ثلاثة عشر عامًا تمر خلال “الساعة الخامسة والعشرين”

الساعة الخامسة والعشرون

رانيا غيث

الديستوبيا، وهي مفردة يونانية، تعني «المكان الخبيث»، وتعكس عالم الواقع الفاسد بصورة مثيرة للفزع والخوف. وهي تعبّر عن المجتمع الذي تسوده الفوضى، ويتسيّده الفساد، بما يحمله من قمع وديكتاتورية واستغلال للسلطة وتعطش للدماء وسرقة. فكل صورة من هذه الصور تجرّد فاعلها من إنسانيته، وتحوله إلى كائن غير آدمي، مجرد من الضمير، وعبدٍ لشيطان يثير في نفسه طاقة الشر. فلا مكان للحب أو السلام أو الخير أو الأمانة في هذا المجتمع.

وهناك روايات كثيرة تناولت مجتمع الديستوبيا، مثل: “1984” لجورج أورويل، و”فهرنهايت 451” لراي برادبري، و”ألعاب الجوع” لسوزان كولنز، و”حفلة التيس” لماريو بارغاس يوسا، و”خريف البطريرك” لجابرييل غارسيا ماركيز، و”يوتوبيا” و”ممر الفئران” للدكتور أحمد خالد توفيق، وغيرها من الروايات التي صوّرت أبشع التصورات الفاسدة للمجتمعات، والتي نعيش بعض صورها على أرض الواقع.

أما “الساعة الخامسة والعشرون”، لقسطنطين جيورجيو فقد طرحت مأساة مجتمعات كثيرة من خلال شخصية يوهان موريتز، العامل الروماني الذي كان يعيش مع أم وأب عجوزين، وكان كل حلمه أن ينتقل للعمل في أمريكا عدة سنوات، يجمع خلالها المال الذي يكفي لشراء قطعة أرض، وقد تكفل بأموال العربون. وكان قد دفع ما طُلب منه كي يستطيع السفر على ظهر سفينة، ليعمل عليها وقّادًا حتى يصل إلى أمريكا، أرض المال. فكل من سافر من شباب القرية إلى هناك عاد بما يكفي من المال ليحيا حياة كريمة هو وعائلته.

ولم يكن حلمه ليكتمل إلا بالزواج من سوزانا، حبيبته، التي كان أبوها تاجرًا للخيول، معزولًا عن باقي سكان القرية بسبب شخصيته العدوانية. وما إن شعر بتسلل ابنته خارج المنزل لمقابلة يوهان حتى ثار جنونه، وظل يضرب زوجته حتى لاقت حتفها، فأُلقي القبض عليه. ولم يكتشف أحد من أهل القرية تلك الجريمة إلا مع سطوع النهار.

تراجع يوهان عن السفر وترك حبيبته، فلجأ إلى والديه العجوزين ليؤويا محبوبته، لكنهما رفضا خوفًا على حياتهما من غضب أبيها. فلجأ إلى منزل الكاهن الذي كان يعمل لديه، وكان يشمله بعطفه ورعايته، فاستقبله الكاهن ومنحهما غرفة صغيرة في منزله.

وكانت زيارة يوهان تتزامن مع زيارة تريان، ابن الكاهن، لوالديه، ليشاركهـما أرباح كتابه الأخير، ويخبرهما عن مسودة رواية يضع فيها تصورًا لاستبدال الإنسان بالآلة، ويعرض فيها شراسة العالم وتجرده من الإنسانية.

وما إن رأى تريان هذا الشاب حتى قرر أن يمنحه المال ليشتري الأرض ويبني منزلًا يستطيع أن يعيش فيه مع زوجته. وبدأ يوهان يعيش حياته بسلام، ورُزق بطفلين.

ولكن دائمًا ما يتدخل أحدهم ليقلب حياة الآخر رأسًا على عقب. وقد تدخل ضابط الدرك في حياة يوهان عندما شاهد سوزانا وهي تبني زريبة للحيوانات بجوار المنزل، وحاول اقتحام البيت، لكنها استطاعت منعه. عندها دبّر الدرك مكيدة للتخلص من يوهان.

فتم استدعاء الشاب إلى المخفر، وعاد إلى منزله يجهل طبيعة المكيدة. وفي ذلك الوقت كانت الدولة تطلب من القرويين مصادرة جزء من ممتلكاتهم، سواء كانت خيولًا أو عربة أو جزءًا من المحصول، مساهمةً منهم في تكاليف الحرب. وبينما كان يراجع المرسوم مرة بعد أخرى، ظن أن هناك خطأ، إذ وجد اسمه مدرجًا ضمن المطلوبين للتسخير.

وفي صباح اليوم التالي سلّم نفسه إلى المخفر، وكان مستعدًا لأن يكون ضمن اليهود الذين سيُرسلون إلى معسكرات الحرب، لكن كيف وهو المواطن الروماني؟ فقد زوّر ضابط الدرك الأوراق كي يستطيع الاستفراد بزوجة يوهان، لكنها لم تخضع له أبدًا.

وفي مخفر الدرك أُرسل يوهان مع اليهود الآخرين إلى أحد المعسكرات، ومعه ما يثبت – زورًا – أنه يهودي. وهناك لم تنتهِ المأساة، بل بدأ فيرجيل جورجيو، مؤلف الرواية، استعراض مدى بشاعة المجتمعات كلها. حاول يوهان أن يقدم العديد من الطلبات، مؤكدًا أن هناك خطأ، وأنه مسيحي وليس يهوديًا، وأنه يجب على إدارة المعسكر التحقق من ذلك واستثناؤه من الحفر والأعمال الشاقة. لكنهم لم يعتبروا كونه غير مختون دليلًا على مسيحيته، حتى بعد الكشف عليه.

وبداخل المعسكر نبذه اليهود أنفسهم، وهم الذين وقع عليهم الظلم ذاته، بعدما اكتشفوا أنه لا يعرف لغة اليديش الشائعة في أوروبا الشرقية، وأن اسمه لا يمت إلى اليهودية بصلة. فأصبح واقعًا تحت ظلم المسؤولين الرومان، وظلم المعتقلين اليهود في الوقت نفسه.

وبينما كان يوهان يصارع لتجنب مزيد من الذل، كان الكاهن يحاول إيجاد حل لإخراج هذا الشاب من المأزق. وفي الوقت نفسه، كانت زوجته سوزانا تواجه صراعًا آخر، إذ ساومها ضابط الدرك بين أن تُسلب منهم الأرض والمنزل، فتغدو هي وطفلاها بلا مأوى، أو أن توقع ورقة طلاق من زوجها، وبذلك يثبت أنه يهودي وكان يخدعها. وفي النهاية خضعت لتوقيع ورقة الطلاق حفاظًا على البيت والأرض.

وخضع يوهان لإذلال أكبر بعد الطلاق، إذ عاملوه وكأنه كاذب ولعين، لأن أسباب الطلاق كانت قومية ودينية، فصار ذلك نفيًا لكونه مسيحيًا رومانيًا. وعلم يوهان أنه لن يستطيع مغادرة المعسكر إلا بعد انتهاء الحرب.

وهنا بدأ استغلال طبيب المعسكر اليهودي للشاب، إذ أقنعه بالذهاب معه إلى هنغاريا مقابل حمل حقائبه، ثم يستطيع بعد ذلك السفر إلى أمريكا.

وما إن ظن الشاب أن الحياة ستبتسم له، حتى كشرت أكثر عن أنيابها. ففي هنغاريا تعرض للسجن، واتُّهم بالتجسس، وأُودع في معسكر آخر، ومن هناك سُلّم إلى ألمانيا مع خمسين ألف عامل آخر مجهولي الجنسية، ليعملوا في المصانع الألمانية قربانًا للسلطة النازية مقابل عتاد بسيط.

ولكن الحياة ليست دائمًا قاهرة؛ فلا بد أن تمنح الإنسان هدنة كي يستطيع أن يتجرع مزيدًا من الألم. فقد قوبل باحترام من أحد الضباط الألمان، اعتقادًا منه أنه عاش خارج ألمانيا، وأنه ينتمي إلى الجنس الآري. فمنحه امرأة تعتني به، وخفف عنه المهام، وجعله حارسًا على المعسكر.

ومع بدايات هزيمة الألمان، قرر الهرب مع خمسة من أصدقائه الفرنسيين في المعسكر، ولفترة وجيزة اعتُبر بطلًا استطاع إنقاذ فرنسيين، لكن بعد مدة قصيرة أُودع السجن مرة أخرى لانتمائه إلى دولة العدو.

استغرقت رحلة يوهان ثلاثة عشر عامًا من الذل والقمع، امتدت على 542 صفحة، في رحلة تلهث معها أنفاس القارئ سطرًا بعد سطر. يصور فيها الكاتب التسلط والقمع والإذلال، واستغلال السلطة لتحقيق المصالح الشخصية، والضغط على أشخاص لا ذنب لهم.

وليست ظروف الحرب وحدها هي التي تفتح أبواب القمع والاستبداد، بل إن الخضوع والصمت على الإذلال يسمحان باتساع رقعة الفساد في الأرض.

ليس يوهان وحده من يعود من تلك الرحلة شخصًا مختلفًا، بل إن القارئ أيضًا يعود إلى واقعه بشيء من الرعب والخوف والقلق، وقد انفتحت عيناه على تفاصيل حياتية تكشف كم هو غارق في مجتمع تسوده الديستوبيا، بشكل أو بآخر.

 

 

راما غيث

14 مقال
كاتبة مصرية

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع