ساطع راجي
وقف قرب باب المسجد، تصوّر أنه سار مسافات طويلة منذ مغادرته للبيت غاضباً، وابتعد أكثر مما يجب.
بدأ المصلون يخرجون مع حلول الظلام، يتفرقون في نهاية الشارع ثم يختفون.
تعب من أجل الوصول إلى المسجد؛ لأنه آمن بأن العودة إلى البيت، أو التعرف على من قد يساعده، سيكون ممكناً هنا فقط؛ فشوارع الحي وبيوته متشابهة، ولم يجد ما يستدل به غير المئذنة.
لا يريد شيئاً الآن غير العودة، فقد تبدد غضبه تحت وطأة التعب والجوع والعطش.
كانت الكلمة قاسية، أفقدته شهيته للأكل وأنسَته جوعه.
دفعت المرأة -كما يسميها- بكلمة “تسمم” مع صينية الطعام، فغضب وهاجت حرقة في معدته، واندفع الدم إلى وجهه حتى إنها ارتعبت منه واختفت، فأزاح الطعام ونهض خارجاً.
كانت الشوارع والبيوت متشابهة، اعتقد أن كل من فيها سعداء أصحاء يأكلون ما يشتهون عداه؛ فهو حبيس البيت معظم الوقت، كأنه يحاول الاختفاء لأن كل وجه يطالعه يقول له إنه مختلف. من نظر إليه بتعاطف أو بخوف، كان يقول بشكل ما إنه مختلف؛ بينهم من يراه مسكيناً ضعيفاً، ومن يراه علامة شؤم وشر، لكنهم جميعاً يقولون إنه ليس مثلهم، بينما هو يراهم يشبهونه كثيراً.
خرج جميع المصلين، وأغلقوا باب المسجد، وضع بعضهم نقوداً في يده، فرغ الشارع تماماً وبقي هو في مكانه.
خاب ظنه؛ لم يعرفه أحد ممن غادروا المسجد، ربما تجنبه من يعرفه، فالجميع يعتبره “ورطة” مثلما تقول دائماً المرأة التي في البيت.
رغم بدانته، بدا ضئيلاً وضائعاً إلى جوار باب المسجد وجداره العالي.
صار خوفه يكبر بعد اختفاء الجميع، ويرى المسجد يتضخم شيئاً فشيئاً مع انطفاء أنواره.
لم يتخيل أن الحي واسع إلى هذا الحد، وفيه كل هؤلاء الناس الذين لا يعرفهم ولا يعرفونه. مر زمن طويل على آخر مرة تجول فيها بحرية، الآن هو ضائع، وشعر برغبة في البكاء.
لن يفتقده أحد في البيت، كان كل ما يريده هو الطعام، لكن موعد الوجبة تأخر؛ فهو يأكل مع أذان الظهر، وهي لم تحضر طعامه في الموعد.
لا يرغب بإغضاب أحد، لكنه عندما يتأخر الطعام يفقد سيطرته على نفسه، ويشرع بالصراخ وإطلاق الشتائم.
عاهد نفسه ألا يفعلها مجدداً، سوف ينتظر بعض الوقت بعد الأذان، سيسعى للانتظار لأطول وقت ممكن حتى لا يسمع كلمة “تسمم”، ولا يخرج غاضباً فيضيع.. لن يرتبط بالأذان بعد اليوم.
في طرف الشارع توقفت دراجة تحميل، أنزل سائقها الصبي بعض الأغراض وتحرك باتجاه المسجد، خاف منه في البداية، ثم جاءت الصرخة مطمئنة ضاحكة، رغم أنها مصحوبة بأسوأ لقب يكرهه، لكنه لم ينزعج هذه المرة؛ فهذا من أبناء الجيران.
دعاه السائق للركوب معه ليعيده إلى البيت، فانفتح فمه المقوس الشبيه بجرح لا يندمل بسبب شفتيه المتوردتين دائماً؛ اطمأن للصوت وصعد في الخلف مع الأغراض. أنعشه الهواء وسرعة الدراجة وصوت المحرك العالي، وما يطلقه السائق من كلمات بذيئة صارخة.
كان سعيداً هذه المرة باختلافه الذي يميزه فلا يضيع بين الوجوه المتشابهة؛ اعتقد أنه لو كان مثل الجميع لما عرفه أحد، ولبقي ضائعاً إلى الأبد، متسمراً عند باب المسجد.
لم يكن بعيداً عن البيت كما تصور، لم يقطع مسافات طويلة، كان قريباً جداً، وتذكر أنه كان يسمع صوت الأذان قوياً وهو في البيت.
تمنى لو ابتعد أكثر، تمنى لو بقي وقتاً أطول في حوض الدراجة.
دخل البيت، تجنبت المرأة نظرته الغاضبة، وجد الطعام في نفس المكان الذي تركه فيه، فأكله بارداً، ثم نام ويده في جيب ثوبه الجانبي، ممسكة بالنقود التي جمعها عند باب المسجد.










