالثقافة، يقدّم عمّار علي حسن نصًا روائيًا يراهن على الإنسان قبل الأيديولوجيا، وعلى المعرفة قبل الانغلاق، وعلى السماحة بوصفها جوهرًا أصيلًا في التكوين المصريّ. إن رواية “جبل الطير” ليست فقط شهادة أدبية على تحوّلات المجتمع المصريّ، بل أيضًا دعوة مفتوحة لإعادة التفكير في معنى التعايش، وجدوى الحوار، وحدود المقدّس حين يُنزَع من سياقه الإنسانيّ. بذلك تثبت الرواية أن الأدب، حين يشتبك بعمق مع الواقع والتاريخ، يصبح أحد أكثر أشكال الوعي قدرةً على مقاومة العنف، وتفكيك التطرّف، واستعادة المعنى في زمن الالتباس.
أخيرًا، رواية “جبل الطّير” ملحمة روائيّة تستحق أنْ تُقرأ وتُدرَس وتُدرَّس، وهي لا تقل أهمية عن أدب نجيب محفوظ ولا سيما في أولاد حارتنا. شُكر وتقدير وتحيّة للدّكتور عمَّار علي حسن على هذه الرّواية الملحميّة، فجبل الطّير علامة هامة في التّاريخ الرّوائيّ المصريّ والعربيّ.
……………….
* راعي الكنيسة الإنجيليّة بعين شمس، القاهرة، باحث في التراث العربيّ المسيحيّ














