القايد

عبد الرحمن أقريش

عبد الرحمن أقريش

آسفي، 1980.

طريق المقاطعة الثالثة.

يقود (بوشعيب) سيارته (الإم روج) ببطء في اتجاه مقر عمله في المقاطعة الثالثة، كعادته يصل متأخرا، يدخل من الباب الرئيسي للمقاطعة، يلقي نظرة سريعة على المكان، ينظر إلى الناس وهم ينتظمون صفا أو صفين ينتظرون، أغلبهم مواطنون بسطاء، عمال مياومون وموسميون، نساء فقيرات، ربات بيوت، أرامل، وأخريات يشتغلن في معامل السردين…

يدخل (بوشعيب) إلى مكتبه، ويبدأ عمله الإداري بنفس الطقوس التي لا تتغير أبدا، يتناول فطوره للمرة الثانية، يدخن، يتحدث في الهاتف، يهاتف زوجته، يطمئن على الأولاد، بعدها يتصل بوالدته، يسألها عن الصحة، يذكرها بموعد الطبيب، وضرورة احترام مواعيد الدواء والحمية، وقبل أن يغلق الهاتف، يطلب منها أن تسلم على (الحاج)، يقصد والده، وألا تنساه من دعواتها الصالحة.

–     شوفي الوالدة الله يطول عمرك، زوج الأمور لي مهمة فحياتي، العمل ديالي، والرضا ديالك…

يضع السماعة، يشعل سيجارة أخرى، ويطلق العنان لهواجسه، يفكر أنه محظوظ، محظوظ ومحسود في نفس الوقت، فالكثيرون يتمنون جزءا من المكاسب والمزايا المرتبطة بمنصبه، اللوحة المعدنية على مكتبه (مكتب السيد القايد)، مكتب واسع، مريح، مكيف وأنيق، ثم هذه التفاصيل الأخرى المرتبطة بالمنصب، اللقب، بدلة العمل الرسمية، النياشين، سيارة الخدمة، نظرة الإعجاب والحسد في عيون الشباب والطلبة، نظرة الخضوع المعجون بالخوف في عيون البسطاء وهم ينتظرون أمام مكتبه، ثم هذا الجيش من الحثالة الذين يشتغلون تحت إمرته، مقدمون وشيوخ، متزلفون وبصاصون ينقلون إليه عشرات القضايا كل يوم، مخالفات البناء العشوائي، إصلاحات غير مرخصة، احتلال الملك العمومي، العربات المجرورة ومشاكل الأسواق العشوائية، دعارة، تهريب وتجارة مشبوهة…

ثم ينتبه، يعود إلى نفسه، ينظر إلى الساعة الحائطية المعلقة أمامه، ينظر بعدها إلى ساعته اليدوية، يقدر أن الناس هناك في الممرات وأمام مكتبه ينتظرون منذ ساعات، ولكن ذلك لا يزعجه، فالناس ينبغي أن ينتظروا ساعات قبل أن يحضر، وعندما يحضر عليهم أن ينتظروا مزيدا من الوقت.

يفلسف (بوشعيب) المسألة على طريقته الخاصة، لا يتعلق الأمر بالكسل أو التقاعس، أبدا، التأخر في نظره إشارة إلى أهمية شخصه وخطورة منصبه، التأخر معناه أن هناك أشياء أهم وأخطر من هذه الطوابير التي تقف كل يوم أمام مكتبه، أشياء تخص الدولة، عقل الدولة، أمن الدولة، أسرار الدولة…

…

تمر الأيام، ثم ينطفئ تدريجيا وهج البدايات، عندها يستيقظ (بوشعيب) من أحلامه الملونة، ويكتشف أن كل ذلك هو مجرد مظاهر، بهرجة وأوهام سخيفة وتافهة، في الطريق إلى العمل، يتأمل المسار الذي يعبره يوميا، يلتفت، يمينا ويسارا، في كل مكان تنتشر أكياس البلاستيك السوداء، تنفخ فيها الريح، تتطاير، تسافر، ثم تعلق، تمسكها الأسلاك والأشواك، فتبدو مثل غربان متحركة، أحياء بأسماء غريبة، حي الصهد، الحفرة، دوار الحجر، دوار الظلام، دوار المساخيط، سوق العفاريت…

شوارع محفرة، مجاري مكشوفة وقذرة، دواب عجفاء، هائمة ومتخلى عنها، قطط مشردة وكلاب ضالة، أسواق عشوائية تنبت من الأرض كالفطر، ذباب أخضر وأزرق، مأكولات ولحوم معروضة في العراء…

يفكر، يشعر بالغضب، يحدث نفسه بصوت مسموع.

–     في مواقع أخرى، يجني الآخرون ثروة، ثروة حقيقية، وأنا أغرق هنا في هذا العالم السفلي الحقير، دعارة، مخدرات، لصوص صغار، رشاوى وسرقات تافهة، عالم حضيض تفوح منه رائحة العفن والشر الرخيص…

يستعمل (بوشعيب) عبارة (الشر الرخيص) للإشارة إلى كل الانحرافات التي يرتكبها الناس الذين يقبعون في الحضيض، في القاع، في العالم السفلي للمجتمع، فقراء، مهمشون، لصوص صغار، مدمنون، مهووسون، بغايا، تجار مخدرات من الصنف الرديء…

وبالمقابل هناك الشر الآخر، (الشر الغالي)، الشر الذي يحتكره أصحاب البدلات الأنيقة، لصوص كبار من عجينة خاصة، أصحاب مناصب، مسؤولون، أثرياء ورجال أعمال، خريجو مدارس، جامعات ومعاهد عليا.

يحاول (بوشعيب) السيطرة على مشاعره السلبية، وعندما يفشل، ينفعل، ثم يغضب أكثر عندما يتذكر موقف الإهانة الذي تعرض له منذ سنوات.

المدرسة الوطنية للإدارة.

1، شارع النصر، الرباط.

يجلس مثل تلميذ مبتدأ أمام لجنة امتحانات تكوين أطر وزارة الداخلية، ينظر رئيس اللجنة إلى الأوراق أمامه، ينظر إلى صورة (بوشعيب) في أعلى الملف، ثم يرفع بصره، ينظر إليه نظرة جامدة، يتأمله، يزم شفتيه، ثم يسأله.

–     أشنو اسميتك؟

–     (بوشعيب)

يبتسم الرجل نصف ابتسامة، تنمحي ابتسامته، يحل محلها تعبير يشبه الألم أو الامتعاض، ينحني قليلا، ينظر إليه من فوق نظارته الطبية، ينظر إليه بعينين متورمتين أتعبتهما الخمرة وإدمان السهر، يعدل هيئته، يلقي أمامه رابطة عنق ملونة، ثم يسأله.

–      أفترض أنك تعرف كيف تربط هذا الشريط؟

انطبعت تلك الصورة في ذهن (بوشعيب) إلى الأبد، وفي كل مرة يسترجعها يشعر بالإهانة والغضب، بالنسبة له كانت المسألة واضحة، كان ذلك السؤال صيغة للإشارة إلى أصوله الفلاحية، صيغة تحقير تقول (لا يحق لمن يحمل إسما غريبا كهذا أن يلج دائرة السلطة، أنت مجرد فلاح، عروبي، ستكون قايد، نعم، لا، ربما، ولكنك في نظرنا لا شيء، أنت مجرد خماس ينضاف إلى خماسين…)

أخيرا، يخرج (بوشعيب) من مكتبه، يقف على الدرجة الرخامية في مكان مرتفع، ينظر إلى الناس من عل، ينهمر سيل الشكاوى والتوسلات، ينصت صامتا، ترتسم على ملامحه خطوط الانتباه والحزم والجدية.

–      بغيت نسترجع العربة ديالي، إنها مصدر رزقي وقوت أولادي…

–     الناس ديال اللجنة، هدموا البراكة ديالي، ورموني في العراء…

–      أنا فقير وبغيت شهادة الضعف…

–      أنا عاطل، وبغيت نخدم في الإنعاش الوطني…

–      الله يخليك سعادة القايد…

–      الله يطول عمرك سيدي القايد…

…

لا يحب (بوشعيب) عمله ولا يكرهه، ولكنه ينجزه دائما بكثير من الإخلاص والتفاني، يخرج في حملات منظمة لمحاربة البناء العشوائي، وأخرى لمحاربة التسول وتجميع المشردين، يطارد الباعة المتجولين، يصادر بضاعتهم…وطبعا، تحدث بين الحين والآخر أشياء غير عادلة، أشياء تزعجه، تقلقه، تخضه من الداخل، تجتاحه سحابة من عواطف عابرة، يضعف، يسترجع إنسانيته، يبدو متعاطفا، رحيما، يستيقظ وعيه الشقي، يشعر بالغضب، يحزن، يعذبه ضميره، خصوصا عندما يكون ضحاياه من كبار السن، رجل عجوز أعشى يجلس أمام بوابة السوق الأسبوعي، يضع أمامه سلة من القصب، يبيع البيض البلدي، سيدة زنجية، عوراء، تفترش علبة كارتون، تلتحف السواد، تبيع مسحوق الكحل وأعواد السواك وخلطات بلدية لترطيب الشعر، وأخرى لتفتيح البشرة…

ولكن ضعفه الإنساني مجرد حالة عابرة، لأن (بوشعيب) لا يحزن فعلا، لا يحزن حقيقة، فعندما يتعلق الأمر بالعمل، يرفس البضاعة بحذائه، يدمرها، يصادرها، يهدد، يتوعد، يمر الناس، ينظرون إليه خاضعين، مستسلمين، ينظرون إليه بعيون يسكنها الخوف والعجز والغضب، أما هو فينظر إليهم باحتقار، فيبدو شريرا، قاسيا، صارما، ولكنه في قرارة نفسه يبدو منخرطا، مرتاحا، متصالحا مع ذاته ومستمتعا تماما بما يفعل…

…

أشياء كثيرة وقعت في حياة (بوشعيب)، بصمت مساره المهني وارتسمت في ذاكرته إلى الأبد، أشياء تعتبر في نظره علامات مشرقة، منجزات، يستحضرها بكثير من الفخر والاعتزاز، وأخرى تشعره بالخزي والعار، يتجنبها، ويحاول عبثا دفنها في مكان قصي من ذاكرته.

لم تنس المدينة أبدا يوم الاقتراع، عندما اقتحم هو ومساعدوه مكتب الاقتراع واختطفوا الصندوق الزجاجي، وضعه (بوشعيب) في سيارته، وحمله إلى مكان مجهول…

في الحقيقة لم يكن مكانا مجهولا.

أما هو فلم ينس حدثا آخر. (لن ينساه أبدا)

كان حدثا بسيطا وعابرا، وفي كل مرة يسترجعه يشعر وكأن ذلك وقع بالأمس، في نظره كان ذلك الحدث اختبارا حقيقيا لسلطته وهيبة منصبه.

دخل (بوشعيب) إلى الحمام العمومي، كان مساعده قد هيء كل شيء، اقتطع جزءا من الغرفة المعتمة بالبخار، نظف المكان، وضع أدوات الاستحمام بنظام، رتبها، تأكد من اعتدال حرارة الماء، وقبل أن يغادر، إلتفت إلى الناس وخاطبهم بلغة آمرة.

–     عافاكم، لا أحد يجلس في هذا المكان، سعادة القائد سوف يستحم هنا…

جلس (بوشعيب)، مدد جسده، أغمض عينه، استرخى، استسلم، وراح يستمتع بدفء المكان، ثم انخرط في إغفاءة تشبه الغيبوبة.

يأتي (بوشعيب) إلى هذا الحمام مرة كل أسبوع، هنا يمارس طقوسا من نوع آخر، نوع من اليوغا، نوع من التطهير، يغتسل، ويحاول أن يخلص نفسه من بعض ما ترسب فيها بفعل ضغوط الحياة وإكراهات العمل.

ثم في لحظة ما، تملكه شعور غريب، بدا له الأمر شبيها بحلم أو خاطرة، أحس أن أمرا مريبا يحدث على بعد خطوة أو خطوتين، يسمع صوت ضحكات طفولية، ضحكات مرحة، منفلتة وجامحة، فتح عينيه وراح ينظر وينتظر، وأخيرا عندما انقشعت سحابة البخار رأى طفلا صغيرا، يقف أمامه عاريا تماما، يمسك شيئه الصغير منتصبا وقاسيا، يوجهه إلى الأواني البلاستيكية المنتظمة أمامه، يتبول في كل آنية بمقدار، ثم ينتقل بعدها إلى الآنية الأخرى.

في البداية أحس (بوشعيب) بالغضب، غضب هستيري ومنفلت، أرغد وأزبد، كيف يجرؤ هذا الشيطان الصغير على التبول في آنية (سعادة القايد) الذي تهابه المدينة كلها، ولكنه في النهاية كظم غيظه، قدر أن الولد الصغير تصرف بدافع من نزق الطفولة، وأن الأمر لا يستحق الغضب…

عندما استعاد (بوشعيب) هدوئه، كان الولد الصغير قد اختفى، اختفى مثلما ظهر فجأة، ابتلعته سحابة البخار من جديد.

…

يحتشد الناس في باحة المقاطعة، ينظرون، ينتظرون، يعرضون شكاياتهم بالتناوب، بعضهم يبدو غاضبا، البعض يبدو حزينا، والبعض الآخر يبدو مستسلما ومهزوما، تقف سيدة عند عتبة الباب المفتوح، على بعد خطوات من مكتب القايد، تبدو كما لو أنها استيقظت توا من كابوس فظيع ولبست ملابسها على عجل، وجه بلون التراب، مغضن بملامح عنيفة وصارمة، جسد قوي متصلب، نحته الجهل والفقر والعمل القاسي، جاءت تحتج لأن السلطات قررت أن تهدم براكتها بحجة أنها بنيت عشوائيا.

–     آش من حق هذا؟ قايد أخذ رشاوي باش الناس تبني براكة فين تعيش، وقايد آخر يقرر أن يهدمها فوق رؤوسهم، آش من قانون هذا؟

خاطبها القايد (بوشعيب) بهدوء ولكن بصرامة.

–      شوفي أيتها المرأة، القانون هو القانون، ينبغي أن تغادري البراكة في أقرب وقت، لأن السلطة سوف تجرفها غدا في الصباح…

تدير المرأة بصرها في أرجاء المكتب وكأنها تبحث عن شيء ما، ثم تغضب فجأة، تخرج عن طورها، تتهور، تنظر إلى القايد بقسوة، تدير ثوب الحمال من على ظهرها، تجره إلى الأمام في حركة منفلتة، تنزعه، تمسك وليدها الصغير من معصمه، يتدلى وكأنه دمية أو خرقة بالية، تخضه بعنف، تلوح به، يبكي الطفل بألم، يتعالى صراخه، تهم أن تطرحه أرضا، تخاطب القايد بصوت حاسم، تهدده.

–      شوف أسي القايد، يا تلقى شي حل لقضيتي، وإلا راني نقتل هاذ الصبي قدامك، ونقتلك نتا، ونقتل راسي، ونقلبوها جمهورية…

للحظة، انفعل (بوشعيب) بشدة، هب واقفا يهم بطرد المرأة من مكتبه، ولكنه لسبب ما تراجع، توقف مشلولا، عاجزا، بدا وكأنه لا يستوعب الموقف، فقد أصيب بالصدمة عندما قرأ جنون الغضب في عيني المرأة، أدار الموضوع بسرعة في دماغه، تهدده بقتل وليدها، تهدده هو بالقتل، تهدده بقتل نفسها، كل هذه أمور خطيرة، ولكنها في النهاية أمور عادية ومفهومة في نوبات الغضب، ولكن الخطير أنها تهدده بقلب النظام وإقامة جمهورية…

نظر (بوشعيب) إلى المرأة، نظر في وجوه الناس، ثم عاد إلى مكتبه، جلس إلى كرسيه الفخم، جلس هناك متهالكا ولاذ بالصمت.

 

 

كاتب وقاص من المغرب

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع