المسعودي: المؤسسات الثقافية تراهن على إرضاء موظفيها

المسعودي: المؤسسات الثقافية تراهن على إرضاء موظفيها
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

حاوره: محمد البغوري

عرفت الساحة الثقافية الناقد والأديب محمد المسعودي شاعرا وباحثا مهتما بتراث أبي حيان التوحيدي، وخاصة في بعده الصوفي؛ وناقدا شغوفا بنقد الرواية العربية والمغربية والكشف عن جمالياتهما، كما عرفته شاعرا من خلال ديوانه "مدارج البوح والعزلة"، غير أن هذا الحوار يذهب إلى آفاق أخرى ارتادها الأديب واهتم بها، نترك القارئ يكتشفها بنفسه من خلال الأسئلة التي طرحناها عليه، والأجوبة التي تلقيناها:

حاوره: محمد البغوري

عرفت الساحة الثقافية الناقد والأديب محمد المسعودي شاعرا وباحثا مهتما بتراث أبي حيان التوحيدي، وخاصة في بعده الصوفي؛ وناقدا شغوفا بنقد الرواية العربية والمغربية والكشف عن جمالياتهما، كما عرفته شاعرا من خلال ديوانه “مدارج البوح والعزلة”، غير أن هذا الحوار يذهب إلى آفاق أخرى ارتادها الأديب واهتم بها، نترك القارئ يكتشفها بنفسه من خلال الأسئلة التي طرحناها عليه، والأجوبة التي تلقيناها:

أنجزتم أطروحة جامعية، نشرت أخيرا تحت عنوان “اشتعال الذات، سمات التصوير الصوفي في “كتاب الإشارات الإلهية” لأبي حيان التوحيدي”، فماذا عن دواعي هذ العمل العلمي الرصين؟

ـ الدافع إلى إنجاز أطروحة جامعية حول “كتاب الإشارات الإلهية” لأبي حيان التوحيدي جاء في سياق مواصلة مسار دراسي وشغف معرفي ارتبط بأعمال التوحيدي بدأته منذ السنوات الأولى من حياتي الجامعية، وبالضبط في السنة الثانية حينما اتصلت بأستاذي الدكتور محمد أنقار وأخبرته أني أرغب في أن يشرف (مستقبلا وبعد سنتين) على بحثي في الإجازة، ففي إطار حديثنا حينها أبديت ميلي إلى البحث في الرواية، واقترحت موضوعا يتعلق بالتنضيد والتأطير في الرواية المغربية، لم يبد أستاذي رأيه في الأمر، لكنه صار يسألني عن الأعمال الأدبية والنقدية العربية والغربية التي قرأتها حتى تلك اللحظة. وعلى الرغم من تنويهه باطلاعي الجيد على المنجز الروائي العربي والغربي، إلا أنه طلب مني أن أنكب على “الإمتاع والمؤانسة” الذي ذكرته في سياق حديثي عن الكتب التراثية التي قرأتها. وفعلا كان بحث إجازتي يتعلق بمكونات الكتابة السردية في “الإمتاع والمؤانسة”، ثم أنجزت بحثا آخر في سنة الدراسات المعمقة عن “صورة المتلقي في “الإمتاع والمؤانسة” “، ولإنجاز هذين البحثين انكببت على المتن الذي تبقى من كتابات التوحيدي دراسة وقراءة، ومن ثم كانت أطروحة الدكتوراه نتيجة هذه المعايشة الطويلة لأعمال أبي حيان، وكان الهاجس النقدي والمعرفي في هذا العمل/ كتاب “اشتعال الذات” هو الكشف عن سمات التصوير الصوفي في الإبداع النثري الصوفي، وهي سمات مخصوصة تقتصر على الخطاب الصوفي بأفقه الجمالي وغاياته المعرفية والتواصلية، ومن خلالها يشكل قسماته التي تميزه عن فنون وأشكال كتابية نثرية أخرى عرفها تراثنا العربي الزاخر. وقد تمكنت في الكتاب من الكشف عن صيغ فنية وجمالية وأبعاد إنسانية هامة في التصوير الصوفي. ولم أقتصر على “كتاب الإشارات الإلهية” من أجل تجلية هذه الجوانب فحسب، وإنما اشتغلت على أعمال صوفية أخرى تقاطعت في سماتها التصويرية وأبعادها الدلالية مع “الإشارات الإلهية”. ولا شك أن الجديد في الكتاب يتمثل في قدرته على الانتقال بمفهوم ظل لسنين طويلة متصلا بنقد الشعر إلى تناول النثر الصوفي، وهو مفهوم “التصوير”. والأمر الذي وقفت عنده الأطروحة وبينته هو أن التصوير الصوفي له صيغ وأساليب خاصة به على الرغم من استفادته من الإمكانات اللغوية والبلاغية التي نجدها في الفنون الأدبية الأخرى التي عرفها تراثنا العربي، إذن هذا جانب من جوانب اهتمامي بتراث التوحيدي، ومن ثم اشتغالي بإشاراته، أما الجانب الثاني فيعود إلى عنايتي/ وعنائي بالكتابة الصوفية ذاتها شعرا ونثرا. وتعود قراءاتي للمتن الصوفي إلى نفس المرحلة التي أشرت إليها سابقا (بداية الدراسة الجامعية)، ومن ثم كان من الطبيعي أن أجد ذاتي وأن أرضي بعض تطلعاتها وأنا أنجز هذا العمل الأكاديمي

    

ـ على مستوى الكتابة الإبداعية، يلاحظ منكم انخراطكم في الكتابة الشعرية، والذي أسفر عن ديوان “مدارج البوح والعزلة”، فهلا حدثتنا عن الأسباب التي جعلتكم تلجون إلى عالم الشعر؟

ـ لست أذكر متى شرعت في الانخراط في الكتابة الشعرية بالضبط، أو بالأحرى متى كتبت أول نص شعري، لكن أذكر أني عرضت على أساتذتي في إعدادية ابن الأبار بعض خربشاتي، وفي سنتي الرابعة من التعليم الإعدادي، وبعد انتقالي إلى إعدادية ابن خلدون، صرت مشرفا على المجلة الحائطية بتكليف من أستاذي المؤرخ والباحث الأصيلي سي عبد الرحيم الجباري التي نشرت فيها بعض نصوصي، ومنذ تلك الفترة وأنا أحاول كتابة الشعر إلى أن نشرت لي جريدة العلم قصيدة بعنوان “حوار وبوح” سنة 1987، وتتالت النصوص، بعد ذلك، تباعا وإلى الآن. ولا أعلم عن أسباب أخرى لولوجي عالم الشعر سوى الشغف بالكلمة وكثرة إدماني قراءة الشعر في مراحلي الأولى من التعلم، ومن اكتشافي لذة المطالعة والقراءة. وقد كنت محبا، ولا زلت، لكل شعر جميل. ولا أنكر أنني ما كنت لأكتب الشعر لولا حفظي لقصائد عديدة وكاملة لإيليا أبو ماضي الذي أدمنت قراءته، وللشابي والسياب والمتنبي والمعري وابن زيدون والششتري وابن الفارض وابن عربي… هذا فضلا عن ارتباط القصيدة بالتعبير عن معاناة الذات وهواجسها وآمالها وآلامها. وكما قلت في حديث آخر: الشعر جعلني أتعرف على العالم وجعل العالم يتعرف على كائن اسمه محمد المسعودي.

 

ـ من يطلع على عالم الكتابة والإبداع الذي يميز-المسعودي-يجد التجربة الصوفية حاضرة بقوة وهو يباشر إشكالات ومسائل الإبداع والكتابة، فماذا عن هذا الاختيار؟

ـ إن هذا الحضور، في رأيي، ليس اختيارا وإنما جاء نتيجة تفاعل وانفعال مع الخطاب الصوفي بكل مشاربه، وتأثر وتمثل لشتى اتجاهات الشعر التي استطعت الاطلاع عليها وتمثلت النص الصوفي وشغلته في تكوين قصيدتها، وخاصة لدى شعراء الحداثة: صلاح عبد الصبور وعبد الوهاب البياتي ومحمد آدم وعفيفي مطر وأدونيس وغيرهم، فكان من البدهي أن تنحو قصيدتي، في بعض مناحيها، نحو الصوفي، وأن تمتاح منها متخيلها الشعري. وقد أشرت سابقا إلى اهتمامي بالأدب الصوفي شعرا ونثرا الذي أثمر كتابي عن التوحيدي إلى جانب عدد من الدراسات الأخرى التي نشرت بعضها وتحتاج أخرى إلى بعض التنقيح والزيادة والنقص لتنشر. وإذا كان عنوان مجموعتي الأولى يشي بالحضور الصوفي، إلا أن جل نصوصها اشتغلت انطلاقا من آفاق وإمكانات شعرية متنوعة فيها: الرمزي والأسطوري والواقعي والرومانسي والفلسفي والسوريالي وغيرها من الإمكانات.. ولا أظن أن الشاعر، مهما كان وكيفما كان، يمكن أن يبدع استنادا إلى مرجعية واحدة أو أفق معرفي واحد. وهذا ما يمكن للقارئ أن يلمسه في ديوان “مدارج البوح والعزلة”، أو حتى في الديوان الثاني “حلُمُ طائر” الجاهز للنشر…    

 

ـ ما تفسيرك لحضور المستلهم الصوفي في الإبداع الروائي والقصصي؟

ـ أعتبر أن العودة إلى الينابيع الصوفية واستلهامها في الإبداعين الروائي والقصصي حاجة إنسانية وإبداعية اقتضتها التحولات التي عرفها الأدب العربي في القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة، وضرورة دعتها عوامل نفسية وثقافية واجتماعية وسياسية مر بها، ويمر بها المبدع العربي، من هنا كان التصوف نافذة أخرى لمساءلة ما يمر به الإنسان العربي أمام تتالي الهزائم والانكسارات، ومحاولة لإيجاد أجوبة عن أسئلة ذات طابع إشكالي وجودي/ميتافزيقي، واجتماعي/سياسي عجزت الرومانسية والواقعية والعبثية والسوريالية عن الإجابة عنه، وقد كان اللجوء إلى التصوف، وخاصة في بعده الروحاني الإنساني العميق، محاولة للخروج من مأزق النظر إلى مجريات ما يقع استنادا إلى منظور مادي صرف. وإذا كانت كل من العبثية والسوريالية قد استثمرتا، في الكتابة السردية خاصة، بعض مناحي البعد الروحي متمثلا في طاقة الحلم وقدرتها على معرفة حقيقة الإنسان وكنه تفاعله مع الحياة والوجود، فإن الصوفية تذهب بعيدا نحو طرح قضايا أكثر جذرية وعمقا تتجاوز الذات نحو العالم ونحو المتعالي موظفة إمكانات أكثر رحابة من طاقة الحلم والتداعي الذهني. ومن هنا كانت بعض النصوص الروائية التي استلهمت المتخيل الصوفي وعوالمه ذات وزن في السردية العربية، إن لم نقل العالمية، ونذكر منها على سبيل التمثيل: كتابات عبد الخالق الركابي ونجيب محفوظ وجمال الغيطاني ويحيى القيسي وشمس الدين الحجاجي وعبد الإله بنعرفة وسعد القرش.. والأسماء كثيرة.. ذكرت ما حضرني منها اللحظة، فقط.    

 

 

ـ مما لا شك فيه، أنك قارئ للرواية العربية والغربية على السواء، فهل من فروق مائزة بين المرجعيتين؟

ـ مما لا شك فيه أن هناك فروقا كثيرة تميز الرواية العربية عن الرواية الغربية، وأن هناك مرجعيات مختلفة تماما بين الروائي العربي والروائي الغربي. وإذا كانت الرواية العربية، قد استفادت، وما زالت تستفيد حتى الآن، من المنجز السردي/ الروائي الغربي والإنساني، فإنها وجدت مرجعياتها الخاصة، كما استطاعت إيجاد تقنياتها وإمكاناتها المتفردة بما يؤهلها لكي تصبح وسيلة معرفية في مجالها تمكن الروائيين في البلاد الأخرى من الاقتداء بها والتأثر بصيغها الفنية. إن ما أنجزه نجيب محفوظ وإلياس خوري وإدوار الخراط وغائب طعمه فرمان وغالب هلسا وجمال الغيطاني وعبد الخالق الركابي وربيع جابر… وغيرهم من الروائيين العرب يكشف هذه الحقيقة. ومشكلتنا في العالم العربي أننا نبخس مبدعينا حقهم ولا نقوم بواجبنا نحو الكشف عن تفرد إبداعهم، هذا، فضلا عن التحامل الإعلامي الغربي على كل إنجاز عربي، إما بتجاهله أو بمحاربته وقطع الطريق على كل إمكانات بروزه. ولا ننسى أن الفضل في نشوء الرواية وظهورها في الغرب ذاته يعود إلى ألف ليلة وليلة، وأن بذرة هذا الفن الجميل والممتع كانت عربية مهما أنكر المنكرون.

وفي سياق الحديث عن الفروق المميزة للروايتين يمكن القول إن من بينها تخطي الرواية العربية، حاليا، الأفق الواقعي، أو حتى الواقعية السحرية بانفتاحها على المتخيل الصوفي، الذي أشرنا إليه سابقا، واستثماره في سياقات روائية جديدة لا تخلو من جدة وطرافة، ومن قدرة على الإبداع والابتكار في الأساليب والتقنيات. وفي هذا الصدد يمكن أن نستحضر على سبيل المثال رواية “كأنها نائمة” لإلياس خوري، وهي رواية معقدة وعويصة تقنيا، لكنها ممتعة وعميقة من حيث قدرتها على الغوص في النفس الإنسانية والكشف عن التباساتها من خلال الخلط بين الواقعي والحلمي والمتخيل الصوفي المسيحي والمرجع الشعبي اللبناني، وفي جمعها بين السردي والشعري والفانتازي والواقعي المغرق في واقعيته. ولا أظن أن باستطاعة أي كاتب غربي أن ينجز رواية في مثل جمالها وثرائها الدلالي وعمقها الإنساني، وهي رواية يستحيل، حسب وجهة نظري، نقلها إلى أي لغة أخرى إلا على سبيل التمحل، وهنا، أيضا، مكمن قوتها.  

 

ـ يسجل الكثير من المتابعين للساحة الثقافية، تلك القطيعة بين الإبداع والنقد، أو على الأقل الخلل بين المجالين، فما تصوركم بخصوص هذا الإشكال؟

ـ لا أرى أي قطيعة بين النقد والإبداع بدليل أن النقاد ما زالوا يتابعون الجديد، ويكتبون عن هذا الجديد، وإنما الخلل في الساحة الثقافية ناجم عن كثرة ما ترمي به المطابع إلى الأسواق من السمين والغث على السواء، إلى درجة جعلت الناقد يحتار في اختيار الأعمال التي يكتب عنها، بل ويجد نفسه يضيع وقته الثمين في قراءة كثير من هذا الغث الذي تطرحه المطابع. وإذا كتب، فهو سيكتب عن الذي يفضُل بين يديه من نصوص جيدة، ويغض الطرف عن الأعمال التي لا تستهويه أو لا يجد فيها ما يغريه بالكتابة، ولذلك كثرت شكوى “الناس” من النقاد، ولا أقول المبدعين لأن المبدع الجيد والحق لا بد أن يلفت نظر النقد شاء النقاد أم أبوا. ومن هنا أستنتج أن النقد يغضي عن الرديء ولا يلتفت إليه، ويهتم بالجيد ويعتني به. وما زال نقادنا الكبار في العالم العربي يتابعون أحدث ما يكتبه الكتاب كبارهم وصغارهم وناشئتهم، انظر إلى أحدث إصدارات فيصل دراج ومحمد برادة وجابر عصفور وصبري حافظ وصلاح فضل ومحمد أنقار وعبد العزيز المقالح ومحمد عبد المطلب ونجيب العوفي وغيرهم كثير تجد أنهم يكتبون عن كل إبداع راق يثير انتباههم ويغريهم بجديده سواء من حيث قضاياه أو من حيث إمكاناته. فأنا شخصيا انتبهت إلى أعمال روائية وشعرية وقصصية لأدباء جدد غير معروفين في العالم العربي من خلال ما كتبه عنهم النقاد الذين ذكرتهم. فكيف نزعم أن النقد لا يهتم بالإبداع؟ وهل كان بإمكان هؤلاء النقاد أن يكتبوا نقدهم إذا لم يطلعوا على أحدث ما جد في الإبداع والنقد على السواء؟

 

ـ في الآونة الأخيرة طفح على مشهدنا الإبداعي والثقافي، ما يمكن نعته بثقافة الهامش (ملتقيات ثقافية عديدة تحضنها مدن هامشية)، فهل ذلك يعني أن منطق المركز الثقافي ومدن المحور قد استنفذا أدوارهما؟

ـ إنها عودة إلى الوضع الطبيعي، على ما أظن، لأن الثقافة حاجة اجتماعية وضرورة إنسانية تشمل كل المدن والقرى المركزية والهامشية على السواء. وهذا الحراك في مدن وقرى الهامش هو نوع من الاحتجاج على انفراد المركز بالإرث الرمزي/ الثقافي واستحواذه الشوفيني على كل شأن في الوطن. والفضل في هذا الحراك يعود إلى جمعيات ثقافية وإلى ما اصطلح عليه مؤسسات المجتمع المدني بكل أطيافها وبشتى مجالات اشتغالها اجتماعيا وثقافيا، أما المؤسسات التابعة للدولة (مثلا وزارة الثقافة..) وللأحزاب السياسية والجمعيات الكبرى في المدن المركزية (بما في ذلك اتحاد كتاب المغرب) فقد استشرى فيها الفساد والمحسوبية والرهان على إرضاء موظفيها والمنخرطين فيها والمتعاطفين معها، وصار همها أن تقتصر أنشطتها الفلكلورية والبهلوانية على من يزمرون لها ويطبلون، ومن ثم أقصت طوال فترة هامة من تاريخ المغرب المعاصر مدنا وقرى من اهتمامها، وهذا الأمر ينسحب على مدن كانت رائدة ثقافيا من بينها طنجة على سبيل المثال.

 

ـ ما تقويمك للمشهد الثقافي والإبداعي في مدينة طنجة؟

ـ يشهد الواقع الثقافي والإبداعي في مدينة طنجة نوعا من الحركة والرغبة في الخروج من عنق الزجاجة الذي حُشر فيه بعدما طغت موجة الاستهلاك وتم تحويل المدينة إلى فضاء يجسد شتى مظاهر الاستلاب والانحلال والسقوط: من عهارة وترويج للمخدرات وتشجيع للقمار واللصوصية والرشوة وغيرها من الظواهر التي لا زالت طافحة على المشهدين الاجتماعي والثقافي. وهذه الحركة التي بدأت تظهر للعيان، خلال العشر سنوات الأخيرة، تلقى على الرغم منها عراقيل ومضايقات سواء من لوبيات الفساد السياسي/ الاجتماعي أو من لوبيات الوسط الثقافي ذاته التي تسعى إلى الحفاظ على الوضع القائم لأنها تنتعش منه. ولهذا، فإن الفعل الثقافي الجاد يلقى نوعا من التهميش، إن لم نقل مقاومة ورغبة خفية، أحيانا، ومعلنة، أحيانا أخرى، لوأده في مهده. وبالمقابل نجد تشجيعا لكل فعل ثقافي أو عمل إبداعي ردئ. وهذا لا يخفى على المتتبع الحصيف…  

 

ـ تشهد الدول العربية حراكا سياسيا واجتماعيا، وحتى ثقافيا كبيرا. فما تأثير ذلك على الثقافة والمثقف العربي؟ وما دور النخب الفكرية والثقافية فيما جرى ويجري؟

ـ ما يحدث في العالم العربي خلال الفترة الأخيرة من حراك سياسي واجتماعي وثقافي لا يمكن فهمه بسهولة، وهو بقدر ما خلف من دهشة وكشف عن تطلع المجتمعات العربية جميعها نحو الحرية والتخلص من الاستبداد والقهر والتخلف والهيمنة الغربية المقنعة، بقدر ما خلف من خيبات أمل كثيرة ومن تخوف من عودة الاستعمار الغربي والهيمنة الصهيونية بشكل أشد حدة وشراسة ومن عودة إلى الوراء فيما يتعلق بهيمنة بعض القوى، وخاصة الحركات السلفية . ومن هنا نرى أن مواقف المثقفين مختلفة ورؤاهم حول ما يجري متضاربة. وفيما يتعلق بالجواب على السؤال الأول أقول إن المثقف العربي لا بد أن يتأثر بما يجري، ولا بد أن يعايش ما يجري على الساحة وأن يتفاعل مع الوقائع والأحداث الجارية داخل مجتمعه، وكل هذا سينعكس في نتاجه الإبداعي والثقافي إن آجلا أو عاجلا. ولعل تمثل ما يجري يحتاج إلى وقت حتى يتمكن المبدع من مقاربته وتحليله عبر وسائله التعبيرية ورؤاه الفنية، كما أن هذا الحراك لا بد أن يؤثر في آليات الإبداع والتفكير ذاتها مما قد ينتج صيغا تعبيرية وجمالية جديدة، واللافت للنظر، على الأقل في مجال الكتابة، بروز ظاهرة كتابة اليوميات والمذكرات التي أصدرها عدد من الكتاب والصحفيين والناشطين السياسيين الذين ساهموا في الحراك المذكور، وكانوا موجودين في ميادين التحرير في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا والبحرين. وهذا الانتاج التوثيقي، وهذا النمط من الإبداع الأدبي والصحافي من الجديد الذي انتبه إليه المثقفون، ونحن العرب قلما نكتب يومياتنا ومذكراتنا واعترافاتنا، وهذه الموجة الحالية قد تنبهنا إلى أهمية العناية بهذا النوع الأدبي الذي قد يحتل الصدارة في الإنتاج الإبداعي إلى جانب الرواية، كما أن الشعر انتعش بقوة خلال هذه الأحداث، ومما لا شك فيه أنه سيشهد مستقبلا تحولا كبيرا نتيجة هذه الحركة…  

 

ـ ماذا يمثل لكم الكتاب الإلكتروني، وهل من تخوف على الكتاب الورقي؟

ـ الكتاب الإلكتروني إضافة جديدة إلى الابتكار الإنساني ووسيلة أخرى للمعرفة والتثقف والاطلاع، ولا أظنه سيزاحم الكتاب الورقي. ولكل منهما سحره. فعلا إننا نحن الذين قرضنا كثيرا من الكتب الورقية يصعب علينا الفكاك من سحر لمس الكتاب وشم ورقه وتقليبه وتصفحه، لكن هذا لا يمنعنا من قبول الكتاب الإلكتروني نظرا إلى يسر التعامل معه والاستفادة منه، وبالأخص في مجال البحث وكسب المعرفة بشتى أشكالها. وبالنسبة إلي أتعامل مع الإثنين وأحبهما معا وأريد أن يظلا صديقين غير متخاصمين وإلى الأبد

 

ـ كقارئ للرواية بشكل كبير، ألا يعتبر ذلك مؤشرا على أنك تعبد الطريق لكتابة نص روائي؟ أم أن قراءتك للرواية لا تعدو أن تكون ملاذا واختيارا ذوقيا وجماليا؟

ـ في البداية كان إدماني قراءة الرواية اختيارا ذوقيا وجماليا، كما كانت ملاذا وجدت فيه عزائي، وأداة أخرى لمعرفة الحياة والوجود إلى جانب الشعر والقصة والفلسفة والتصوف وغيرها من المعارف الإنسانية التي أحب الخوض فيها، لكن كثرة القراءة في هذا الجنس الأدبي الفاتن أغراني بحلم كتابة الرواية، وقد وضعت مخططات أكثر من رواية، وشرعت في كتابة إحداها، وأنا على وشك الانتهاء منها، نشرت فصلا واحدا من فصولها بجريدة “أخبار الأدب” المصرية حينما كان الروائي جمال الغيطاني يشرف عليها.. وفور وضع لمساتها الأخيرة سأسعى إلى نشرها. وعلى العموم إن إغراء السرد وإغواءه يرتبط بالمراحل الأولى من قراءاتي وبداية اهتماماتي الأدبية، وما قرأته من سرود قصصية وروائية عالمية وعربية يفوق الحصر. منذ سن السادسة عشرة كنت أضع قوائم لروايات كتاب من شتى بقع العالم أبحث عنها، وكان تركيزي ينصب على كتابات بلدان لم يتعامل معها المترجمون العرب بجدية، مثلا دول إسكندنافيا، فصرت محبا لكتابات: كنوت هامسون وسلمى لاجرلوف وسجريد إندسيت وكلاوس كلاوسن وسترندبرج وكارين بليكسين ولاكسنس وغيرهم. ثم اتجهت شرقا نحو اليابان والهند فتمتعت واستفدت من قراءة ما توصلت إليه من أعمال، وفي الغالب باللغة الفرنسية، ياسوناري كاواباتا وجونيشيرو تانيزاكي ويوكيو ميشيما وفوكوزاوا وكونزابورو أوي من اليابان، وكامارا ماركانديا وروث جابفالا وربندرانات طاغور وغيرهم من الهند. وأظن أن الالتفات إلى هذه البيئات البعيدة وإلى هذه النصوص سيكون له أثر مختلف عن أثر الرواية الغربية فيما أخطه، وهذا الحكم سيبقى رهين ما سأنتجه، ولا أريد أن أسبق الأحداث.. المهم أن هذه القراءات في الرواية العالمية والعربية جعلتني أحلم بكتابة الرواية، وهي فن صعب يحتاج إلى نفس طويل وقدرات هائلة وصبر كبير.. وأنا ما زلت أصارع زمني لأنتهي من عمل بدأت الاشتغال به منذ أكثر من سنة

  

ـ على مستوى القراءة والمطالعة، أين يجد الأستاذ-المسعودي-ذاته؟ وهل من توضيح في ذلك؟

ـ بالتأكيد أجد نفسي أكثر في قراءة الرواية، هي الفن الأقرب إلى نفسي، وهذا لا يمنعني في كل الأحوال من القراءة في مجالات أخرى فكرية وفلسفية ودينية، ومن الاطلاع على علم النفس والاجتماع، وأظن أن الباحث والمبدع متعدد القراءات بالضرورة، وبدون تعدد القراءات يُحد الأفق ويضيق أمام الكاتب مما يؤدي به إلى السطحية وانسداد الرؤية وضياع البوصلة. أدام الله علينا نعمة القراءة.

 

خاص الكتابة

مقالات من نفس القسم