عبد العزيز دياب
لم تكن وقفة الرجل مام باب يفتح للداخلين مجرد حلم، بل حقيقة مُؤكدة راسخة، وظيفةٌ راقية هنأه عليها المحبين والكارهين. هو محض باب، عرضه يزيد عن المترين، من خامة معدنية نادرة، له مساحات شفافة تتخذ تشكيلات هلامية فطرية تتداخل مع مساحات أخري معتمة.
لم يكن بالمكان موسيقي كلاسيك، أو غير كلاسيك، لكنه تخيل لحنها في وقفته المنضبطة. لم يكن بالمكان بار، فمنح نفسه رؤية شاملة شيد بها مكونات بار في تلك الواجهة المحاذية للأنتريه الفخيم.
تأمل المكان حوله وشملته استراحة خاطفة، اتكأ بذراعة على الكونوطوار ليشرب كأس براندي. اهتم به البارمان، لبي طلبه سريعًا قبل ان يتكدس الواقفون أمام الباب، موظفون لهم بريق وبسمات طيبة ينتظرون من يسمح لهم بالدخول.
سيفتح الباب ذات مرة تتأرجح فيها الثريات بالبهو، أو يسمع أيقاع كعوب الأحذية على البلاطات كجزء من إيقاعات موسيقي مهجورة. يجد وراءه عالمًا ينتمي لحقب زمنية سحيقة: بيوت لها مشربيات وباحات واسعة تتوسطها النوافير، خيول وفرسان يتهيؤون للزحف. بيوت هزيلة، أكواخ وصوامع ونساك، سوق يموج بالتجار والبصاصين، بالعسكر والدراويش.
لن يقف مكتوفًا بعد أن اكتسي بزي فارس جسور، اقتحم الباب بكل جُرأة، اختار فرسًا عفيًا، امتطاه وانطلق إلى عالمٍ شغل أحلامه كثيرًا.
صرخ المقيم بكل فخامته في عمق المكان: إيه دا يا حيواااان؟
سألوه أمام الكونوطوار: إنت بتشتغل إيه؟
أو على طريقة جلفدان هانم في مسرحية إلا خمسة: إنتي بتشتغلي إيه؟
ـ بفتح الباب.
البارمان من موقعة الاستراتيجي أنيق، طازج، يسقيه شرابًا خبيثًا حامضًا، يشير إلى الباب بكل ثقة: دا باب مغارة!
ـ مغارة إيه؟
ـ على بابا، ما سمعتش عنها؟
دهب ياقوت مُرجان، أحمدك يا رب، صرخ المُقيم بكل فخامته في عُمق المكان: يا حيوااااان.
لن يشفيه من جحيم ذلك الباب إلا البيضاء، يقصد بالبيضاء المرأة ذات الأنوثة الطاغية التي زارت المكان منذ شهر أو شهرين، أو كثر. استحضرها مع موسيقي دندش أو تمر حنة.
رقصتها كانت شافية، وهمسها كان سحرًا جعله يقتحم الباب بكل عنف وغلظة: يا حيواااان
هل سمعتم صرخةً عاتيةً جاءت من عمق البهو؟
هو المُقيم الآن بعمق المكان، له وجاهة وفخامة، ورجل آخر يقف أمام الباب يفتح للداخلين.









