بهاء طاهر: أنا خائف

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

حوار : منى سليم

فى عام 1993 كتب «أبناء رفاعة» دفاعا عن مدنية الدولة المصرية التى لم تكن رفاهية أو مجرد اختيار، لكنه تراكم نضال «رواد عظام» جسدوا حلم «الخلاص».. فانتقل المصرى من حيز، «ثم أمر الأمير بقطع رأس فلان، فعلقت على باب زويلة» إلى الهتاف الشهير لعرابى «لقد خلقنا الله أحرارا ولن نُستعبد بعد اليوم».. وعلى مدار قرنين تمت صياغة هذا الحلم الذى استخلص بهاء طاهر أركانه كما حددها أصحابها عبر الأجيال بالولاء للوطن ووحدة عناصر الأمة، والحرية السياسية، والعدل الاجتماعى، وحرية المرأة، والحفاظ على الهوية الثقافية.. أما السبيل الوحيدة لتحقيقه فهى «التعليم» من أجل الوصول إلى مجتمع «الثقافة والحرية»، كان هذا الحوار الذى استدعى خلاله أطياف من مروا وفند من خلالهم أسباب رفضه الشديد لكل من السلطتين العسكرية والدينية باعتبارهما خطرا يمكنه أن ينهش قلب هذا البلد ويهدر دماء أبطاله

 

■ كثيرون يتحدثون عن «الحلم المصرى» الذى قمت بصياغته فى كتابك «أبناء رفاعة» قبل 20 عاما، فكيف تراه الآن؟

– أنا لا أنسب إلى نفسى شيئا، لكن أعلم أن هذا هو الطريق، بل والأمل الوحيد، وقد نضج هذا الاختيار نتيجة حصار تعيشه الثورة ما بين فريقى الثورة المضادة والتيار الدينى الساعى للحكم، وإذا كان هناك تيار يطمح لتمثيل الحلم المصرى، فيجب أن تكون لديه رؤية وموقف ثقافى إزاء مستقبل مصر، فما فعله أسلافنا القدامى أنه كانت لكل منهم رؤية ثقافية تأخذ بيد مصر للنهضة، فقاسم أمين رأى أن مستقبل مصر مع تحرير المرأة، فى حين اتجه محمد عبده إلى تحرير الاختيار فى شؤون الدين، والطهطاوى اختار التعليم سبيلا إلى ذلك، والنديم خلق حلقة الوصل بين أفكار المثقفين والمصريين فى كل مكان، ففى كل مرة كانت هذه الأفكار بالنسبة إلى صاحبها مغامرة وسباحة ضد التيار وهذا هو المطلوب تحديدا.

■ لكن المشهد الآن يتسم بالضبابية وعدم الوضوح، فالآن يوجد ما لا يقل عن أربع جبهات ترفع كل منها شعار «مدنية الدولة»، لكن التباين بينها عميق فى ما يتعلق بانحيازاتهم ومواقفهم، فكيف ترى المشهد؟

– للأسف طالما كانت هذه هى الآفة الكبرى فى الحركة الوطنية المصرية، وهى «التشرذم»، والمهمة الأولى التى يجب أن تفكر فيها هذه القوى هى التوحد تحت أهداف محددة وواضحة، ودعينى أقول إننى أتفهم موقف من يرون الإعلان الدستورى المكمّل هو وسيلة لمقاومة سطوة قادمة للدولة الدينية، وأحترم من دعم مرشح جماعة الإخوان والانضمام إليهم لمواجهة النظام السابق، لكنى لا أتخذ أيا من الموقفين، فأنا لا أثق بأى من الطرفين، وضد أى استبداد، سواء جاء ذلك على يد دولة عسكرية أو دينية، فأنا «أخوف من هذا من ذاك وأخوف من ذاك من هذا»، وأتمنى أن نبقى، ولو عدد قليل، مستقلين استقلالا كاملا، لا ننحاز لهذا ولا لذاك.

■ وما الخطوة التالية بعد التوحد؟

– «باسما»: أن نبقى متحدين، فكم مرة تم تشكيل جبهات وطنية ثم اختفت، وأنا أختلف تماما مع المشروع الفكرى لحسن البنا، لكن أعترف أنه خلق تنظيما غير قابل للتفكك، وقد استخدم فى هذا أدوات، بعضها حسن والآخر غير حسن، وأعتقد أن نكران الذات هو كلمة السر المفقودة، فغير الصادقين مضرون جدا.

■ وصلنا إلى حسن البنا، فكيف تقرأ تطورات الموقف بعد أن وصل رئيس «إخوانى» إلى الرئاسة، وما قطعه على نفسه من عهود أمام الشارع الثورى؟

– يا أهلا بالوعود، أتمنى للجميع أن يصدُقوا فى ما وعدوا به، لكننى بشكل شخصى أرى أنى غير مضطر إلى تصديقها حتى يثبت العكس، لأنهم هم من نكثوا عن كل ما وعدوا به منذ خلع مبارك، ونحن لا نتحامل عليهم، فقد كتبت لهم مقال شكر بعد موقعة الجمل، لكن هذا لا يعنى التغاضى عن كل ما وقع من أخطاء بعدها، ولا أستطيع تحديد أيهم أصعب، هل عندما أبعدونا عن طريق «الدستور أولا» أم عندما تخلوا عن الشباب فى أحداث محمد محمود أم عند تعدى فرق جوالة الجماعة عليهم أمام مجلس الشعب أم محاولة الاستحواذ على «تأسيسية الدستور».

■ ما طرحته فى كتابك عن جماعة الإخوان هو أعمق من هذا، كنت ترى أن التيار الإسلامى هو خطر حقيقى، ليس على مدنية الدولة فقط، لكن على قدرة مصر على النهوض كدولة حديثة، ومواطنين أحرار، فهل ما زالت مخاوفك كما هى؟

– لدى خلاف فكرى حاد مع المشروع الفكرى لجماعة الإخوان المسلمين، فأولا جميعنا مسلمون وإسلاميون، وأعتقد أن التسمية الأسلم هى «التيار المتأسلم» الذى يحاول أن يقيم دولة تحكم باسم الدين، وهذا أمر معلن بأفكار الإخوان، وهو مشروع الخلافة.

والمحزن فى ذلك أن نضال رواد النهضة فى مصر، منذ بداية الدولة الحديثة، حارب بالأساس هذه الدولة التى حولت المصريين إلى رعية تعيش تحت إمرة الإمام دون أى حقوق، ويمكن لأى قارئ أن يرجع إلى كتابات الجبرتى عن هذه المرحلة، وما فعله رواد النهضة هو محاولة زرع الانتماء إلى الوطن، لا لمعنى عام لا يمكن تحديده مثل دولة الإسلام، فكتب الطهطاوى على سبيل المثال أن «الولاء للوطن فضيلة جليلة»، وكذا الدور الرائد لمحمد عبده فى نقد هذه الدولة، وتبرئة الإسلام منها، فكتب «إنها ليست من الإسلام فى شىء»، فقد ربطوا معانى النهضة والاستقلال بتراثهم الإسلامى ومقاومة كل من دعوات «العثمنة» و«التغريب» ودفعوا مقابل هذا الثمن نفيا وتشريدا، وما حدث أنه ما إن تعرضت هذه الوظيفة الواضحة للثقافة والمثقفين للمحاربة والتدهور حتى تعرض الوطن لكثير من المخاطر، فأى معاداة للثقافة هى بالضرورة معاداة للوطن.

■ رغم المعروف عن اعتزازك الشديد بالتجربة الناصرية، لكنك فى هذا الإطار وجهت نقدا لهذه المرحلة، خصوصا فى ما بعد النكسة، واعتبرت أنها كانت بداية انتكاسة الثقافة؟

– للأسف فإن دور الثقافة فى خلق مشروع النهضة استمر على مدار ما يقارب قرنا، وحين جاءت ثورة يوليو أضافت إليه أبعادا أخرى سامية، هى العدالة الاجتماعية وتوسيع معنى الوطن ليأخذ بعده العربى، لكنها لم تحسن إدراك وظيفة الثقافة، رغم ازدهار كثير من الفنون فى الستينيات، كالمسرح على سبيل المثال، أما النكسة الحقيقية فقد بدأت بعد 67 وتعمقت بصورة أوضح بوصول الرئيس السادات الذى عمل «عن قصد» على خلق نظام معادٍ للثقافة والمثقفين، وقال عنهم «مجموعة أفندية حاقدين»، وطاردهم وكان هو من فتح الباب لتوغل التيارات الوهابية والوعاظ داخل الحياة المصرية كبديل عن المثقفين ودعاة النهضة، فكان تحالفا سافرا للسلطة العسكرية والدينية.

■ لكن ما يطرحه مرسى الآن فى خطابه هو حديث عن دولة مدنية ديمقراطية، أفلا تعكس هذه العناوين اختلافا فى التعامل مع الثقافة ونوع الحكم؟

– ما زلت أقول أتمنى ذلك، لكن ما البرهان؟ هل ما نراه مثلا فى «تأسيسية الدستور» ومحاولة الاستحواذ؟! فبنفس الكتاب الذى تتحدثين عنه تعرضت لمقال كتبه «محمد حبيب» بعنوان «حكم الإخوان غير وارد، لكن هكذا نتصوره» وكان حينها النائب العام لمرشد الجماعة، فقال «كتابة دستور من خلال لجنة تضم فقهاء ومثقفين، مستهديا بقواعد الشريعة الإسلامية»، أليس هذا ما نراه الآن؟ فهم لا يقتنعون بالمادة الثانية التى تناسب أغلب المصريين ممن هم متدينون بطبعهم، لكن يريدون تفصيل اختصاصات السلطات الثلاث من خلال الشريعة، فما الدولة الثانية إن لم تكن كذلك؟! أما البند الثانى «فهو تشجيع الدولة للآداب والفنون، على أن تكون جادة وهادفة وملتزمة ولا تتعارض»، هكذا فمساحة الاشتراط احتلت مساحة أكثر مما احتلته الثقافة نفسها.

■ صيغة الاشتراط تتكرر أيضا فى بيانات المجلس العسكرى، فقد أشار مثلا فى بيانه الأخير إلى «احترام حق التظاهر الذى يراعى المصالح العليا للبلاد»، أليس كذلك؟

– أو لم أقل لك فى البداية نحن محاصرون، هذا تأكيد لأن الطرفين غير معترفين بقيم الحرية والثقافة، وهذا هو المشترك الرئيسى بينهما.

■ هل تعتقد أن جماعة الإخوان المسلمين تحتاج إلى تطوير داخلها وإعادة النظر بأفكارها حتى تتناسب مع ما يطرحونه حول احترام مدنية الدولة؟

– نعم ولكن أعتقد أن الأمر لا يقتصر فقط عما هو مُثار حاليا عن تيار يتبع سيد قطب وآخر يتبع حسن البنا، فكثيرون قد لا يعرفون أن حسن البنا كان له ديوان شعر كتبه فى رموز وطنية كعرابى ومصطفى كامل، لكن بعد إعلانه تشكيل الجماعة قام بحرقه، واعتبره مضيعة للوقت، وهذه أمور مسجلة فى تاريخه الرسمى.

■ هل هذا يعنى أن «مشروع الخلافة» هو حلم مؤجّل؟

– هذا السؤال يجب أن يطرح عليهم، وبشكل عام لا أعرف سر هذا الحنين من شباب صغير لإقامة دولة دينية مع أن آخر تاريخنا معها كان بالدولة العثمانية، التى أيدت الاحتلال البريطانى لمصر، وأصدرت فرمانا دينيا وصم الثوار بالعصاة، ولا أرى أننا نجاوز الصواب حين نربط بين هذا الموقف وآخر فى الأربعينيات، حين كان شباب الإخوان يهتفون «الله مع الملك»، ومع مواقف أخرى ما زالت مستمرة حتى الآن، ويتم تبريرها جميعا من خلال تفسير دينى، فالأزمة بالفكرة التى تمجد من مبدأ «الإمام» و«السمع والطاعة» و«الحاكمية لله» وغيرها.

■ نعود من خندق الإسلاميين لمن يطرحون أنفسهم كقوى مدنية، برأيك ما القضايا الأكثر إلحاحا التى يجب أن يعمل عليها من يؤمنون بهذا الحلم المصرى؟

– بالتأكيد هو الدستور، بل أعتقد أنها المعركة الرئيسية القادرة على الفرز، وهى الترجمة الوحيدة الممكنة لكل ما هو مثار الآن عن المصالحة الوطنية، فالدستور كان دائما هو لب المطلب الوطنى أو اللائحة كما كانوا يسمونها أيام 1882، وأظن أننا البلد الوحيد الذى خاض حربا من أجل الدستور.

■ وهل الشعب حاليا مدرك أهمية الدستور؟

– أعتقد أن قطاعات كبيرة بدأت تدرك حقيقة الموقف، وهو ما ظهر إلى حد كبير فى نتائج الانتخابات الرئاسية على سبيل المثال، فالأزمة لم تكن بالشعب أبدا، لكن فى الذين لا يقومون بدورهم فى تنويره، وأقصد هنا النخبة التى كثيرا ما تخذله.

■ إذن فالأزمة تتعلق بالقيادة أيضا؟

– بشكل كبير، أنا أمجد هذا الشعب الذى قام بثورات جميعها مبهرة وليس فقط 25 يناير، لكنى بنفس الوقت لست مع نظرية الشعب المعلم، فعبقرية هذا الشعب أنه إذا ما وجد قيادة فهو يتعلم ويتطور، وليس صحيحا أن 25 يناير لم يكن لها قائد، بل كان الشباب هو القائد، وكذلك تراكم نضال كثير من الوطنيين على مدار سنوات، فهؤلاء ثقفوا أنفسهم بأنفسهم، رغم هذا المناخ المعادى للثقافة، وقدموا لنا ثورة مبهرة وبسببهم ما زلت متفائلا.

■ لكن الغالبية من الشعب المصرى بالعشوائيات والمناطق الفقيرة لم يختاروا هؤلاء بالانتخابات وتوزعت أصواتهم بين النظام القديم والتيار الإسلامى؟

– بالتأكيد هم غير مدانين، فقد شكلوا تصورهم عن المخرج وفق واقعهم البائس، ولا بد من الوصول إليهم ومساعدتهم، ولا أقصد هنا تقديم الصدقات والمساعدات، كما تفعل التيارات الإسلامية، لكن بطرح مشروع دولة تحقق العدالة الاجتماعية.

■ تناولت فى روايتك الأخيرة «واحة الغروب» فشل الثورة العرابية وتحول ثوارها إلى عصاة، ألا يراودك خوف من أن تضطر إلى الكتابة عن «واحة غروب» جديدة؟

– أتمنى أن لا أضطر إلى ذلك.

■ إذن، فأنت خائف؟

– جدا، وقد تكون اللحظة النفسية الأصعب التى مرت علىّ منذ بداية الثورة، هى مهاجمة سلفيين معرض فن تشكيلى فى تونس، فشعرت حينها أن ما تم تقديمه من «دماء غالية» هو عرضة للتبديد على يد هؤلاء، لكن هذا لا يعنى أنى محبط، فأنا أرى «نقطة النور» معلقة بنجاح من ينادون بتحقيق تيار الحلم المصرى، وفى المقدمة منهم الشباب.

■ فى روايتك «نقطة نور»، حددت بنهايتها «الحب» مخرجا وحيدا للنجاة، فهل تعتقد أننا نحتاج إلى نفس المخرج؟

– بالتأكيد، فالشىء الوحيد الذى ينقذ الأرواح هو «الحب». وروح هذا الوطن تحتاج إلى محبين ومخلصين قادرين على إنكار ذواتهم وعدم خيانة أهدافهم وعدم الانحياز إلى أى طرف ظالم، لكن الثبات على الحق وفقط.

مقالات من نفس القسم