امتلأتْ طفولتى.. امتلأ جوالى  بالفراق

art

البهاء حسين

زرتُ أمى، قبل يومين

ظللتُ نائماً، بجوارها ، طوال الوقت

كأننى عدتُ إلى بطنها

لا تتوقف أمى عن تقليب أحزانها، وهى تطبخ

وحين تمشى، حين ينعكس ظلها على الحائط، بظهرها المحنى

تبدو كمغرفةٍ مقلوبة، أو علامة استفهام

أسمع أنفاسها، من حين لآخر، كأنها حشرجة

أسمعها تحلمُ بصوتٍ عالٍ

أسمع البقبقة

توقظنى أمى، كلما نمتُ، لآكل من جديد

كأننى نسيتُ، فى غيابها ، أن آكل، طوال ربع قرن

المزعج أننى حملتُها، هذه المرة ، أنا وإخوتى إلى المستشفى

لأول مرة أراها ممدة، فوق السرير الأبيض،

لا تكاد تملأ نصفه

مستسلمة لأنبوبِ المحلول

لكل قطرةٍ تبلّ عمرها الناشف

حدثتكم كثيراً عن أمى

عن موتها المحتمل

غريبٌ على القلب وقع الفراق، قبل حدوثه

تباً للموت

مؤكد أنها تهددنى بموتها، حتى وهى فى السادسة والثمانين

ما أكثر ما كانت تقول لى: “سأموت الليلة “

وأنا بكل طفولتى أصدقها، بينما أحاول أن أحررها من “خالتى روحية”،

العفريتة التى داستها أمى وهى ترافق نعش أخيها الوحيد، العائد مقتولاً من الجيش

حتى القبر

خالى الذى دعوتُ عليه، أن يعود فى صندوق

هل تذكرون

أصدق أنها ستموت، وفى كل مرّة أشيّعها بطريقةٍ مختلفة

امتلأتْ طفولتى بجنازات أمى

بالمعزّين

سنوات طويلة وهى تموت، كل يوم

وتجعل منى مقبرة

:

دلينى على حيلة مجديةٍ حيال الموت يا أمى

وأنا أشتريها بحياتى

،،

قبل أن تذهب إلى المستشفى بساعات

كانت تفتح بقجة أحزانها المخرومة

تذكرتْ ابنتها الوحيدة، شقيقتى التى قُتلتْ بطريقةٍ بشعة، ولم يعثروا على الفاعل

ثم أجشهتْ بالبكاء

وحين تذكرتْ أننى سأسافر غداً

سأعود إلى وحدتى هنا

راحت تولول، كأنها تحملُ صندوقى

منذ فترةٍ طويلةٍ لم أسمع عدودة من أمى

استكثرت ابنتها الوحيدة على الموت

سمعتُها تكلم السماء، وجهاً لوجه

استخسرتنى فى الوحدة، وكان لا بد من نقلها إلى المستشفى بضغطٍ عالٍ

عشية عودتى إلى القاهرة

،،

المزعجُ أيضاً أن ” سالم ” سيُحال إلى التقاعد

وهذه زيارته الأخيرة لى

لن يأتى من “مطروح “، حيث تعيش أمى

مرة كل شهر

لن يطرق بابى بقامته الطويلة وشيبته

من المهم أن يكون لك صديق تشم فيه رائحة أمك،

أن يحمل لك أكياس الأرز التى لمستْها بيدها

كلما زارنى ” سالم ” جاءت معه قصيدة عن أمى

وفى “بولاق الدكرور ” كان يأتى معه شىءٌ جديد، كل مرة

إلى البيت

تحب العتبات أقداماً، وتلفظ أخرى، دون تدخلٍ منا

تتفاءل الأبوابُ

تحنّ وتتذكر

،،

ربعُ قرنٍ سوف يتوقف الآن يا أمى

سنلتقى أنا و”سالم ” فى الذاكرة

سلام

لكل شىء نهاية

كل عادةٍ مصيرها إلى التقاعد

كبرنا إلى هذه الدرجة يا ” سالم “

بقيتْ لى ثلاث سنوات، وأحال، أنا الآخر، إلى المعاش

لا أحسّ بشىء حيال التقدم فى العمر

لا عتاب ولا ضغينة

أترك الزمن يخترقنى، كسهم

ولا أُعقّب

،،

أهى الزيارة الأخيرة التى أراك فيها يا أمى

دلينى على شىء أفعله حيال الزمن

عقارب الساعة

ماذا تفعل الأمهات قبل أن تمتن

كيف ترتعشن يا أمى

أخبرينى، مقدماً ، عن موتك، كى أحذفه عند حصوله

كأنه جملة لم تُكتب

،،

غياب الأصدقاء القدامى مريرٌ

كغياب الأمهات

الصداقة أمومةٌ، قبل أى شىء

كل يوم لا ترى فيه أمك

يُخصم من عمرك مرة، ومن عمرها مرات

،،

كل طرقة منك يا ” سالم ” كانت تأتى بالحلوى لبناتى

بقوالبَ صغيرة من الشيكولاتة تناسب أعمارهن

هنا على السطوح فى ” المقطم “

نتذكر أنا وأنت أصدقائنا المشتركين

السحب المشتركة

نتبادلُ كسرةَ الخبز

وحين نتكلم عن الحقيقة تطفر منا الدموع

علينا أن نتوقف اليوم يا صاحبى

هل حقاً وصلنا، بهذه السرعة

لن أقتح لك الباب مجدداً، لتدخل بالقصيدة، على باطك، كأنها فتاة رضيعة

علبة شيكولاتة لأطفالى الغائبين

حتى الخراب كنت شاهدى الوحيد عليه

كم أتعبتك وأنا ألحّ عليك فى الهاتف بالتفاصيل نفسِها عن الشريك حين يغدر

البيت الذى يخرب فجأة، بلا مبررٍ يا سالم

هو ما يُفطرُ القلب

عندما نتذكر

،،

المزعج ليس مرور العمر، ولا الشيخوخة يا صديقى

المزعج أننا، حين نركض، نبتعد أكثر

،،

هناك، فى “مطروح “

عرفتُ الحب،

تبولتُ دماً

عرفتُ كيف يتحولُ اثنانِ إلى واحد

كيف يعود لوح الزجاج، عندما ينكسر، إلى رمل

عرفتُ معنى أن يكون البيت لوحَ زجاجٍ

يسقط على المارة من الطابق الرابع

عرفتُ بيتى، وتحولتُ معه إلى شظايا

كلنا يعرفُ البيت يا “سالم “

القلبَ إذا حلتْ به مصيبة

كلانا أصيب فى مقتل

الفارق بيننا أنك لا تحب المشى

تباً لك

ولا تطيق أن تحمل حتى أكياس الأرز،

لهذا كرهتك، لكننى سرعان ما كنت أنسى، عندما تزورنى،

مرة كل شهر

ولو بكيسٍ واحدٍ ألمسُ من خلاله أمى

،،

الصداقة أمٌ

حتى وإن قتلنا الأصدقاء

والمشى يعنى أن شخصاً ما يفتح قلبه لأمه الأرض

يصل الرحم

،،

هناك مشيت، عرفتُ نفسى

وهناك ولدتً أنت

أنا ذهبتُ بطفولةٍ وافدة، ولم تحتج أنت إلى طفولة، لتكبر

على أرض أجدادك

القرابة مع الأرض تعلم الأقدام المشى ، قبل الأوان

تحوّل الأصابعَ إلى جذور

نحن مدينون للصحراء

للألغام التى نسيتْها الحربُ فى جوفنا

للخراب

لم تحتج إلى التنقل مثلى، لتنسى نفسك

لم تجرب اليتم يا ” سالم “

لم تبن جذورك، مثلى ، فى أرضٍ لا تحبّ الوافدين

لكنك تعرف الشقاء معرفتك بقبيلتك

بقلبك الذى تصالحتَ معه مبكراً

منذورٌ أنت لحل الخلافات، رغم كسلك المزمن

رغم ضيقك، مؤخراً ، بهذا الدور

قلبى معك

لكلٍ منا أطفاله، أحزانه

اجتمع فى القلب كل شىء من قبل:

التعاسة والسعادة، الرضا والسخط

عرفنا المصيرَ الذى يحدق فينا

نحن نمرق يا صاحبى، وأولادنا يمرقون

نسينا أن نعدّ أنفاسنا، لنعرف الباقى منها

ذهبتُ إلى هناك أنا وإخوتى بالحظ الذى ورثناه عن أسلافنا

التورط، دون قصدٍ

فى المأساة

:

من السهل أن تعرف الخراب، لأنه يُحدث صوتاً، عند وقوعه، كقرع الطبول

نحن لا نخرج أبداً من الأنقاض

سعيدٌ من ينجو من نفسه يا “سالم “

من الغربة

من الحبيبة حين تنقلبُ إلى عدوٍ

سعداء أولئك الذين يمشون، وهم يعرفون أنهم لن يصلوا

محظوظ من يجد الحقيقة، ولم يشق فى تربيتها

المشكلة يا “سالم ” أننا نعرف الخراب أكثر، كلما كبرتْ أمهاتنا

نتلامس مع الموت بالأكتاف، حين يصبحن جلداً على عظم

رغم ذلك نحن محظوظان يا صاحبى

أنت تحلم برطل لحمٍ كلّ عيد، فيأتيك كبش

وأنا ما زلتُ أمشى

ما زلت قادراً على تصديق قلبى

محظوظ من لم تُحن الظروفُ هامته

نحن محظوظان، رغم الفقر

عرفنا المطر، حضن الأم

زرقة البحر

رقدنا طويلاً بالليل، فى الصحراء

تحت النجوم

كبشناها بأيدينا

حرثنا السماء، بأظافرنا، كى نعرف الرضا

الرضا حفل تنكرى صامت، كالسحب

طريق جبلىّ يأخذ من القلب راقاتٍ يا “سالم “

والمشكلة أنك لا تعرف أبداً إن كنت حقاً رضيت

المشكلة ليست فى سوء الحظ،

ولا فى الأفواه الستة التى عليك أن تطعمها، من جديدٍ

كأنها لم تكبر

ليست فى ابننا الأخرس، الذى لا نحتاج إلى كلمات منه، لنحبه

ليست فيمن نحبّ، أو فيمن نفارق

المشكلة المزمنة يا سالم،

المصيبة التى حلت بقلبى

أن الميتات الكثيرة التى ماتتها أمى، من قبل،

واسترسلتْ بعدها فى العيش

جعلتنى أصدق فعلاً أن أمى خالدة .

 

 

البهاء حسين

85 مقال
- من مواليد سوهاج فى 18 مايو 1969م - صحفى بجريدة الأهرام صدر له : - نفس البحر، شعر، هيئة…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع