تمثال من أجل الحب

poles adam2

بولص آدم

  اعتقد نيسان بأن الحب الحقيقي يحتاج إلى شيء من الجرأة، وشيئًا أكبر من الجرأة بقليل: الثقة الزائدة بالنفس. وكان يملك منها ما يكفي ليخوض حربًا عاطفية كاملة، دون أن يخطر له مرة أن يتأكد إن كانت المرأة التي يحبها تعرف أصلًا أنه يحبها. ففي تلك الأيام، كان الحب يحتاج إلى لجنة تحقيق ومترجم إشارات وثلاثة شهود لإثبات التهمة؛ أما كلمة «أحبك» فكانت اعترافًا نوويًا قد يغيّر موازين القوى في المنطقة.

  كانت آسيا معلمة في مدرسة ابتدائية قريبة من الحي الذي يسكن فيه. وكان يراها كل صباح وهي تدخل المدرسة حاملة كتبها، محاطة بالأطفال الذين يركضون حولها ويطرحون عليها عشرات الأسئلة في وقت واحد. أما هو، فكان يمر أمام المدرسة ببطء شديد، ثم يتظاهر بأنه مهتم جدًا بإحدى النوافذ أو بعمود الكهرباء كلما التفتت إليه.

  كان مقتنعًا بأنها لاحظته، وأنها ربما تنتظر منه خطوة، وأن نظراتها السريعة إليه تحمل رسالة سرية تحتاج إلى رجل شجاع ليفك شفرتها. والحقيقة أنها كانت تنظر إليه أحيانًا لأنها كانت تحاول أن تتذكر إن كان هذا الرجل هو نفسه الذي يقف كل يوم في المكان الخطأ.

  قرر أن يدخل قلبها من باب الفن. وبما أنه لم يكن يعرف أي فن، بدأ بالنحت. اشترى كتلة رخام، ومطرقة، وأزاميل، وكتابًا بعنوان «تعلم النحت في عشرة أيام». وفي اليوم العاشر كان قد تعلم شيئًا واحدًا فقط: أن العشرة أيام لا تكفي. واصل العمل مع ذلك، وكان يخرج كل مساء من غرفته مغطى بالغبار، ويحدق في كتلة الرخام بنظرة الفنان الذي ينتظر منها أن تعترف بموهبته. وبعد أسابيع طويلة، ظهر أخيرًا تمثال لامرأة. لم يكن التمثال يشبه آسيا إلا من بعيد جدًا. لكنه كان مقتنعًا بأنه تحفة.

  انتظرها ذات يوم أمام المدرسة، وحمل التمثال بكل فخر. وعندما خرجت، قدمه إليها وكأنه يقدم لها مفتاح قصر. نظرت إلى التمثال طويلًا.. كان قد نحت وجهًا صارمًا، وحاجبين غاضبين، وذراعين ضخمتين، وهيئة جعلت المرأة تبدو كأنها قائدة عسكرية جاءت لتفتيش المدرسة.

  سألت في النهاية إن كان هذا تمثالًا لها. أجاب بثقة أنه كذلك، وأنه حاول أن يظهر شخصيتها القوية. شكرته، ثم قالت إن التمثال يشبهها، لكن ليس كما يتصور.

  كان سعيدًا جدًا بهذه الجملة. وعندما عاد إلى بيته، فكر جادًّا: «المرحلة الأولى ناجحة».

  قرر أن يصبح موسيقيًا.

 اشترى عودًا، وتعلم بضعة ألحان، ثم ألّف أغنية عن آسيا. كان يتخيل أنها ستكون أغنية لا تُنسى، وأنها ستنتشر في المدينة، وربما في البلاد، وربما يتصل به أحد من التلفزيون ليسأله كيف استطاع أن يحول الحب إلى موسيقى..

  وقف قرب المدرسة وغنى. تجمع عدد من الأطفال حوله، ثم بدأ بعضهم يقلد حركاته. استمر في الغناء حتى النهاية، بينما كانت آسيا تقف أمامه عاجزة عن معرفة هل تشكره أم تنقذه.

  وفي اليوم التالي، أخبر أحد الأطفال معلمته أن الرجل الذي يغني قرب المدرسة «يبدو أنه يحتاج إلى مساعدة». وصلت الجملة إلى نيسان بطريقة ما، لكنه اعتبرها نقدًا فنيًا بنّاءً.

  انتقل بعد ذلك إلى الشعر.

  كتب قصيدة من سبعة وأربعين بيتًا، وكان حريصًا على أن يجعلها عميقة. لذلك لم يقل فيها شيئًا واضحًا تقريبًا. وصف عيني آسيا بأنهما «نافذتان على بحر لا يعرف عنوانه»، وشبّه ابتسامتها بـ«غيمة تمشي حافية فوق ذاكرة الربيع». وعندما قرأ القصيدة على صديقه نمرود، ظل صامتًا طويلًا قبل أن يسأله إن كان قد كتبها بعد إصابته بحمّى.

  لم يتوقف.

  جرّب الرسم، فرسم آسيا بطريقة جعلتها تبدو وكأنها اكتشفت للتو جريمة ارتكبها أحد أفراد العائلة. ثم قرر أن يطبخ لها عشاءً رومانسيًا. قضى يومًا كاملًا في تحضير الطعام، وانتهى به الأمر وهو يقف أمام قدر محترق، بينما كانت رائحة الدخان تنتشر في البيت.

  وعندما علمت آسيا بما حدث، قالت إن أهم شيء أنه لم يُصب بأذى.

  اعتبر هذه الجملة دليلًا على القلق العاطفي.

  ثم وصل إلى السحر.

  اشترى قبعة سوداء، وتعلم بعض الخدع، وكان يخطط لأن يجعل وردة تظهر من داخل يده أمام آسيا. لكنه في أول تجربة أخرج من كمه ملعقة، وفي الثانية اختفت الوردة فعلًا ولم يجدها، وفي الثالثة علقت القبعة في رأسه واضطر إلى قص جزء من شعره لإنقاذ الموقف.

  ومع ذلك، كان يرى نفسه يتقدم. كل فشل بالنسبة إليه مجرد مرحلة في الطريق إلى النجاح.

  وبعد عدة أشهر، كان قد جرب النحت والموسيقى والشعر والرسم والطبخ والسحر، وأصبح يملك في منزله تمثالًا غاضبًا، وعودًا لا يعرف كيف يعزف عليه، وسبعةً وأربعين بيتًا من الشعر، ولوحة تشبه التحقيق الجنائي، وقدرًا لا يزال يحمل آثار الحريق، وقبعة ساحر.

  أما آسيا، فلم تكن قد وقعت في حبه.

  في النهاية، حدث الشيء الذي كان نيسان يؤجله منذ البداية: جلس معها وتحدث إليها ببساطة.

  لم يكن هناك تمثال ولا أغنية ولا قصيدة ولا خدعة سحرية. تحدثا عن المدرسة، وعن الأطفال، وعن الأشياء الصغيرة التي يحبها كل منهما. واكتشف أنها كانت تضحك من نكاته فعلًا، لا مجاملةً.

وبدأت بينهما علاقة هادئة.

  وبعد مدة، سألته لماذا لم يبدأ معها بالكلام بدل أن يقضي عامًا كاملًا في تعلم الفنون. فكر قليلًا، وقال إنه لم يفكر في الأمر بهذه الطريقة.

  فقالت له إن ذلك واضح.

  ثم أخبرته أنها احتفظت بالتمثال. فرح نيسان وسألها إن كانت تحبه. قالت إنها تحتفظ به لأنه يذكرها بأكثر رجل بذل جهدًا في العالم لكي يجعلها تحبه، بينما كان يكفيه في النهاية أن يقول لها: «مرحبًا».

نظر إلى التمثال، ثم إليها، وقال إن الأمر كله كان يستحق العناء.

  هزت رأسها موافقة، ثم أضافت أن هناك شيئًا واحدًا فقط تريد منه أن يفعله.

  سألها ماذا.

  قالت: «لا تتعلم النحت مرة أخرى».

  نظر إلى يديه، ثم إلى التمثال، ثم قال إنه كان يفكر أصلًا في تعلم الفخار.

فأغلقت عينيها، وأدركت أنها لم تقع في حب رجل واحد، بل في حب مشروع ثقافي كامل يحتاج إلى إشراف مستمر.

بولص آدم

86 مقال
أديب وفنان سينمائي عراقي، من أعماله: ـ كتاب: «ضراوة الحياة الآمتوقعة»، (القاهرة 2010). ـ «اللون يؤدي إليه»، (بغداد 2013). ـ…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع