بول أوستر .. لماذا لا تزال رواياته البوليسية ما بعد الحداثة مهمة؟

بول أوستر
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

بن ليبمان

ترجمة: أحمد شافعي

لم أرَ بول أوستر شخصيًا إلا مرة واحدة. كان منحنيًا يلتقط قصاصة جريدة من رصيف في برودواي قرب جامعة كولومبيا. اعتدل وتفحص الورقة عن كثب، ودسها في جيبه، ومضى في طريقه. ما زلت لا أعرف هل كانت تلك القصاصة قد وقعت منه أم أنه صادفها في طريقه. فلم أكن منتبها إليه، لأنني لم أتبين أن الشخص الذي كنت أنظر إليه إنما هو بول أوستر، الروائي والشاعر الأمريكي المشهور الذي يحظى باحتفاء كبير لأعماله ذات المزيج الفريد من السريالية الأوروبية وما بعد الحداثة الأمريكية. وما كدت أتبينه، حتى أدركت أنه تصرف على النحو الذي يليق بشخصية في رواية من رواياته، أي بغرابة غامضة في لحظة، ثم بغموض غريب في اللحظة التالية. فما الذي كان في تلك القصاصة الصحفية؟ ولو أنها كانت تخصه، فما الذي جعله يتمعن فيها؟ وإن كانت لا تخصه، فلماذا دسَّها في جيبه؟

يمكن القول إنني مدين له بهذا النوع من التساؤلات، للألغاز الميتافيزيقية والانعطافات المحيرة في روايات له من قبيل «قصر القمر» (1989) التي يكتشف فيها يتيم شبيه بالمصادفة بأوستر والده المفقود، و«اللوياثان» (1992) التي يسرد رجل فيها مصادفات أفضت بصديق له إلى وفاة مروعة. وأدين بهذا بصفة خاصة إلى «ثلاثية نيويورك» وهي المعالجة الأسلوبية الفلسفية الميتافيزيقية للرواية البوليسية. فالجزء الأول منها، وهو «مدينة الزجاج (1985)، يكشف لغزا قد يكون في واقع الأمر من نسج خيال بطل الرواية دانيال كوين، مؤلف الروايات البوليسية الذي تحول إلى محقق خاص يصادف عددًا من الشخصيات تحمل اسم بول أوستر وثنائيًّا مؤلفًا من أب وابنه كلاهما يدعى بيتر ستيلمان. وفي الجزء الثاني من الثلاثية، أي في رواية «أشباح» (1986)، يكلف رجل اسمه وايت [أي أبيض] محققًا خاصًا اسمه بلو [أي أزرق] بمراقبة رجل اسمه بلاك [أي أسود]، ليتبين أن الثلاثة واحد. وفي «الغرفة الموصدة» (1987)، وهي آخر أجزاء الثلاثية، يختفي كاتب اسمه فانشو مطلقا بذلك قصة بوليسية وتأملًا ذاتيًا يداعب مجازات النماذج الأولى من هذا النوع الروائي.

سيطر عليّ التفكير في قيام أوستر بدس تلك القصاصة الصحفية في جيبه، فربما كنت بذلك أحمل الراية بعد كوين الذي لا يتحول في «مدينة الزجاج» إلى محقق خاص إلا بتلقيه اتصالًا هاتفيًا خاطئًا أجراه شخص متصورًا كوين شخصًا آخر. يجد كوين نفسه يجوب شوارع الجانب الغربي الأعلى من منهاتن متعقبًا بيتر ستيلمان الأب الذي بلغ تطرف آرائه في اللغة حد أنه عمد إلى تربية ابنه في معزل عن الكلمات. يبدو ستيلمان في سيره في الشوارع كمن يخط حروفا عملاقة من بنايات المدينة الزجاجية عبر حركته مكوِّنا كلمة شفرية لجمهور مجهول ولا يمكن في الحقيقة تخيله أصلا. أو هذا ما يتصوره كوين، الذي يفكر أنه ربما لم ير تلك الحروف «إلا لأنه أراد أن يراها».

