بين القصيدة والرمز: من الحزن إلى المشهدية

قراءة في كتاب "موت الطفل في الشعر العربي المعاصر" للناقد المصري د. منير فوزي

حميد عقبي

يحظى موضوع موت الطفل في الشعر العربي المعاصر بأهمية متزايدة، لا لكونه ظاهرة إنسانية مؤلمة، بل لما يحمله من شحنات رمزية وجمالية عميقة تكشف عن طبيعة التحول في الرؤية الشعرية تجاه مفاهيم البراءة، الحياة، والموت. فاختيار “الطفل” باعتباره مركزًا للصورة الشعرية يعكس وعيًا حداثيًا معقّدًا، يُحمِّل النص طاقات دلالية تتجاوز الفقد الفردي إلى المعنى الكوني للخسارة والاغتراب، تصبح القصيدة شاهد عيان وأشبه بالفيلم السينمائي المفتوح، تتجوز الحدود.

كتاب “موت الطفل في الشعر العربي المعاصر” للناقد المصري د. منير فوزي، الصادر عن دار الأدهم للنشر والتوزيع والذي صدر عام 2020، يتكون من 124 صفحة، يحوي مقدمة، تمهيد، ثلاثة فصول ثم خاتمة،وقد امتاز

أسلوب الدكتور منير فوزي في هذا الكتاب  بسلاسة طرحه، وابتعاده عن التنظير الجاف، حيث وازن بدقة بين التحليل الفني للنصوص وقراءة أبعادها النفسية والاجتماعية والتاريخية وطرح بعض أفكاره النقدية. وقد اجتهد بوعي نقدي بديع في اختيار نماذج شعرية مثلت مراحل وتوجهات متعددة، من التجربة الذاتية إلى الرؤية الحضارية ومرورًا بـالصراع السياسي، وكل هذا أضفى على بحثه تنوعًا وغنى في الرؤية والتناول.

وتزداد أهمية هذه الدراسة في ضوء اتساع رقعة الحروب والخراب في عالمنا اليوم، حيث لا يزال الأطفال هم وقود كل حرب وفوضى، هم من يدفعون الثمن الأقصى، نجح الناقد في لفت انتباهنا إلى أن  صورة “موت الطفل” في الشعر العربي أكبر من صناعة زخارف جمالية لكنها أصبحت مرآة صارخة وفاضحة لحقيقتنا، ومحاولة فنية حارقة لفهم هشاشتنا ودمويتنا المعاصرة.

مقدمة الكتاب

يتناول الدكتور منير فوزي في مقدمة كتابه ظاهرة الموت في الشعر العربي المعاصر، حيث ركز على تشكيل واحد مخصوص من تشكلاته وهو موت الطفل. يرى الباحث أن هذا التشكيل يستحق الوقوف عنده نظرًا لثراءه الدلالي والفني والرمزي، إذ تُعد الطفولة مجالًا خصبًا للتأويل الفني لما تحمله من براءة، هشاشة، وحلم نحو الحياة، ويزداد التوتر الرمزي حين تقترن بالهلاك والموت.

إذن تطهر أهمية الموضوع أيضًا عند تناولها من الزاوية النفسية، حيث تؤكد دراسات التحليل النفسي الحديثة أن الطفولة تمثل حجر الأساس في تشكيل شخصية الإنسان. ويضيف الباحث أن ارتباط الموت بهذه المرحلة يعمّق من التأثير العاطفي لدى المتلقي، ما يجعل صورة “موت الطفل” أكثر قدرة على إثارة التعاطف وإنتاج المعاني والصور ذات التدفقات المشهدية.

أما المنهجية، فقد اعتمد الباحث على تحليل النصوص الشعرية من الداخل، كاشفًا عن مستوياتها الجمالية والدلالية، إلى جانب استحضار السياق التاريخي والمجتمعي والنفسي، مؤكدًا أن المبدع ابن عصره وزمنه وبيئته، والصوره الشعرية تتشكل من التفاعل مع الواقع والذات. كما اوضح أن هذه الصورة ليست جديدة تمامًا بل متصلة بجذور تراثية عميقة، ويؤكد أن العلاقة الإبداعية ستظل تواصلية بين القديم والحديث.

التمهيد

يبدأ التمهيد ببيان أهمية الصورة الشعرية في تشكيل القصيدة العربية المعاصرة، إذ يرى الناقد أنها تمثل المجال الذي تتعانق فيه مختلف الأدوات البلاغية القديمة والحديثة، لتكشف عن الجوهر الجمالي للنص. ويرفض اختزال الصورة في مفاهيم البلاغة التقليدية (كالاستعارة والتشبيه) فقط، مؤكداً أن الشعر الحديث وسّع من مفهوم الصورة لتشمل البعد النفسي، الرمزي، الزمني، والمكاني، وهو ما لم يكن معهودًا في الصورة القديمة التي ظلت مرتبطة غالبًا بالبيت الواحد.

يشير الباحث إلى أن الصورة الشعرية في القصيدة الحديثة قد تحوّلت إلى لوحة كلية تنصهر فيها الرموز والتجربة الذاتية، وتُعبّر أيضًا عن وعي الشاعر المعاصر بتعقيدات الواقع والهموم الفردية والجمعية. وتظهر ذروة هذا التشكيل الشعري في صورة موت الطفل، التي تجمع بين البراءة القصوى وأقصى الفقد، وهذا يجعلها مشحونة بالإيحاءات  والدلالات النفسية والاجتماعية والوجودية.

أما عن مصادر هذه الصورة، فيحددها الباحث في ثلاثة:

الموروث الثقافي مثل قصيدة ابن الرومي في رثاء طفله.

التجربة الذاتية حين يرتبط الشاعر عاطفيًا أو معرفيًا بالطفل الميت.

الأحداث التاريخية المعاصرة مثل الانتفاضة الفلسطينية، وحروب لبنان، ومآسي الأطفال في العالم العربي.

ويؤكد الباحث أن التعبير عن هذه الصورة يتم من خلال تراكم بصري- لغوي مكثف، حيث يتحول الطفل من كائن صغير إلى رمز كبير لحالة إنسانية عميقة ومدهشة، يواجه بها الشاعر قسوة العالم، وغربة الذات، وانهيار القيم.

الفصل الأول: موت الطفل والتجربة الذاتية

يفتتح الدكتور منير فوزي الفصل الأول بتحليلٍ معمّقٍ لقصيدة “طفل” لصلاح عبد الصبور، حيث اعتبرها نموذجًا شعريًا متفرّدًا يعكس تجربةً وجدانيةً ذاتيةً تتقاطع مع الكثير من الأبعاد الوجودية والجمالية الساحرة. يُظهر الباحث كيف تمكّن عبد الصبور من تقديم صورة شديدة التأثير لموت الطفل، تمزج بين الانكسار النفسي والتأمل الفلسفي واللغة الشفافة، في حوارٍ درامي داخلي وخارجي، يشبه البناء المسرحي.

مقطع من القصيدة

قولي… أمات…؟

هذا البريق

ما زال ومضٌ منه يفرش مقلتيه

هذي أصابعه النحيلةْ

هذي جدائله الطويلةْ

أنفاسه المتردداتُ بصدره الوردي كالنغم الأخير

من عازفٍ وفد النعاس عليه في الليل الأخير

وتلك جبهته النبيلة

بيضاءُ يلمع فوق موجتها الزبد

قولي… أمات؟

يرى الباحث أن عبد الصبور استلهم أجواءً تشيخوفية، وبالتحديد قصة “الأعداء” لأنطون تشيخوف، لكنه لم يُقلّدها، بل أعاد توظيفها شعريًا ببصمته الأنيقة، محوّلًا المأساة الفردية إلى تجربة شعرية أكثر شمولًا، كونها تحتفي بالرمز والدلالة. ويبرز في القصيدة غياب الصراخ المباشر، والذي يحلّ مكانه التأمل والارتعاش الداخلي، ما يجعل الطفل لا يُقدَّم كضحية فقط، بل كـ”عازف مغلوب” رحل في “الصمت الكبير”. وهنا يلحظ الباحث كيف أن القصيدة تتحول إلى مرثية لنقاء الإنسان ووحشية العالم.

ويُحسب لعبد الصبور قدرته على دمج البنية الكلاسيكية (الحزن، الحوار، المشهد الجنائزي) مع الحداثة في التشكيل الشعري، متجاوزًا النواح التقليدي، لخلق خطاب شعري فني، يعتمد على تراسل الحواس (البصر، السمع، اللمس)، والتوتر الإيقاعي، واستخدام “الرفض العاطفي” عبر تكرار عبارة “لا تلمسيه”.

ينوّه الباحث إلى أن نص “طفل” لا يقف عند حدود الحزن، بل يؤسس لوعيٍ شعريٍّ معاصرٍ بما يخص قضايا الموت، مشيرًا إلى أن عبد الصبور استطاع أن “يُسكن” الطفل في صدره، ليس في شكل جسد ميت، لكنه خلق منه “أيقونة للحياة” في بعدها المتألم.

وبشكلٍ موجز جدًا، نتناول ما كتبه الباحث عن قصيدة “رامي” لعبد الرحمن صالح العشماوي، حيث اعترف بقيمتها العاطفية، لكنها – مقارنةً بقصيدة عبد الصبور – تأتي أكثر مباشرةً وخطابيةً، إذ تميل إلى التقريرية والانفعالية، وتنتمي إلى خطاب تعبوي ضد العدو الصهيوني، ما يجعلها أكثر انتماءً للمشهد السياسي من المشهد الجمالي الداخلي.

في نقد الباحث نلمس تفضيله للتعبير الوجودي الرمزي كما لدى عبد الصبور، على حساب التعبير الصارخ والمباشر كما في العشماوي، وهذا يثير تساؤلًا نقديًا عن حدود التوظيف السياسي في شعرنا العربي ومدى تأثيره على عمق الصورة الجمالية.

الفصل الثاني موت الأب والتجربة الحضارية

“مقتل صبي” – أحمد عبد المعطي حجازي

يرى الدكتور منير فوزي أن قصيدة “مقتل صبي” تُعد من أجرأ النصوص الشعرية في التعبير عن الصدمة الحضارية التي يختبرها الإنسان العري المعاصر، حيث يتقاطع فيها موت الطفل مع تناقضات المدينة الحديثة، في توليفة تجمع بين البساطة اللغوية والعمق الدلالي. يصف حجازي طفلًا قُتل في حادث بمدينة القاهرة، لكنه لا يكتفي بوصف الموت، بل يفضح البنية الاجتماعية المشوهة التي أنتجت هذا الحدث، إذ يحوّل الجريمة الفردية إلى رمز لانهيار القيم وتحلل العلاقات الإنسانية في عالم المدينة القاسي.

مطلع القصيدة

الموت في الميدان طَنٌ

الصمت حطَّ كالكَفَنْ

وأقبلتْ ذبابة خضراءْ

جاءت من المقابرِ الريفية الحزينة ْ

ولَوَلَبَتْ جناحها علي صبيٌ مات في المدينة ْ

وما بكت عليه عين ْ

الموت في الميدان طنَّ

العجلات صَفَّرت، توقفتْ

قالوا: أينْ مَنْ؟

ولم يجبْ أَحَدْ

فليس يعرف اسمَه هنا سواه ْ.

يشيد الباحث بقدرة حجازي على تحويل الفاجعة إلى مرآة للعالم المعاصر، ويعتبر أن المفارقة المؤلمة بين براءة الطفل و”غابة الإسفلت” من حوله،منحت القصيدة بعدها الجمالي والتأملي الساحر. كما سنلاحظ ونشعر بالحضور البصري والسينمائي في بناء المشهد، واستخدامه لشخصيات هامشية (الطفل، الأم، المارة) لإدانة اللامبالاة الاجتماعية.

ونتفق مع أستاذنا د. منير فوزي، فقد نجح حجازي بامتياز في إيصال فكرته النقدية دون السقوط في الخطابة أو المباشرة، إذ نجد أنفسنا داخل هذا  المشهد الحيّ عبر أدوات سينمائية وجمالية  كالصوت الداخلي الذي سنشعر أنه مثخن بالسخرية والمرارة، وكأن الشاعر سعى أن يوقظ ضمائرنا بدلًا من مهادنتها، ويصنع من هذا “الطفل المقتول” مرآةً للمجتمع، وليس صناعة حكاية لضحية ماتت بالصدفة وسنتذكر هذه القصيدة عند كل موت كهذا.

 “كان كريشنا طفلًا” – محمد إبراهيم أبو سنة

أما في قصيدة “كان كريشنا طفلًا”، فينتقل الباحث إلى مستوى الصدمة المدنية المتقدمة، حيث يصبح الطفل رمزًا لعالم منتهك روحيًا في ظل الرأسمالية العالمية. يستلهم الشاعر حادثة واقعية من جريدة هندية عن عصابات تتاجر بأعضاء الأطفال، ليجعل منها منصة شعرية تسائل الضمير الإنساني، وتفكك زيف التحضّر الحديث.

مطلع النص

كان (( كريشنا )) ابْنًا لامرأة من (( بيهار ))

تطحن أيام العمر المجدبِ

فى وحل الطرقاتْ

كى تحمل شيئاً لكريشنا غيرَ الكلمات

كِسَرةَ خُبزٍ

أو قطعة حلوى

بَعْضَ فُتاتْ

يتلقفُه العصفور الذاهل

 من نوبات الجوع

و تبريح الوحشة.

كان كريشنا ابنًا لحكيمٍ هنديٍ متواضعْ

يؤمن بالأشياء الأولى

كالأرض ، النار ، الماء ، الأشجار

كان كثيراً ما يتأمل هذا العالم

هذا الوحشَ الأبْلَهَ

يفتك بلإنسان.

يرى الباحث أن أبو سنة لم يقدم الطفل كضحية، صوره هنا كرمز أسطوري – “كريشنا” الإله الهندي الذي كان طفلًا – وهذا حلق بعدًا روحانيًا وميتافيزيقيًا على الحدث الواقعي. والمقصود هنا بـ”ميتافيزيائيًا” أن الطفل لم يعد مجرد كائن محسوس أو واقعي وقصته محصوره بزمنٍ محددٍ، فقد حُوّل إلى رمز روحي وفلسفي تتجاوز دلالته حدود الواقعة والزمكان، فخلق منه الشاعر سؤالًا أخلاقيًا وإنسانيًا يتحدى ويتصادم مع القيم الزائفة في الحضارة الحديثة.

النص يمتاز – بحسب الباحث – بـغنائية حزينة وتأملية،تمكنت من تفكيك البنية الأخلاقية لعالمنا المعاصر ليس من خلال الإدانة والشعرات البراقة المباشرة، ولكن عبر إبداع مدهش في استحضار أسطورة مقدسة تتقاطع مع المأساة المعاصرة،وكل هذا منح هذه  القصيدة عمقًا رمزيًا وإنسانيًا خاصًا وعالميًا.

الفصل الثالث موت الطفل والصراع العربي ـ الصهيوني

أدونيس – “أغنية الجرح”

خصص الباحث افتتاح الفصل الثالث لقصيدة “أغنية الجرح” لأدونيس، وعرضها بوصفها قصيدة تأسيسية في سياق الشعر العربي الحديث عن “موت الطفل الفلسطيني”. يصف أدونيس الطفل الشهيد بوصفه الآخر المطلق، ويمزجه بعناصر الأسطورة والعرفان، ليصبح الطفل رمزًا كونيًا لـ”الانبعاث من الموت”. يؤكد الباحث أن أدونيس لم يرثي الطفل فحسب، لكنه سعى لجعله مشروعًا شعريًا للتمرد والخلاص.

 شوقي بزيع – “زعموا أن صباحًا كان”

ينتقل الباحث بعد ذلك إلى قصيدة “زعموا أن صباحًا كان” لشوقي بزيع، ويوليها اهتمامًا خاصًا بوصفها نموذجًا رفيعًا لتشكيل صورة موت الطفل الفلسطيني في الشعر المقاوم. يرى أن بزيع ينجح في تجاوز النزعة الخطابية والتقريرية التي شابت كثيرًا من القصائد السياسية، عبر انتهاجه أسلوبًا رمزيًا وإنسانيًا رفيعًا يدمج بين الحزن والاحتجاج، وبين التراجيديا والحنين.

جزء من القصيدة

سأحدثكم عن أيمن

عن فرح الغابات الفاتن

في عينيه

وعن سحر يديه

إذا فرت أنهار الأرض

 وخبأها بين أصابعه

سأحدثكم عن أيمن،

عن قمرٍ تشتبك الأشجار على دمهِ المنسيِّ

قيسقط في النسيانْ

عن طفلٍ يركضُ خلف فراشتهِ

وعن الخنجر

 في أقصى

 الوديان.

زعموا أن العزية ما كانت قرية

كانت زهرةَ دفلى

تفتحُ كلّ صباحٍ نافذة الأزهارِ

وتورق قبل بزوغِ الشجر العربيِّ

بشمسٍ واحدةٍ وربيعين.

القصيدة، بحسب رأي الباحث، تصوغ الطفل الشهيد لا كرمز سياسي جامد، بل كجسد طريّ مصلوب على شمس المجاز. يبدأ النص من مشهد واقعي لطفل قتله الاحتلال، لكنه يتحول تدريجيًا إلى كائن ضوئي، يغادر الجغرافيا ليحضر في زمن أسطوري شعري. ويتعمق الباحث حول استخدامات الشاعر لتقنيات التكثيف، المفارقة، والصورة المركبة، إضافة إلى التناص القرآني والميثولوجي، في سبيلمنح الطفلالرمزية والقداسة التي يستحقها.

كما يشيد الباحث ببراعة بزيع في استحضار صور الحياة الطفولية الصغيرة (حليب الأم، ألعاب البيت، لهفة الركض)، ليجعل الموت أكثر إيلامًا وأكثر تمردًا على العادي، بزيع شاعريقلب المعادلة الشعرية من رثاء الضعف إلى تخليد البطولة الطفولية.

 نجح شوقي بزيع في تثوير الصورة الشعرية لموت الطفل، متجاوزًا الأدلجة الفجة، ومخترقًا جدار التلقين السياسي ببلاغة حزينة تستدعي القارئ إلى وجدان الطفولة لا فقط إلى الشعارات. كما استطاع أن يمنح “جثة الطفل” كرامة رمزية ومكانة شعرية، عبر موسيقى داخلية شجية وصور متعددة الأصوات.

يجذبنا الناقد الكبير د.منير فوزي بأساليبه التحليلية، خصوصًا في تفكيكه للبنية الجمالية والرمزية، ولفت انتباه القارئ إلى أن القصيدة بنيت صورتها على نفي الزمن الواقعي وإحلال زمن مجازي رمزي. القارئ للكتاب يشعر بمتعة كبيرة وقد يتشجع في مقارنة هذه القصيدة بالنماذج الأخرى، وسيشعربجمال كل هذه النماذج، وقصدة بزيع تتسم بالتأمل البصري ألروحي وديناميكية مشهدية صورت بنية “الطفولة الشهيدة” بلغة إنسانية صادقة دون زخارف أو مبالغات.

خاتمة الكتاب

في خاتمة هذا الكتاب، يعيد الدكتور منير فوزي تأكيد فرضياته الأساسية حول صورة موت الطفل في الشعر العربي المعاصر، موضحًا أنها لم تكن محض انفعال لحظي أو تعبير وجداني مباشر، تتوالى التجارب لخلق صورة شعرية مركبة وعميقة، ذات جذور تراثية، وتحولات حديثة، تتشابك فيها الرمزية والبعد النفسي والوجداني والتاريخي.

يشدد الباحث على أن هذه الصورة قد مرّت بثلاثة مسارات رئيسية

التجربة الذاتية، حيث يتحول الطفل الميت إلى مرآة للذات المنكسرة.

التجربة الحضارية، حيث يصبح الموت كشفًا عن عطب حضاري وقيم مهدورة.

التجربة السياسية/القومية، وخاصة في السياق الفلسطيني، حيث يتحول الطفل الشهيد إلى أيقونة مقاومة.

ويؤكد أن الصورة الشعرية الحديثة لم تعد تعتمد على البلاغة والمحسنات التقليدية، بل هناك تجارب عربية استوعبت أساليب الدراما والتشكيل البصري والأسطورة،وهذا  منح قصائد موت الطفل طاقة تعبيرية عالية، تجلّت في نماذج مثل عبد الصبور، حجازي، أبو سنة، وبزيع.

ويلفت الباحث إلى أن “موت الطفل” في هذه النصوص لم يكن نهاية، لكنه بداية رمزية لصراع مستمر، ومجالًا لإنتاج خطاب شعري حاد وملتهب بالمشهدية، يُعيد مساءلة الإنسان والعالم، ويمنح القصيدة العربية صوتًا جديدًا يتقاطع فيه الحزن بالاحتجاج، والفقد بالأمل.

في ختام قراءتنا المتواضعة لكتاب “موت الطفل في الشعر العربي المعاصر”، ندرك أن هناك زوايا عديدة لم ننتبه إليها في القراءة الأولى، تعود أهميتها إلى العمق الكامن في النصوص المختارة، وإلى الحسّ النقدي الهادئ والدقيق الذي اتّبعه الدكتور منير فوزي في تناوله. فقد استطاع أن يقدّم لنا درسًا نقديًا رفيعًا، ليس في تحليل الشعر فحسب، بل في كيفية الاقتراب من القضايا الكبرى بأسلوب علمي وإنساني يبتعد عن الضجيج، ويصغي بصدق لصوت القصيدة، دون أن يغفل سياقها الفكري والاجتماعي.

هذا النوع من الكتابات يُعيدنا إلى أسئلة جوهرية حول واقع النقد العربي: أين يقف اليوم؟ وهل ما زال قادرًا على إنتاج معرفة جمالية تتفاعل مع الأسئلة المعاصرة؟ في ظل سيادة الخطابات النمطية أو الانطباعية، تبدو مثل هذه الدراسات بمثابة نافذة مضيئة تُنبهنا إلى ما يجب أن يكون عليه النقد العربي، من صرامة تحليلية وعمق تأويلي، دون أن يفقد دفء الإنصات للنص ومحيطه.

إن كتاب د. منير فوزي دعوة ضمنية إلى تنمية أدواتنا النقدية، والارتقاء بمستوى تناولنا للشعر والأدب عمومًا، لنخرج من جمود التكرار وضعف المنهج. كما يؤكد الكتاب الحاجة إلى دعم حقيقي للجهود النقدية المدعة، من خلال مؤسسات ثقافية وجامعية تؤمن بأن النهضة الأدبية يجب أن تُبنى على نقد إبداعي جاد وحداثي.

وإذ نستفيد من تجربة أستاذ قدير مثل د. منير فوزي، علينا أن نعيد التفكير في مسؤوليتنا كقرّاء ونقّاد، وأن نمنح النقد ما يستحقه من احترام واهتمام، ليظل أداة جمالية تحرّرية، لا مجرد هامش مهمل في المشهد الثقافي.

حميد عقبي

7 مقال
كاتب وناقد، فنان تشكيلي ومخرج سينمائي ومسرحي يمني مقيم في باريس. يعمل منذ سنوات على مشروع متعدد الحقول يدمج بين…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع