أ.د. صالح سليمان عبدالعظيم
ليس كل من رفع شعار التنوير مستنيرا. وليس كل من تحدث باسم العقل قادرا على فهم المجتمع الذي يريد تغييره. هذه هي المشكلة الأساسية التي تكشفها تجربة مؤسسة “تكوين الفكر العربي”، التي ظهرت حاملة شعارات الحرية والعقلانية والتسامح وتجديد الفكر الديني، لكنها أثارت منذ ظهورها جدلا واسعا حول طبيعة مشروعها وأهدافه. فالمسألة لا تتعلق بمجرد خلاف بين المحافظين والليبراليين، ولا بصراع تقليدي بين العقل والدين، وإنما تتعلق بطبيعة التنوير الذي يجري الترويج له، وبالموقع الذي تنطلق منه النخبة الثقافية في علاقتها بالمجتمع. فهل نحن أمام مشروع يريد أن يفهم المجتمع ويساعده على تجاوز أزماته، أم أمام مشروع يتعامل مع المجتمع باعتباره واقعًا متخلفًا ينبغي إعادة تشكيله وفق تصور ليبرالي جاهز؟
لا تكمن المشكلة في حق “تكوين” في مناقشة الدين أو مراجعة التراث الإسلامي، فهذه موضوعات مشروعة للبحث والنقد، ولا يجوز احتكار الحديث فيها أو منع مساءلتها. المشكلة الحقيقية تكمن في طبيعة الأسئلة التي يطرحها المركز، وفي الموضوعات التي يمنحها الأولوية، وفي المسافة الواسعة التي تفصل خطابه عن البنية الثقافية والاجتماعية للمجتمع المصري. فالانطباع الذي يتركه هذا الخطاب أن الدين يمثل العقبة الأساسية أمام التقدم، وأن تجاوز التخلف يمر بالضرورة عبر إعادة النظر في الموروث الديني والاجتماعي. وهنا يتحول التنوير من عملية نقدية مفتوحة إلى مشروع يحمل تصورا مسبقا عن المجتمع، ويحدد له الطريق الذي ينبغي أن يسلكه قبل أن يستمع إلى مشكلاته الفعلية.
تتمثل إحدى المشكلات الكبرى لهذا التوجه في افتقاره إلى الحس السوسيولوجي. فالدين في المجتمع المصري ليس مجرد نصوص وأحكام فقهية يمكن إخضاعها للنقد بمعزل عن سياقها الاجتماعي، بل هو جزء من النسيج اليومي للحياة، ومن العلاقات الأسرية، والتضامن الاجتماعي، والعادات والتقاليد، والذاكرة الجمعية، وتصورات الناس عن الخير والشر والعدل والكرامة. وقد تشكلت هذه البنية عبر تاريخ طويل تداخلت فيه المرجعيات الإسلامية والخبرات المحلية والتحولات الاجتماعية. ولذلك فإن التعامل مع الدين باعتباره مجرد موروث يحتاج إلى التفكيك يكشف عن فهم محدود لطبيعة المجتمع، وعن تصور ثقافي يتجاهل الوظائف الاجتماعية والرمزية التي يؤديها التدين في حياة الناس. ولا يعني ذلك أن هذه البنية فوق النقد، وإنما يعني أن نقدها يحتاج إلى معرفة عميقة بها، لا إلى النظر إليها من موقع التعالي الفكري.
ويكشف النظر في الموضوعات التي أبرزها “تكوين” عن حضور واضح لقضايا الوحي والسنة والتاريخ الإسلامي المبكر والخلافة والعلمانية والمرأة والتأويل الديني. وهذه الموضوعات ليست مرفوضة في ذاتها، لكن تكرارها يثير تساؤلا عن طبيعة المشروع الذي يعلن اهتمامه بتنوير الفكر العربي عموما، بينما يمنح المسألة الدينية هذه المكانة المركزية. فالمجتمع المصري لا يعاني أزمة دينية فقط، بل يواجه أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية وتعليمية شديدة التعقيد. وهناك الفقر والتفاوت الطبقي والبطالة وتراجع الخدمات العامة والاستبداد والتبعية الاقتصادية والهيمنة الخارجية. فلماذا لا تحظى هذه القضايا بالقدر نفسه من الاهتمام النقدي؟ ولماذا يبدو نقد التراث أكثر حضورا من نقد البنى السياسية والاقتصادية التي تسهم بصورة مباشرة في إنتاج الأزمات العربية؟ صحيح أن المركز تناول موضوعات سياسية وإنسانية، ومنها الحرب على غزة، لكن ذلك لا يلغي مشروعية السؤال عن ترتيب الأولويات داخل مشروعه الثقافي.
هنا يظهر ما يمكن تسميته بالتنوير الانتقائي، وهو تنوير يمتلك قدرا كبيرا من الجرأة عندما يتعلق الأمر بالدين والتراث، لكنه لا يظهر بالضرورة الدرجة نفسها من الحدة تجاه قوى السلطة والمال والهيمنة. وليس المقصود أن جميع العاملين في المركز يتبنون موقفا سياسيا واحدا، أو أنهم يتعمدون تجاهل هذه القضايا، وإنما أن الصورة العامة التي يقدمها المشروع تسمح بمساءلة هذا الاختلال في الاهتمام. فالليبرالية التي تستحق اسمها لا تكتفي بالدفاع عن حرية الفرد في مواجهة السلطة الدينية، بل تدافع عنه كذلك في مواجهة الاستبداد السياسي والاستغلال الاقتصادي والقهر الاجتماعي. أما اختزال أزمة المجتمع في الموروث الديني فينتهي إلى تحميل الدين مسؤولية أزمات لا يمكن تفسيرها بالدين وحده.
ومن هنا تتضح أزمة العلاقة بين “تكوين” والبنية الثقافية للمجتمع. فالمجتمع المصري ليس مجتمعا ليبراليا بالمعنى الغربي، لكنه ليس بالضرورة معاديا للحرية أو الكرامة الإنسانية أو التعددية. إنه مجتمع تشكلت منظومة قيمه عبر تاريخ طويل، واكتسبت فيه الأسرة والدين والعلاقات الاجتماعية مكانة أساسية. وهذه المنظومة تتضمن عناصر إيجابية وأخرى سلبية، وتحتاج إلى مراجعة وإصلاح مستمرين، لكنها لا يمكن أن تُختزل في مجموعة من العوائق التي ينبغي إزالتها حتى يصبح المجتمع حديثا. والمشكلة في بعض الخطابات الليبرالية العربية أنها تتعامل مع النموذج الغربي للحداثة باعتباره معيارا شبه نهائي للتقدم، دون أن تخضع هذا النموذج نفسه للمساءلة، أو تتوقف طويلا أمام خصوصية المجتمعات التي تريد تطبيقه عليها. وهكذا تتحول الدعوة إلى التحرر من سلطة التراث إلى خضوع غير معلن لسلطة نموذج ثقافي آخر.
وتزداد هذه الأزمة وضوحا عند النظر إلى بعض الشخصيات التي ارتبطت بالمركز، مثل يوسف زيدان وإبراهيم عيسى وإسلام بحيري وفراس السواح وألفة يوسف، فضلا عن حضور فاطمة ناعوت في المجال الثقافي المحيط به. ولا يصح وضع هذه الشخصيات جميعا في سلة واحدة، فلكل منها خلفيته الفكرية وإسهاماته ومواقفه الخاصة. لكن عددا منها ارتبط في الوعي العام بسجالات حادة حول الإسلام والتراث والرموز الدينية. ولذلك لم يكن مستغربا أن يستقبل قطاع من الجمهور المشروع بحذر أو رفض. فالمؤسسات الثقافية لا تكتسب شرعيتها من أهدافها المعلنة وحدها، وإنما من تاريخ القائمين عليها، ومن طبيعة خطابهم، ومن مدى الثقة الاجتماعية التي يتمتعون بها. وقد يكون المثقف مشهورا وواسع الحضور الإعلامي، لكنه لا يمتلك بالضرورة القدرة على إقناع الجمهور أو التأثير الإيجابي في وعيه.
والأكثر خطورة أن بعض الخطابات النخبوية تتعامل مع الرفض الشعبي باعتباره دليلا على الجهل أو الخوف من التفكير، بدلا من النظر إليه بوصفه ظاهرة اجتماعية تستحق الفهم. فقد يرفض الجمهور فكرة لأنه لا يعرفها، لكنه قد يرفضها أيضا لأنه لا يثق في أصحابها، أو لأنه يشعر بأن الطريقة التي تُطرح بها تنطوي على احتقار ضمني لمعتقداته وخبراته. وهذا لا يجعل الجمهور دائما على حق، ولا يمنحه سلطة منع البحث أو مصادرة حرية التعبير، لكنه يفرض على أي مشروع ثقافي جاد أن يسأل نفسه عن أسباب انقطاع التواصل بينه وبين الناس. فالتنوير لا يتحقق بمجرد امتلاك المنابر الإعلامية، ولا يتحول الجدل إلى إصلاح اجتماعي لمجرد ارتفاع حدته.
يضاف إلى ذلك سؤال التمويل والشفافية، وهو سؤال مشروع بالنسبة إلى أي مؤسسة تسعى إلى التأثير في المجال الثقافي العام. فقد صاحب ظهور “تكوين” جدل حول مصادر دعمه وعلاقاته المؤسسية، خصوصا مع ما نُقل عن مساهمات من رجال أعمال عرب في تمويل أنشطته. ولا تكفي هذه المعطيات للحديث عن ارتباطات مشبوهة أو اتهام المؤسسة بالعمالة، فمثل هذه الاتهامات تحتاج إلى أدلة واضحة. لكن ذلك لا يمنع مساءلة مصادر التمويل وحدود تأثيرها في استقلال المشروع واختيار موضوعاته. فالمؤسسة التي تطالب المجتمع بمراجعة يقينياته ينبغي أن تكون مستعدة بدورها لمراجعة ممارساتها والكشف عن مصادر دعمها. ولا يمكن أن تكون الشفافية قيمة مطلوبة من الآخرين، ثم تتحول إلى مسألة هامشية عندما تتعلق بالمؤسسة نفسها.
في هذا السياق يمكن فهم “تكوين” بوصفه نموذجا محتملا لما أسميه “الليبرالية الوظيفية”. ولا أقصد بهذا المفهوم وجود ارتباط تنظيمي بجهة خارجية، أو تلقي تعليمات من قوى سياسية أو اقتصادية، وإنما أقصد الوظيفة الاجتماعية التي قد يؤديها خطاب ثقافي بصرف النظر عن نوايا أصحابه. فعندما يصبح التراث الديني موضوعا دائما للتفكيك، بينما تبقى افتراضات الحداثة الغربية أقل تعرضا للنقد، فإن النتيجة المحتملة هي تعميق اغتراب النخبة عن مجتمعها، وإضعاف الثقة بالمرجعيات المحلية دون تقديم بديل اجتماعي قادر على مواجهة مشكلات الناس الحقيقية. وهنا يصبح التنوير أقرب إلى عملية استلاب ثقافي، لا لأنه يناقش الدين، بل لأنه قد يعيد إنتاج علاقة غير متكافئة بين ثقافة تُقدم باعتبارها النموذج المتقدم وثقافة محلية تُعامل باعتبارها عبئا ينبغي تجاوزه.
ومع ذلك، فإن النقد الجاد للمركز لا ينبغي أن يتحول إلى دفاع غير مشروط عن كل ما هو سائد في المجتمع. فالبنية الثقافية المصرية نفسها تتضمن صورا من التعصب والتمييز والتسلط، كما أن بعض المؤسسات الدينية والاجتماعية قد تسهم في إعادة إنتاج الجمود. وليس من المقبول أن تتحول الخصوصية الثقافية إلى ذريعة تمنع النقد، أو أن يصبح احترام المعتقدات مبررا لمصادرة حرية التفكير. لكن الفارق كبير بين نقد المجتمع من أجل توسيع إمكانات تحرره، وبين التعامل معه باعتباره موضوعا للتأديب الثقافي. كما أن هناك فارقا بين تجديد التراث من خلال فهم تاريخه وتناقضاته، وبين افتراض أن التخلص من تأثيره شرط مسبق لدخول العصر الحديث.
تكشف تجربة “تكوين”، في النهاية، عن مأزق أوسع في الثقافة العربية المعاصرة. إنه مأزق نخبة تريد إصلاح المجتمع دون أن تنصت إليه بما يكفي، وتنتقد يقينياته دون أن تمارس دائما الدرجة نفسها من الشك تجاه يقينياتها الليبرالية. ولا يحتاج المجتمع المصري إلى من يحميه من التفكير أو يمنع عنه النقد، لكنه لا يحتاج أيضا إلى نخبة تتحدث باسمه من موقع الوصي. إنه يحتاج إلى مشروع نقدي قادر على مواجهة التعصب الديني والاستبداد السياسي والاستغلال الاقتصادي والهيمنة الثقافية في الوقت نفسه، دون أن يجعل من الهوية الدينية والاجتماعية المتهم الوحيد في أزمة التقدم.
ولذلك فإن الرد الأكثر جدية على “تكوين” لا يكون بالمطالبة بإغلاقه أو بتخوين القائمين عليه، بل بكشف حدود خطابه وتناقضاته الفكرية والاجتماعية. فالمشكلة ليست في أن المركز يريد تغيير المجتمع، وإنما في احتمال أن يكون هذا التغيير محكوما بصورة مسبقة عن المجتمع أكثر مما هو نابع من فهم عميق له. والتنوير الذي يبدأ بالتعالي على الناس لا يستطيع بسهولة أن يكسب ثقتهم، مهما امتلك من شعارات جذابة أو أسماء مشهورة. أما التنوير الحقيقي فلا يعني تقديس التراث، ولا تقديس الحداثة، وإنما تحرير العقل من الوصاية كلها، بما في ذلك وصاية الذين يتصورون أنهم وحدهم يمتلكون حق الحديث باسم العقل والتقدم.
……………………..
*أستاذ علم الاجتماع، كلية الآداب، جامعة عين شمس



















