د. رضا عبد الرحيم
تماهى موضوع رواية مقتل الكومنداتورللكاتب اليابانى هاروكى موراكامى مع ملحمة “جلجاميش” (ملك أوروك القديمة فى الألف الثالثة قبل الميلاد) فى الكثير من النقاط ، على الرغم من اختلاف السياق، إلا أن هذا الموضوع يحمل جو مشابه لجو ملحمة جلجاميش أكثر منها قضية نظائر وأصول ..فالرواية تنتمى جزئيا إلى العالم الميثوبى(الأسطورى)، مع خلوها من عالم يؤاخى الآلهة وأنصاف الآلهة فيه البشر.
فهل حاول هاروكى أن يخلق أساطير جديدة كأسطورة الأمهات فى الجزء الثانى من فاوست / جوته، ولكن بشكل حديث، يتناسب مع العصر؟
ونجد الكثير من نقاط التلاقى بين الروايتين فى الجزء الخاص بمغامرة الغابة(الواقع)، وإن كان الهدف من الرحلة مختلفا ، كذا رؤية العالم السفلى( ممرات الخيال/ المجاز)، وهو يقارب روايتنا كثيرا. إنهما متشابهان حقا، لكنهما مختلفان أيضا !
فالبيئة التى عاش فيها جلجاميش مشابهة جدا للبيئة التى قام المؤلف اليايانى برسمها، حيث الطبيعة البكر، بكل عناصرها المتمثلة فى : الغابة والبرارى والجبل(موطن الآلهة) والنهر- البحر – المحيط (الحد الفاصل بين الوجود والعدم)،الكهف(المسكن) ، ، البومة القرناء، والغراب( يمثلان دورة الحياة الليل والنهار).
فإذا كان جلجاميش( ثلثا إله ، وثلث بشرى)، فأختار المؤلف اليابانى بطل روايته فنان (رسام) والفن أيضا يحمل إلهاما إلهيا، وكلهما يوصف بميله الشديد للنساء، ففى ملحمة جلجاميش : إن شهوته لا تترك عذراء لحبيبها، ولا بنت المحارب ولا زوجة النبيل، ومع هذا فهذا هو راعى المدينة، حكيم، وسيم، وعنيد[!]، وفى روايتنا يحدث نفسه قائلا: ..، ولست أدرى لماذا ! لم يراودنى أى إحساس بالذنب فى إغواء نساء يتعلمن على يدى. بل بدا لىً أن إقامة علاقة جنسية معهما أمر طبيعى تماما، كأن نسأل عن الساعة شخصا نصادفه فى الشارع .
وكما اتخذ جلجاميش “إنكيدو” رفيقا له في رحلته في الغابة، نجد بطل روايتنا يتخذ” منشكى” رفيقا في رحلته في الغابة .. ومثلما كان جلجاميش وحيدا في رحلته في العالم السفلى، كان بطل روايتنا وحيدا في رحلته في العالم السفلى.. وتشابهت نتائج المغامرة في الحالتين كما سنرى.
ففي الغابة كان جلجاميش بصحبة “إنكيدو” وكان الهدف القضاء على “حمبابا” إله الغابة ، نقرأ: بعد عشرين فرسخا أفطرا، وبعد ثلاثين فرسخا أخرى توقفا لقضاء الليل، خمسون فرسخا قطعاها في يوم واحد، وفى ثلاثة أيام طانا قد قطعا مسيرة شهر وأسبوعين. عبرا سبعة جبال قبل أن يصلا إلى بوابة الغابة، اقتربا منها في عجب. لم يكونا قد أبصرا بعد أشجار الأزر الشامخة، ولكنهما أعجبا بدعامت البوابة أشد الإعجاب. كان ارتفاعها اثنين وسبعين ذراعا، وعرضها أربعة وعشرين ذراعا، كان المحور والحلق والكتف كلها متقنة. عملها الصناع في نيبور- مدينة إنليل المقدسة.
ذهبا معا تاركين البوابة خلفهما حتى وصلا إلى الجبل الأخضر. ….، هناك حفر جلجاميش بئرا أمام الشمس الغاربة. صعد الجبل ووضع طعاما طيبا على الأرض وقال: ” أيها الجبل، يا موطن الآلهة، إيتنى بحلم مطمئن”. ثم أخذ كل منهما بيد الآخر ورقدا كى يناما، واحتواهما النوم الذى يتدفق من الليل،….، وفى اليوم التالى قطعا عشرين فرسخا ثم أفطرا، وبعد ثلاثين فرسخا أخرى توقفا ليقضيا الليل. حفرا بئرا قبل أن تغرب الشمس وصعد جلجاميش الجبل وضع طعاما طيبا على الأرض وقال: ” أيها الجبل، يا موطن الآلهة، ارسل حلما لإنكيدو. ابعث إليه بحلم مطمئن،…، وعندما هبطا من الجبل أمسك جلجاميش البلطة في يده، وأسقط أشجار الأرز. وعندما سمع حمبابا الضوضاء من بعيد اشتد به الغضب،…، خرج حمبابا من بيته القوى المصنوع من أشجار الأرز،…، هبت الرياح الثمان على حمبابا، لطمت عينيه، شلت حركته، لم يستطع الكر أو الفر، واضطر إلى الاستسلام. أصغى جلجاميش لكلمة صاحبه، أخذ البلطة في يده، ونزع السيف من منطقته، وضرب حمبابا بطعنة من سيفه في رقبته، وضرب رفيقه إنكيدو الضربة الثانية. عند الضربة الثالثة سقط حمبابا، كان يرقد في سكون الموتى.جاءت الفوضى بعد ذلك ، فقد كان حمبابا الذى أسقطوه أرضا هو حارس الغابة، هذا الذى كانت حرمون ولبنان ترتعد لكلماته. الآن تحركت الجبال، تحركت سلاسل التلال، لأن حارس أشجار الأرز ميتا .
كذا كان بطل روايتنا بصحبة صديقه” منشكى” ، وكان الهدف التحقق من صوت” الجرس”، الذى يسمعه بطلنا في كوخه، ومصدره الغابة.نقرأ: مسكتُ المصباح اليدوى. خرج” منشكى” من الباب، وأخرج من صندوق سيارة الجاغوار الخلفى مصباحا يدويا كبيرا، يبدو قد أعده لتلك المغامرة. ثم صعدنا الدرجات السبع في الغابة البرية. لم يكن ضوء القمر كأمس الأول ، لكنه أنار موطىء أقدامنا. درنا خلف نموذج مجسُم المعبد، نشق طريقنا وسط الأغصان وصولا إلى جثوة الصخور. ثم أصغينا السُمع هناك ثانية.ما من أدنى مجال للشك في أن الصوت الغامض يتسرب من بين فراغات الصخور. دار ” منشكى” ببطء حولها، وتفحص فراغاتها بانتباه بالغ مستعينا بضوء المصباح . لكنه لم يجد أي شيء خارج عن المألوف. مجرد عدد من الصخور القديمة التي غطاها العفن، متراصة بطريقة عشوائية بعضها فوق بعض . التفت إلىً. بدا لى وجهه تحت ضوء القمر أشبه بالأقنعة الغتيقة. فهل بدا وجهى له بالشكل نفسه ياتُرى؟ ثم قال كأنه يتحدث إلى نفسه:”قد يكون أحد ما، يطلب النجدة”.”ولكن من هذا الذى استطاع الدخول تحت كومة الأحجار الثقيلة هذه؟”
…، ظل منشكى يفكر بعمق، ثم قال: يجب استدعاء شركة محترفة لإزالة تلك الكمية من الصخور.استخدم العمُال سيارة خاصة لنقل حفارة صغيرة إلى أعلى الجبل. تابعنا العمل من مكان بعيد، أُزيحت الصخور كلها تقريبا عند منتصف الظهر، اكتشفنا هناك أحجار أخرى تحت الجثوة، مصطفة بانتظام نسبيا، لتشكل قاعدة حجرية منبسطة، بما يشبه المربع بمساحة مترين من كل ضلع تقريبا، وتحتها شبكة متينة، وعمقها أقل من مترين ونصف المتر تقريبا. مطوقة بالأحجار كليا. ويبدو أن قاعها ليس فيه إلا تربة طبيعية؛ خالية من العشب تماما. كانت الغرفة خاوية كليا: لا أثر لشخص يطلب النجدة، لا مومياء تشبه اللحم المتيبس. إلا أن في القاع جرسا.وعندما غادر العمال ، طغى على المكان صمتُ الجبال المعهود. فبدا المكان الذى قُلب رأسا على عقب، حزينا مؤلما كجلد إنسان أُجريت له عملية جراحية. تحطمت أغصان الغاب التي كانت تفخر بعلوها وازدهارها، تحت الوطء حتى الرمق الأخير. وكانت الأمطار قد توقفت تماما، لكن السماء متشحة بغيوم رمادية متلبدة.
وإن كان تجرؤ جلجاميش ورفيقه إنكيدو على الغابة وحارسها كان سببا لموت إنكيدو كما سنوضح ، كما كان سببا لرحلته إلى العالم السفلى؛ بحثا عن الخلود . فقد أفضى نفس الفعل إلى نتيجة مماثلة لـ”منشكى” رفيق البطل في روايتنا ،حيث خاض الأخير تجربة الاقتراب من الموت. ففي ملحمة جلجاميش نقرأ: قال آنو لإنليل:” ينبغي أن يموت أحدهما؛ لأنهما قد قتلا ثور السماء وقتلا حمبابا، فليكن الشخص الذى جرد الجبال من أشجار الأرز”. ولكن إنليل قال:”فليمت إنكيدو، ولكن جلجاميش لن يموت”. وهكذا سقط إنكيدو مريضا ، رقد أمام جلجاميش وتدفق الدمع من عينيه أنهارا. قال له جلجاميش: ” يا أخى الحبيب، لماذا يتركونى لكى يأخذك أنت؟” قال أيضا:” ترى هل أصبح على أن أجلس خارج باب الأرواح بجانب أشباح الموتى، ولا أرى أخى الحبيب ثانية؟”.
وفى روايتنا نقرأ: قال منشكى: “بخصوص الحفرة الحجرية التي في الغابة. لقد أمضيت فيها حوالى الساعة يومذاك. جلست في قاعها وحيدا بلا مصباح، بعدما أغلقتها وركنت فوق الغطاء أثقالا من الصخور. وطلبت منك أن تعود بعد ساعة لتخرجنى منها. هل تذكر؟”…،” ليس الموت أقسى ما كنت أخشاه وأنا حبيس مكان مغلق ومظلم.لا. لقد راودنى الخوف عندما فكرت بأننى أخاطر في البقاء حيا هكذا إلى الأبد. تملكنى الخوف حينها فعلا. خوف يقطع الأنفاس . دهمتنى الهلوسات، رأيت الحيطان تتراص لتطحننى. ومن الضرورى أن يتجاوز المرء هذا الخوف إذا أراد الصمود حيا هناك. ينبغي أن ينتصر على نفسه . وهذه فائدة تجربة الاقتراب من الموت.”
وكما اعتمدت ملحمة جلجاميش كمقدمة للولوج إلى العالم السفلى على قصة الطوفان في العراق القديم (بيئة الملحمة)، وهى أسطورة سومرية وبابلية قديمة تسبق الروايات الدينية…اعتمد الكاتب الياباني في روايته على أسطورة يابانية قديمة ، وهى أسطورة مومياء بوذا المحنط : راهب بوذى من قديم الزمان، يسلك درب الموت لبلوغ الاستناره الأبدية، فتُبنى غرفة من الحجارة تحت الأرض، مزودة بأنبوب من الخيزران يخرج من سطح الأرض لتأمين التهوية. وقبل الدخول فيها، يتبع الراهب حمية تُعرف بـ”الموكوجيكى”، بحيث إذا مات لا يتفسخ جسده، بل يتحول إلى مومياء محنطة بالكامل. وقد تقرر الطقس أن يُخرج من هناك بعد ثلاث سنوات وثلاثة أشهر. وهكذا توضع مومياء الراهب في تابوت داخل المعبد ، ويحج إليه الناس تعبدا واستغاثة.
وفى العالم السفلى في ملحمة جلجاميش نقرأ: عندما سمع جلجاميش هذا امتثل لما قاله الرجل العقرب، تبع طريق الشمس إلى شرقه عبر الجبل. وما أن قطع فرسخا واحدا حتى تكاثفت الظلمات من حوله. لم يستطع أن يرى شيئا أمامه أو خلفه، إذ لم يكن هناك ضوء. بعد فرسخين كانت الظلمة كثيفة ، …..، وبعد أن قطع ثمانية فراسخ أطلق جلجاميش صرخة مدوية إذ كانت الظلمة كثيفة فلم يستطع أن يرى شيئا أمامه أو خلفه،…، وبعد اثنى عشر فرسخا تدفق ضوء الشمس.وهناك(حديقة الآلهة) كانت تعيش بجوار البحر، المرأة صاحبة الكروم، صانعة الخمر “سيدورى” التي نصحته قائلة: إن هناك أسفل الغابة ستجد”أرشانابى” نوتى “أتنابشتيم”(نوح) ، ربما عبرت الماء معه! وبالفعل عبر معه ووصل إلى “أتنابشتيم.وكما كان جلجاميش وحيدا لا يملك قاربا للعبور ، وعليه أن يعثر على النوتى، كما أن اتجاهات السير غير مؤكدة.
فـ بطل روايتنا قد حمله النوتى(عديم الوجه) إلى الضفة الأخرى من النهر على مركب أيضا؛ بحثا عن “مارية أكيكاوا” ..وهو يصف المركب: بأنه مجرد صندوق خشبى يطفو على سطح الماء، لم أفهم ما القوة المحركة للمركب، لكننا كنا نتقدم باتجاه الضفة المقابلة، فى صمت مُطبق. لا أسمع صوت محرك أو أى ماكينة من أى نوع .وهو وصف يكاد يكون متطابقا مع المركب والنوتى والرحلة الخاص بملحمة “جلجاميش”يقول أتنابشتيم، فى سره، محدثا نفسه: لماذا يبحر القارب دون حبال وصارى، ولماذا تحطمت الأحجار المقدسة، ولماذا لايقود الربان القارب؟ !
نقرأ من رواية مقتل الكومنداتور وصفا للعالم السفلى: بعد ذلك، حسمت أمرى وانحنيت حتى بت كمن يسير على أربع، وأدخلت نصفى الأعلى في الجُحر،…، كان ارتفاعه يتراوح بين ستين وسبعين سنتيمترا، وعرضه لا يصل إلى مترواحد.وبدا لى أنه يستمر إلى ما لا نهاية، مثل أنبوب طبيعى من الظلام، يضيق في أماكن ويتسع في أماكن أخرى. وأحيانا يأخذ شكل المنحنى الأفقى، والمنحدر الصاعد تارة والهابط طورا،…، حاولت أن أعود أدراجى. فكان من المستحيل تغيير وجهة السير.سيطر الرعب على كل أنحاء جسدى . وتجمدت في ذلك المكان حرفيا،…، وبصعوبة بالغة .كان قلبى يصدر صوتا مُضطربا يشبه صوت شباك النافذة الحديدية حين تهتز بسبب رياح عنيفة. ازداد الجُحر ضيقا، وصعُب على التقدم. اجتاحنى ذعر شديد، وأصبحت أطرافى عاجزة عن الحركة وكأنها شلت. وصارت أنفاسى صعبة ثقيلة. انتهى الجُحر فجأة.اندفع جسمى إلى حيز من الفراغ ليس فيه شيء. وأخيرا، فهمت. كنت موجودا في الحُفرة التي خلف نموذج المعبد وسط الغابة البرية!


















