حاوره: سامر الياس سعيد
يمثّل الحوار مع شخصية مميّزة، متعددة المواهب، شاعر في القصة القصيرة والرواية والمقال والسينما وحتى المسرح الذي مثل على خشباته في العراق، هو بولص آدم، في ذروة من ذرى الإفصاح عمّا يعتري الأدب هنا في حوارنا معه، ولا سيما في أجناسه الإبداعية التي تدعو إلى الابتكار. إذ يدعوك الكاتب إلى اكتشافات أخرى كقارئٍ ومتابع، فيحمل لك شعلة الضوء ليقودك إلى أعماق أخرى في البحث عن الحقيقة. وتستطيع أن تعيد قراءتك لسطور كتاباته ورواياته، فتكتشف هاجساً آخر تخفيه تلك السطور، وتبحث عنه بكل جهدٍ ممتع، فتنكشف أمامك طُرقاً مبتكرة تصدّى لها الكاتب بولص آدم ليكشف عنها النقاب في رحلة الأدب، التي لا تكتفي بكونها أخذت من جهده الكثير، لكنها أيضاً تنتمي إلى جهوده المضنية، كرحلته بمجال النقش والنحت مع حجر الحلان والمرمر، وتلامسه معه كأثرٍ آشوري يعتز بالانتماء إلى حضارته الموغلة في القدم.
أنصتُ إلى أجوبة الكاتب، فتأخذني أجواؤه المترعة بالموسيقى وطقوسه المستوحاة من استقراره بمدينةٍ حالمة ترفع شعار الثقافة لتصافح يد الصناعة، هناك في مدينةٍ تستقر في وسط القارة العجوز.
أدعوكم لمرافقته معي في جولته بين رائحة الكتب وثنايا قريته ديري الغارقة بلمسات الطبيعة الربانية، والعديد من القضايا التي تشغل باله، في حوارٍ هاكم تفاصيله:
س1/ لنبدأ من روايتك (تسجيلات يوناذم هرمز.. ابن قرية عراقية) هل لاقترابها من السيرة الذاتية والمذكرات، يربك ارتباطها بجنس الرواية مثلما ترضخ المذكرات لمعايير محددة قد تختلف عما هو محدد بجنس الرواية؟
– أشكرك على طرح السؤال بهذه الصيغة، وهو من الأسئلة المتوقعة والملامسة لظروف تبني فكرة النص، والقرار الذي اتخذته بكتابة رواية شاملة ملحمية في نص بانورامي طموح، غايته الابتكار والتجديد والمختلف عن كل ما هو قبله، يجمع في تركيبته السردية، كل شيء أسلوبي متوقع وغير متوقع، فأنت حصلت على سيرة يوناذم من خلال شخصية يوناذم النصية الروائية، وهكذا تهيأ لي كسارد لأن أسمح للشخصية الرئيسة، أن أمنحها صوتي عند الضرورة، وأجعلها ترتقي من الشفاهي الشعبي الأصلي إلى الأدبي الصافي، دون التضحية بعفويته ورغبته في حفظ وتدوين ما عرفه وسمعه عن قريتنا وعائلته وعن حياته وتحولاتها، هي رحلة عبر الزمن والاكتشاف ومُساءلة التاريخ الذي لا يقول كل شيء، بل ينتقي فقط.. لدينا في النص عشرات القصص والمباحث والأحداث والفواصل التاريخية التي تهم شعبنا، لدينا في الرواية، عالم قرية تاريخية ومدن عراقية وشرقية وأخرى غربية، في نسيج من الروي متعدد الأصوات، وحبكة رئيسية وحبكات ثانوية، وعقد وحلول ونهايات مختلفة، وليس سيرة شخص بعينه مكتوبة بأدوات مكشوفة نعثر عليها في العشرات من السير المعروفة.. لو كانت سيرة للآخر، لاكتفى كاتبها بخمسين أو سبعين صفحة كحد أقصى وليس بمئات الصفحات.. أحيي يوناذم على وعيه وقيامه بتسجيلات صوتية قبل سنوات طويلة وإصراره على أن يتم توظيفها في كتاب يوماً ما، وهكذا جاءت إلي كي أضيفها إلى مخزوني وأعيد صياغة كل شيء لتتحول الى النص الذي تفضلتم بقراءته. شكراً لك للبدء من نتائج مغامرتي الابداعية والمنجز الفعلي المتحقق في روايتي الخارجة من رحم النسيان بما يتعلق بقرية ديري، بل ان الرواية ولدتها ديري وهي أُم ترملت.. وهي في مرحلتي هذه من مشروعي “الواقعية الوحشية”، تتغذى كحقيقة وخيال من تدفق الحساسية الجديدة واستيلاد المُختلف نصياً في كل نص لي ومنذ قصتي القصيرة (جنود في العتمة/ 1980) وحتى الرواية المذكورة.. لم يعد في نصوصي ما يخضع لمعايير تجنيس تقليدية. ومعايير مسبقة وبالمناسبة يؤكد التنظير الأدبي المعاصر، استحالة وضع معايير قياسية في مسألة التجنيس والنوع الأدبي، صارت الرواية المعاصرة، كيساً تجمع فيه كُل ممكنات الوسائط التعبيرية الابداعية. بل هناك قراءات مختلفة للنصوص التي تستحق الدرس بالتأسيس على الواقع القيمي المبثوث في النص ومن خلال رؤية المؤلف، وأنا كاتب رؤى، ولست كاتب ناقل للأخبار بنية الأيصال الطبيعي فقط، وديري قريتي، هي واقع بشخوصها وحيواتها بمكانيتها وأزمانها، لكنها لم تعد صور فوتوغرافية في ألبوم طبق الأصل، محدود الأيحاء ومحاصر بمقاس معين، بل تحولت، وخاصة منذ عرفتها وأنا طفل و بالمعايشة الكاملة لعامين في الثمانينيات خلال التفجير الثاني لها وتدميرها الوحشي ثانية بمبرر واهي، إلى كون سردي، وكتبت عنها رواية في “سجن أبو غريب” بعنوان (أقواس في حفرة) عام 1989، الحفرة الواسعة العميقة أمام الدير مباشرة، خلفتها قنبلة أسقطتها طائرة في أيلول عام 1961، الأقواس هي شفرة سيميائية، تدل على أزمان موسمية سابقة ولاحقة. الرواية تلك، أخرجها من السجن أخي الفنان الراحل لوثر إيشو، وكانت بأسلوبية سبقت زمانها في الرواية العراقية على الأقل، واعتمدت على استنطاق جماد هو بقايا قنبلة كصوت سارد رئيس من ضمن أصوات ساردة مكملة أخرى! هذا ليس واقعياً ولا سيرياً بل مكتوب بتقنيات ما بعد الحداثة وسردها يجترح الواقع ويرفعه إلى مصاف فني أدبي وهو مستوى تعبيري رؤيوي لقول شيء ما، نعم كتبتها عام 1989 في زنزانة وكانت لتكون ريادية من صنفها وسابقة نادرة لم يعرف الروي الشرقي مثيل لها، ولكن المخطوطة فُقدت خلال ظروف قاهرة لأهلي في الموصل، وأنا في الغربة منتصف التسعينيات، لن أسهب في الحديث عن هذا الجانب المُر أكثر، وعن آخر رواياتي لكي لا تفقد قيمتها وأتركها لتناولها القرائي المتعدد في ملحمة تنطلق من القرية التي بالكاد تذكرها الخرائط، الى العالم، بما هو متوقع في وصف كل جزئياتها وغير المتوقع بالغرابة وكم الخيال فيها وبتواضع، والسيرة هي رافد واحد من روافد عديدة غذت دراما النص. كتبتها بصدق واخلاص وبنزاهة تليق بها وبشخوصها وأحداثها وبأمانة تامة، فبعد عمر طويل برفقة القلم وتراكم الخبرة، من الطبيعي وبتواضع أن أكون أميناً في خطابي الروائي.
س2/ مثلما تفضلتم، تتخذ الرواية المذكورة من قرية (ديري) مركزا لأغلب الاحداث، فما الذي بقي من تلك القرية في اعماق بولص ادم، لاسيما وهي من رواسب البيئة الاولى وهل لطبيعتها أثر في الكثير مما تنتجه فصول الادب؟
– ربما أعود اليها ثانية بكون روائي آخر بعد سنوات، لا أعلم. هذا يدل على استقرارها المُزمن في أعماقي، من بين مدونات الذاكرة والضمير المخزون، لا أنسى أن أخي الأكبر مني توفي في الكهف الكبير المطل عليها مباشرة بعد أن دمرها القصف الجوي في أيلول عام 1961، في ليلتها الدامية تلك، توفي كنتيجة للقصف، البيت الذي ولد فيه داخل القرية مازال خرابة مهجورة، ربما ولدت من بعده لأروي قصته أيضاً وأكتب سفر القرية وخلودها القيمي قبل أي شئ آخر، وما أنا وهو ويوناذم هرمز الشخصية الرئيسة سوى أولادها التاريخيين وكلانا أنا ويوناذم نعرف الكثير من أسرارها. ويوناذم كسيرة في الرواية، تحول الى شخصية نصية في، لذلك هي رواية وسيرة بنفس الوقت. وهي سرد عشرات الشخصيات وعشرات القصص، بعض منها مُستقات من تسجيلات بصوته في كاسيتات، والبعض الآخر من أحاديث شعب القرية ومجتمعها ومازال عدد منهم على قيد الحياة. لذلك قررت كتابتها ثانية كرواية وهذا ما حصل فعلا، مع الأخذ بنظر الاعتبار، إن الرواية في أعماقي لا تعرف السكون وتتحدى أي خاتمة، لا تريد الموت، بل أن تعيش أطول فترة ممكنة، لطالما لم أكتف ورغبت أن أفهم، دافع الكتابة لدي يتلخص في، أن أفهم.
س3/ اتخذت من واقعيتك الوحشية كما أسميتها أكثر من مرة، أسلوبا محددا من خلال ما تنتجه، لاسيما من مجموعتك القصصية (باصات أبو غريب) وحتى الرواية الاخيرة فكم من الخيال تستعين به لتكثيف السرد وتهيئته لأذهان القارئ؟
– كسارد، أشتغل على منطقة تجمع بين التوثيق والتخييل.. مثلاً: أخذ اليتيم هرمز والد يوناذم طفلاً إلى دير الآباء الدومنيكان ومدرسته في قرية مار ياقو البعيدة، هو واقع، لكن ما يحصل هناك والطريق إليه، هو تخييل للواقع، وعند عودته بعد الهجوم على الدير، كله تخييل لما هو حدث موثق وواقعي. مثل آخر. شخصية “خوشابا د مجلس”، هو ابن القرية الذي سمعت عنه مراراً، وتحدث عنه يوناذم في تسجيلاته أيضا،ً لكن المعلومات عنه قليلة، هنا لعبت مخيلتي دورها في رسم الشخصية ومنحها مدى أوسع، لفتح امكانيات البوح السردي بكل حمولاته ونسجه في عالم القرية ومصائر من عاش فيها أو من رحل.. عودة “كينا” إلى القرية مع صندوق سحري وسنطور من شيكاغو بداية الخمسينيات، هو حقيقة لكنني خصصت له عدة صفحات، لعب المتخيل دوره الروائي هنا وهكذا.. لذلك هناك مشتركات وافتراق مع وعن أدب السيرة بمعناه الدارج، الذي تقاطعت معه أحياناً وافترقت أحياناً أخرى.. هَمي الأول، كان تمزيق الستارة التي حجبت ما لم يقله التاريخ كاملاً، بل هاجمته وهشمت الكلائشي منه والمكتوب بطريقة مُريبة. لن أبوح بكل شئ وأتركه للقارئ غير العابر، للقارئ الفعال الحريص، ولكنني وللضرورة أكشف جوانب معينة من صنعتي الروائية، لتسليط الضوء وتسهيل مهمة المتلقي، لكي يجيب على أسئلته هو، أسئلتي في الرواية مدونة، لكن أسئلته مُستقاة والمنبع واحد ونقطة الانطلاق واحدة، ليس أكثر من نص الرواية نفسه، هو من يتولى اكتشاف الأشياء اعتمادا على وعيه وذائقته وتصوراته وهو ما أحترمه. مع عدم إغفال عدم لقائي شخصياً بيوناذم ولا عشت في شيكاغو ولم أقم بزيارتها إلى حد الآن. وهذا ينطبق على روايتي التي سبقتها والمعنونة (نينا تُغنّي بياف) لم ألتق نينا ديلون، ولا باقي الشخصيات، بل إن خوشو وهو واحد من شخصيات الرواية المهمة، ليس مولودا على الأطلاق، هو من تأليفي! ولم أقم بزيارة موسكو مكان إقامة نينا، ويريفان ومرسيليا مثلا قبل كتابة الرواية، إلا أن أحد القراء الأعزاء، عبر عن إعجابه بالمدن التي زرتها وكتبت أحداث الرواية من خلالها، وعندما أخبرته بأنني لم أكن يوماً ما هناك، أجاب بأنه شيء لا يصدق. المهمة شاقة وصعبة طبعاً في مرحلة التحضير، خاصة ونحن نتحدث عن أكثر من قرن كزمن رياضي طبيعي تدور الرواية عبره، لكن الزمن النفسي والعقلاني أكبر من ذلك وأطول بكثير، هكذا أكتب وأتحدى المادة ونفسي، آمل أنني فعلت شيئاً وأنجزته بمستوى قناعتي به. الكتابة؟ لطالما حررتني وهو ينطبق لما بعد الروايتين التي نتحاور بذكرهما وما بعدهما من كتابات، وصولاً إلى نوفيلا “روائي بلا نسخ” والسرد البصري في كتابي الأخير”أوديسيوس المشرقي”.
س/4 نتجه لتاثير العائلة، فانتمائك لعائلة فيها فنان وتشكيلي ومطرب وموسيقي، هل أسهم ذلك، ببلورة ذائقتك الفنية وحدد مسارك الابداعي والادبي؟
– لحسن الحظ أننا ولدنا في عائلة شجعتنا ووفرت لنا فرصة الابداع، كان أبي بخلاف الآباء من أقاربنا الداعم المعنوي الرئيسي لنا، كُنا من الطبقة المتوسطة وأحياناً من الفقيرة، مع ذلك عمل المستحيل لدعمنا، وأُمنا رغم انها أُمية، لكنها هي من كان يغسل فرش الرسم، وتوفر للوثر إيشو مكاناً للرسم، بل كانت تتدخل أحياناً بعفوية فيما يرسم، وعندما كنتُ طفلاً يذهب إلى دورة تعلم العزف على آلة الكمان، رافقتني ذات مرة حتى بوابة المكان وانتظرتني على عتبته حتى خرجت، وقالت لي، هيا أسمعني ما تعلمت! وكنتُ في الخامسة يومها.. كان دارنا من دور موظفي السكك في محطة أربيل.. أقص فريم من شريط سينمائي، وأحشره في ثقب بباب المخزن، ثم أسلط عليه حزمة ضوء تعكسها مرآة، فتنشأ صورة من الفيلم على الجدار داخل المخزن، كانت جدتي، تفتح الباب وتستغرب، فتقول لهم، سَيَجُن بولص يا إيشو، تعال وخلص ابنك من الترهات! يضحك أبي ويقول، اتركيه بما هو مُنشغل فيه، هو يفكر لا أكثر! هكذا تخمرنا قبل أن تخبزنا تجارب الحياة والقراءة، أرغفة إبداعية.
س5/ تقيم في النمسا منذ سنوات طويلة، هل أسهم الفن الذي تمتاز به حواضر المدينة، بتمتين ذائقتك الفنية لاسيما اشتغالاتك المعمارية عندما كنت في الوطن؟
– مدينة لينتز النمساوية، حيث قضيت أكثر من نصف عمري فيها، ترفع شعار (مدينة الثقافة والصناعة)، الثقافة فيها مستقلة وحرة، وتعتمد على الموارد الأهلية أكثر منها على الحكومية، أو بالتعاون بينهما مثل فعاليات لينتز كعاصمة للثقافة الأوربية، للبنوك دور كبير في تمويل الفعاليات الثقافية، لقد درست في جامعاتها وفترتي الأكاديمية تلك كطالب ماجستير، كانت غنية جداً. عندما وصلت هنا، بصراحة، ربما كنت أقرب إلى الأعمى، نظراً لفقر وقساوة ما عشته في بلدي، كانت الكتب والمصادر والموسوعات، أغلبها قديم وبدون عصرنة ومواكبة لآخر ما ينتج ويستجد في العالم، هنا فتحت عيني وعقلي وروحي لأنهل ما أمكن من المعرفة والتذوق والحياة بشكل عام. شيء مهم ينبغي ذكره، أن معرفتك بلغة أجنبية يفتح لك فرصة اطلاع وتفاعل أكبر، طبعاً.
تجربتي في معامل وورش الحلان في الموصل، أعادتنا إلى حرفة النحت الآشوري الشهير الذي عُرفت به نينوى. تجربة، حفرت أثرها حفراً في مداركي الفنية، نعم، كان هماً ابداعياً له مدى معماري في تكوينه، مادته الحجر، فترة رغم صعوباتها وتعبها وغبرتها، كانت مُمتعة وأنتجنا ما لا تنساه الذاكرة، عند دراستي للفن وتاريخه وعلومه هنا في النمسا ثانية، تعلمت على يد معماريين أساتذة كبار على مدى سمسترين، وكان سمنار أفلام السينما التسجيلية عن العمارة، تجربة كبيرة وفرصة نادرة توفرت لي.
المكتبات في مدينتي الحالية في النمسا هي بيتي الثاني، أقضي فيها مع الكتب أوقاتاً مُنتظمة، وحتى بعد مرور سنوات على دراستي الجامعية هنا للفن والفلسفة، فزيارة مكتباتها لم تنقطع. خاصة وانني اشتركت قبل خمسة عشر عاماَ في إنقاذ كتب ومخطوطات تعود إلى مئات السنين الغابرة، في مخزن تحت أرضي خاص بها نتيجة للرطوبة، غزا عفن الورق القديم والأغلفة الجلدية الثخينة.. الحياة الثقافية في مدينتي ثرية، محاضرات ومعارض، وعروض درامية، وسينمائية، والخ. مع برامج سنوية لكل الأعمار والاهتمامات.
س/6 تحدث لنا عن يوم بولص آدم وبالتحديد هل لديك طقوس محددة في مجال الكتابة او في متابعة الشأن الادبي خصوصا وان لديك مقالات تلخص الشأن الادبي وتبرز متابعة دؤوبة في محور الادب؟
– صادف وأن كان لي عادات خاصة بكل مشروع من مشاريعي الأدبية. لكنني أسمع الموسيقى الكلاسيكية غالباً مع الكتابة، أكتب قبالة النافذة المطلة على الحديقة الصغيرة.. أتمشى جيئة وذهاباً وأحدث نفسي بصوت عالٍ وأقرأ ما كتبت قبل قليل. كنت أكتب بعد منتصف الليل وحتى طلوع النهار، لكنني مع الروايتين قضيت ساعات طوال كل يوم دون توقف، وحتى ساعة الاجهاد. أترك كل شيء أحياناً وأخرج للتمشي ساعة، ثم أعود لأُكمل، أتذكر انني كتبت لمدة عشيرين ساعة من يوم واحد فقط ذات مرة. أترك المخطوط فجأة عند مرحلة معينة عدة أيام للتأمل، ثم أعود لُأكمل وهكذا، وإن لم أحصل على حلول وبدائل أطمح إليها، قد أرمي كل شيء في الزبالة، فعلتها ذات مرة مع رواية لم تأت نهايتها كما أردت! أنا جزار رواياتي عندما لا أرضى عما أكتب! حتى الأخيرة، أردت حذفها بعد فصول منها، ثم عدلت، عندما ألهمني القرنفل برائحته، صدقني! كم هو شاق وممتع بنفس الوقت عالم الكتابة؟ الحقيقة انني عملت طباخاً من أجل المعيشة ولم أتفرغ للكتابة إلا مع الرواية الأخيرة، وبالمناسبة هناك علاقة بين الطبخ والكتابة، يعرفها جيداً من مارسهما معاَ فقط. وأخيراً، أعطني عدة ألتار من القهوة، ربما أعطيك رواية!
س7/ ومن خلال متابعتك، هل لمست تحركا في عجلة الادب بما يتعلق بالوطن ماهو تقييمك لعمل مؤسسات واتحاداتنا وهل لديك افكار في تحديد مسارها للارتقاء بالعمل الادبي والابداعي بشكل عام؟
– بشكل عام؟ لا استثمار فعال في المشاريع الثقافية في العراق وإن وجدت فهي إما مُسيسة أو مزاجية وعشوائية، مثلاً، نسمع دوماً بأن هناك أزمات وتأجيلات وإلغاءات بأعذار شتى، وفجأة تُصرف الملايين على نشاط بعينه لا يترك أثراً ولا يُلهم أحداً، يضمحل ويُنسى، هناك فساد عام يعاني منه البلد متعشق مع كل الظروف الصعبة. لم نحصل كشعب على فرصتنا المناسبة إلى حد الآن! دوماً، كان هناك حواجز وعوائق وخيبات وعوامل إحباط.. مع ذلك، من السخف حقاً، ألا نعترف ونقدر كل الجهود والثمرات ونحن نعرف انها ولدت بمخاضات عسيرة. يدي على قلبي بعد 2003 خاصةً وبعدها.. مأساة 2014، أنتم عشتم دمارها وعشتم النكبة والتهديد المميت بعيون مفتوحة وقلوب جريحة والتشتت والشتات والهجرات الداخلية والخارجية، والمجهول يقض المضاجع والوطن بلا استقرار. رغم ذلك هناك أمل، لن أقول فلان كفرد أو كيان ثقافي فعل هذا أو لم يفعل ذياك، فلان نجح أم فشل، لا.. أحلم بثمار الأبداع وأطمح أن أسمع وأقرأ عن ذلك، ليس لي شخصياً، فأنا يكفيني القلم والاستمرارية وقانع بما أُنجز مهما كانت قيمته وتقييمه، لكن لكم أجمعين كشعب أصيل في عراق نأسف كل لحظة يعاني فيها، وإلى متى؟ أين كُنا وأين نحنُ الآن، وإلى أين المسير؟ من حق من هو على رأس أي مجموعة ثقافية، كأن يكون اتحاد أو رابطة، جمعية أو مديرية. أن يطبع مسيرة ما هو مسؤول عنه بطابعه، لكن الرهان على كفاءته وعلاقاته العامة فقط، لا يكفي، يجب أن يكون هناك برنامج دوري مدعوم مالياً وإعلامياً ولوجستياً وعدم اقتصار ذلك على الفعاليات المناسباتية فقط! نحن بحاجة إلى فرق مسرحية، وهيئات إنتاج سينمائية ودور نشر تحترم حقوق الكتاب و. والكتابة ثم الكتابة، فكل فرد من أبناء شعبنا له قصة، والحياة تكتب أجمل القصص.. ومن أحلامي لكم، جائزة أدبية كأن تكون جائزة أنخيدونا.. والحاجة ماسة إلى تشجيع القراءة، فهي في تراجع خطير.
س8/ ما الذي يشغل بالك وما هي الفكرة التي تحاول التقاطها للشروع بعمل ادبي يسهم برفد المكتبة بمنجز اخر من اسهاماتك الادبية؟
– ثمة مخطوطتين لكتابين مؤجلين أنشغل بهما أحياناً، تشغلني أكثر.. غيمة صغيرة تجول في رأسي، لا أكثر من فكرة تراوغني وأراوغها، هي بذرة من عنوان وصورة واحدة فقط. ربما تندلع شرارة الولع التام وأبدأ بنقطة الانطلاق مع الجملة الأولى، متى؟ لا أعلم..