برواياته عالية الأسلوبية شبه الفلسفية، نال أوستر ثناء كبيرا، إذ أشاد به نقاد معتبرين أنه معلم جديد من معلمي الرواية البوليسية الأمريكية ما بعد الحداثية. ولبعض الوقت من أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، حينما فاز ضمن تكريماته الكثيرة بجائزة Prix Médicis étranger من فرنسا، بات أوستر من أشهر روائيي ما بعد الحداثة في هذا البلد. ولم يكن هذا فقط بسبب أناقة رواياته، ولكن أيضا بسبب ما رآه النقاد من سهولة في غزواته الميتاسردية التي لم يستعص تتبعها قط ـ على العكس من توماس بينشن. وفي القرن الحادي والعشرين، مع ازدياد الألفة بنوع الرواية البوليسية التجريبية، بليت الجدة، وأصبحت سهولة أسلوب أوستر أشبه بعيب قاتل، مصداقا لما رآه منتقدوه لديه من ولع بالكليشيه، ومن الخفة، وافتقار إلى الإبداعية الحقيقية، وشتى الانتقادات التي حفلت بها سنة 2009 مراجعة نقدية لا تنسى كتبها جيمس وود في ذي نيويوركر.

أعترف -شأن جيمس وود- أنني أجد شيئًا من حوار أوستر غير مقبول، وأرى بعض آرائه الفلسفية (في طبيعة اللغة على سبيل المثال) أولية للغاية. ولكن الإسهامات التي قدمها للأدب الأمريكي تبقى برغم ذلك حقيقية، وجوهرية. فقد علمتنا أعمال أوستر أن أفعال كتابة الرواية وأفعال حل الجرائم قد يكونان من دم واحد، وأن الكلمة ومفتاح اللغز قد يكونان رمزين من طبيعة واحدة. لقد أدرك مبكرا أن القصة البوليسية -أكثر من أي نوع أدبي جماهيري آخر- تتيح فرصا فريدة للروائي الرامي إلى استنطاق قالب الرواية نفسه وملاعبته. (ويفسر هذا سبب كون الجوانب الفلسفية لاهتمامه اللغوي أقل أهمية من رؤيته لأن المشكلات المتأصلة في اللغة قد تكون مصدرًا لتوتر سردي).

تمثل الحبكة البوليسية النشاطين الأساسيين في فنون الأدب -أي القراءة والكتابة- وكذلك النشاطين الأساسيين في التحقيق البوليسي نفسه. فالمحقق البوليسي، أي الباحث في الآثار المتبقية من لغز (قد يكون جريمةً، أو رحيلًا مفاجئًا، أو مؤامرة) هو في آن واحد قارئ وكاتب. ومفتاح اللغز علامة، يقرأها المحقق، وقصة الجريمة قصة يكتبها بحلها. ولقد كان ممارسو هذا النوع الأدبي الأوائل ينزعون إلى إبراز المحقق بوصفه قارئًا. وانظروا في قدرة شيرلوك هولمز على «قراءة» القضية من انبعاج في قبعة على سبيل المثال. والمهم في كل قصة هو القراءة الصحيحة لمفاتيح اللغز، أما كتابة الجريمة -عن طريق واطسن- فيسيرة بالمقارنة. وفي النهاية، يصبح كل شيء في مكانه.

أما أوستر فهو مهتم بمشكلة المحقق بوصفه كاتبا. فقد «يقرأ» كوين ويحسن القراءة، وهو ينجح بالفعل في فك شيفرة كتابة ستيلمان العملاقة في شوارع منهاتن، لكنه حينما يبدأ في الكتابة تتهاوى الأشياء. يجري إبراز أفعال استخراج معنى مفتاح اللغز وربطه بشبكة مؤامرة أكبر باعتباره أمرًا اعتباطيًا، فالمفتاح قد يكون ببساطة عديم المعنى، أو إشارة خاوية، والمؤامرة غير موجودة، والأمر كله محض إسقاط. يُعتقد خطأ أن كوين -مؤلف الروايات البوليسية الذي يكتب باسم مستعار هو وليم ويلسن (وهو اسم الراوي في قصة «وليم ويلسن» لإدجار آلن بو)- هو «بول أوستر» الكاتب الذي يُعتقد هو نفسه خطأ أنه محقق. ومغزى هذا الفيض الجارف من الهويات الخاطئة يضاعف من سؤال الدافع في كل أعمال أوستر: كاتب أم محقق، ما الفارق؟ فلا يقتصر الأمر على أن الروائي يرى نفسه في المحقق، ولكن المحقق أيضا يرى نفسه في الروائي. يقول كوين: إن «الكاتب والمحقق عمليًا قد يحل أحدهما محل الآخر».

لم يكن أوستر أول من يعثر على منجم إمكانيات التجريب الأدبي في الرواية البوليسية. فرواية «الكلب الجاري» (1978) لدون ديليلو سبقت الثلاثية بقرابة عقد. كما أن توماس بينشن -ولعله المثال الأشهر في هذا الصدد- قد استكشف الرابط بين ما يعرف بأسلوب البارانويا في السياسة الأمريكية والاتفاقات التآمرية في الأدب البوليسي. غير أن أوستر أصلحُ -جماليًا- للمقارنة مع بطله صمويل بيكيت الذي كانت ثلاثية رواياته بوليسية بقدر ما هي أدبية. رواية «مولوي» (1951) لبيكيت رواية من قسمين (الأول عن مولوي والثاني عن محقق خاص اسمه موران) وربما كانت أول رواية في القرن العشرين تركز على الطبيعة الكتابية والإمكانات الميتاسردية في التحقيق البوليسي. (وجاءت بعد مولوي روايتان لتشكلا معها ثلاثية، شبيهة بثلاثية نيويورك). عندما يتم تكليف موران من قبل رئيسه بـ«تولي أمر مولوي» فإنه يشرع في سعي يتحول من خلاله في ما يبدو إلى مولوي، بل ويزداد ضعفًا مع بحث بيكيت في التناقضات القائمة بين دافع المحقق إلى إضفاء معنى على كل شيء والمخاتلة المتأصلة في عملية صنع المعنى.

وبالمثل يدور اللغز الأساسي في «مدينة الزجاج» حول أزمة المعنى التي تتجسد في بيتر ستيلمان الابن، الذي يتحدث بفهم معيب للغة. ووالده، البروفيسور، هو سبب علته. يعيش بيتر في المعادل الأمريكي لما عاشه مولوي، إذ أغلق عليه والده غرفة معتمة على مدى طفولته فأصبحت اللغة غريبة تمامًا عليه وبدأ أخيرًا يتعلم كيف ينتجها. يقول لكوين: «هذا هو ما يسمى التكلم. أعتقد أن هذا هو المصطلح. عندما تخرج الكلمات، تطير في الهواء، تعيش للحظة، وتموت. غريب، أليس كذلك؟». بيتر هو أول إبداعات أوستر التي تجهر بهمٍّ سوف يحرك الكثير من أعماله التالية، وهو أن الكلمة ومعناها لا يرتبطان إلا بالصدفة.

سعي كوين إلى اكتشاف ما جرى بالضبط لبيتر هو في الوقت نفسه بحث في مأزق اللغة ما بعد الحداثي النمطي. كيف نثق في اللغة وما من علاقة أصيلة للكلمات بالأشياء التي تعنيها؟ لقد كتب أوستر في سن العشرين أن «اللغة ليست خبرة، وإنما هي وسيلة لتنظيم الخبرات». وواصل قائلا: إن «الشعور بالغربة تجاه اللغة هو فقدانك جسمك». وبيتر ضحية لهذه الفجوة بين الخبرة (أو الحياة) واللغة، ضحية أب لم يستطع أن يتسامح مع تعريف ابنه باللغة طالما بقيت هذه الفجوة قائمة. فالأب يسيطر عليه اعتقاد بأن اللغة عالقة في حالة قصوى من اللامعنى: «باتت الأسماء منفكة الصلة بالأشياء، وتدهورت الكلمات إلى مجموعة علامات اعتباطية». يخترع «لغة تقول على الأقل ما يجب أن نقوله. لأن كلماتنا لم تعد متوافقة مع العالم».

بالنسبة لبعض النقاد، كان بحث أوستر في لغز العلامة من خلال رواية بوليسية لا يعدو كثيرا لعبة ضحلة. لكن أوستر بالنسبة لآخرين، وأنا منهم، هو الذي عثر في مشكلة لغز اللغة على وسيلة لدفع حدود الرواية البوليسية، وبالتبعية، الرواية بصفة عامة. ومن خلال الإصرار على أن الكتابة قد تكون شكلا من أشكال التفكير التآمري، طوّر أوستر المنعطف الميتاسردي في الأدب الأمريكي وسمح باتباع نهج أبسط في التعامل مع القالب الذي نادرا ما وجد أنصارا في حقبة نشر سيطرت عليها الواقعية في السنوات الفاصلة. يجب أن نتذكر أوستر بوصفه التجريبي الذي تجاسر على التفكير في أن الرواية لا تزال قادرة على أن تكون جديدة.

…………………..

*بن ليبمان مؤلف كتاب «العزلة الثالثة» الذي يصدر قريبا عن مطبعة داندرم، ويقيم في باريس.

*نشر هذا المقال في ذي ييل رفيو إثر وفاة بول أوستر في الثلاثين من ابريل 2024

مقالات من نفس القسم