“توت فاروق” … رواية الأزمنة الأربعة والتاريخ المخفي

robeer al fares

محمد الكفراوي

في روايته الأحدث “توت فاروق” يقدم الكاتب الروائي والباحث التاريخي روبير الفارس سردية مختلفة عن التاريخ، مضمنا الدين كفاعل رئيس في الأحداث، منذ علاقة رجال الدين المسيحي بالوالي محمد علي باشا، وحتى عصر الملك فاروق. وربما يمتد الأمر لنهاية التسعينيات والتفجيرات الإرهابية التي طالت الأقصر آنذاك.

من هذه النقطة أو الحدث التاريخي المثير للاهتمام تنطلق الرواية لترصد حادثاً إرهابياً في الأقصر، وكيف يعتبر هذا الحادث صفعة على وجه النظام وقتذاك (نظام مبارك). ويطلب مسؤول تحرير إحدى الصحف من الراوي أن يكتب بيان الكنيسة المندد بالحادث، ولكن الكنيسة لم تصدر بياناً، وما كان من مسؤول التحرير إلا أن قرر بنفسه أن يكتب البيان ضمن الخبر باعتباره سيصدر عاجلا أو آجلا.

تنفتح أمامنا من خلال هذا المشهد رؤية حول بطل الرواية الذي يعمل صحفيا ويسافر إلى المنيا لمتابعة حالة والدته المحجوزة في المستشفى، ويتعرف بالصدفة على فاروق الروضي، الذي يشبه تماما ويكاد يكون نسخة من الملك فاروق، وبعد أن يتعارفا يحصل منه على راوية “توت فاروق” التي تتضمن أحداثا متتابعة لكنها تضم بالأساس القصة الأهم والأخطر وهي أن فاروق الروضي هذا ابن الملك فاروق من سيدة مسيحية.

تتناول الرواية أجزاء مهمة من التاريخ الخفي، لكنها لا تمشي على خط زمني واحد، بل ينتقل الراوي من التسعينات في القرن العشرين إلى زمن محمد علي إلى عصر الخديو إسماعيل إلى زمن الملك فاروق، هكذا تتابع الحكايات التي تدور كلها في فلك واحد، وهو تاريخ اجتماعي مخفي يتناول سيرة البسطاء والمهشين من أبناء الصعيد خصوصا في الأوساط المسيحية، لكنه في الوقت نفسه يربط بينهم وبين الولاة والحكام ويطرح الصراعات الممتدة منذ عصر محمد علي الذي كان كل همه جمع الجزية، وبين عصر إسماعيل الذي شهد افنتاحا وربما محاولات لتقديم أوبرا ن شخصية بارزة في الأوساط المسيحية وقتها. وحتى زمن الملك فاروق وزيارته للمنيا على متن قاربه الخاص في جولة نيلية أدت لهذه العلاقة التي كان ثمرتها توت فاروق.

يشطح الكاتب بخياله ليربط بين التاريخ وشخصياته الواقعية مثل شخصية إبراهيم كنشور الذي تمت رسامته كاهنا، وكان له شأن ولو بسيط في تاريخ الطائفة الكاثوليكية، ولكن في النهاية نحن امام رواية داخل رواية، وكما يقول الكاتب في العنوان بأنها بمنزلة “تمزيق ثوب تاريخي مهجور” بالفعل سنجد العديد من التفاصيل البسيطة والحميمية والعلاقات الاجتماعية المعقدة والمركبة في الأوساط المسيحية خصوصا في صعيد مصر.

الرواية التي وجدها الصحفي روبير، ويبدو هنا أن روبير الفارس المؤلف يظهر بشخصيته الحقيقية، هي رواية كتبها فاروق الروضي، وعرضها روبير على رئيس تحرير جريدة يعمل بها وكانت فرصة ليتم نشرها على حلقت لتثير ضجة وتغطي أو تخطف الأنظار والانتباه المسلط على حادث لكرنك في الأقصر، لتكون وسيلة إلهاء.

ومن هنا تبدأ القصة التي تأتي غير مرتبة كما يشرح الصحفي لرئيس التحرير، الذي يرد عليه بالقول ان هذا ليس مشكلة فقد يعتبرها البعض نوعا من التجريب. وبالفعل تتداخل الأزمنة عبر فصول العمل الروائي فتنتقل من زمن إلى زمن ومن حكاية إلى أخرى في محاولة للربط والتأصيل للحكاية الأصلية وهي حكاية توت فاروق، وتتضح التأثيرات الثقافية للتراث المسيحي عبر المرويات والأدبيات التي يستعين بها الكاتب بخصوص شخصيات من الكتاب المقدس سواء أنبياء أو صالحين أو غيرهم يتم الاستشهاد بهم وما فعلوه في حياتهم.

ويكشف الكاتب عن أحد مصادره المهمة في اختيار اسم العمل وهو كتاب “في رحاب المعبود توت” للأثري المصري الدكتور سامي جبرة، مكتشف آثار تونا الجبل، وهو من استقبل الملك فاروق في أولى رحلاته للصعيد في يخت “قاصد الخير” وكان ذلك عام 1937.

وتعد الحكاية المركزية حكاية سعدية “الروضة” الفلاحة البسيطة التي تتعرض للوثة بعد أن يراها فاروق ويعجب بها ويقرر أن يحصل عليها بصرف النظر عن زوجها أو أسرتها ويقنعها العمدة بأحقية الملك في ذلك الأمر، وتخضع له، وبعدها تظل تردد كلاما وهلوسات عن الملك من ضمنها الأغنية الشهيرة التي كانت تقال للملك فاروق “ملك البلاد يا زين / يا فاروق يا نور العين/ لك ورد على الخدين/ يا ملكنا تعيش لنا”  ليصبح فاروق الروضي بمنزلة ولي العهد ولكنه ابن الملك من الخطية وليس من النعمة، ومن ثم لا يستطيع أن يبوح بالسر أو بحقيقة أمره، فيضطره أن يبثه في عمل روائي وقصة شيقة بها العديد من التفاصيل  والتقنيات السردية والأحداث التي يتداخل فيها الخيال مع التاريخ مع الفن ليقدم لنا وربير الفارس رواية مغايرة للمألوف وتحمل من الجرأة والخيال جانبا كبيرا يمنحها تفردها.  

 

 

شاعر مصري صدر له: ـ حلم وردي يرفع الرأس ـ بعد الموتى بقليل

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع