القاهرة التي لا تقرأ مرتين!

abd alsalam farouk

عبد السلام فاروق

لا أثق بالمدن التي تمنحك وجهها كاملاً منذ اللقاء الأول، تلك التي تفتح أدراجها وتريَك خباياها كأنها تبيع جسدها في وضح النهار. باريس أنيقة، نعم، لكن أناقتها أناقة المرايا التي لا تعكس إلا ما يريد الزائر أن يراه. نيويورك شامخة، بلا شك، غير أن شموخها شموخ الأبراج التي تصرخ في وجه السماء طلبًا للاهتمام، كامرأة بلغت الخمسين وما زالت تلبس ثياب العشرينيات. أما القاهرة… فالقاهرة لا تشبه أحدًا ولا تشبه نفسها في المرتين.

هي مدينة تعرف متى تدير ظهرها ومتى تبتسم. لا تشرح لك شيئًا، ولا تعتذر عن صمتها. تتركك تقرأ الشوارع كأنها مخطوطات قديمة بليت حواشيها، تنتظر منك أن تعيد تركيب النص المفقود. القاهرة نص مفتوح على كل التأويلات، ومن يظن أنه فهمها من أول قراءة فهو واهم، بل لعله لم يقرأ أصلًا!.

نشأت القاهرة في حضن الموت، وهذه ليست استعارة بلاغية تقال في المجالس، بل حقيقة تمشي في شوارعها العتيقة. بناها الفاطميون فوق عظام الفسطاط والعسكر والقطائع، كأنها ولدت وفي أذنها صدى النهايات السابقة. لهذا لا تخاف الموت؛ لأنها جربته قبل أن تجرب الحياة. مدن كثيرة تعرف الحياة ثم تكتشف الموت، أما القاهرة فعرفت الموت أولًا، ثم قررت أن تتجاوزه بأن تمتلئ بالحياة حتى الاختناق.

في المدن الأخرى، الأشباح قلة تتوارى في الزوايا. أما في القاهرة، فالأشباح أكثرية صامتة تسكن الشرفات والمقاهي وأشرطة الكاسيت البالية. غير أن أشباح القاهرة لا تخيف بالمعنى التقليدي؛ إنها أشباح حميمية، تجلس معك على المقهى وتشرب معك الشاي، وتربت على كتفك حين تتوه منك الطريق.

نجيب محفوظ لم يغادر القاهرة، حتى بعد أن غادر جسده. ما زال يجلس في ركنه بمقهى الفيشاوي، يرى الحارة التي كتبها وقد صارت متحفًا للزوار، فيبتسم ابتسامة من يعرف أن الأمكنة تخون أصحابها أحيانًا. بجواره يجلس يوسف السباعي، يعود كل ليلة من قبرص حيث غدر به الموت، لكي يتفقد أبطاله الذين ما زالوا ينتظرون نهاياتهم. وفي الركن البعيد يقف إحسان عبد القدوس يراقب نساء القاهرة الجديدات، وقد تجاوزن حدوده بأشواط، فيهز رأسه قائلًا: كنت أعرف أنكن قادمات.

أعرف أن هذا يبدو غريبًا، لكنني لا أطلب منك تصديقي. فقط جرب أن تمشي في شبرا قبل الفجر، حين تكون القاهرة في أصدق حالاتها، ستشعر أنك تمشي في رواية لم يكتمل فصلها الأخير، وأن الأبطال ما زالوا يتحركون في الظلال من حولك.

وحين نتحدث عن الأصوات، فلا بد أن نتوقف طويلًا.

أم كلثوم لم تمت، لأن الموت يحتاج إلى موافقة الضحية، وهي لم توافق. صوتها هو ذاكرة مصر التي ترفض الانقراض. حين رحلت، حاولوا دفنها بالصمت، فخرج صوتها من المقاهي والبلكونات وأجهزة الراديو العتيقة، كأنه الماء الذي كلما سدوا منافذه وجد منفذًا جديدًا. أم كلثوم ليست مغنية، بل فكرة. فكرة أن هذا البلد قادر، رغم كل شيء، على أن يلد ما لا يموت.

وعبد الحليم مات مرتين، مرة بمرضه الذي لم يرحمه، ومرة بقلبه الذي ظل ينزف حتى آخر يوم. ومع ذلك، ما زال يغني من شباك سيارة أجرة قديمة تسير في شوارع المدينة المزدحمة. وفريد الأطرش يعزف في شقة معتمة بحي العجوزة، لكن أحدًا لم يعد يسمعه. المشكلة ليست في موت الأصوات، بل في موت الآذان التي كانت تسمع. المدينة ما زالت تحمل أصواتهم في جدرانها، لكننا أغلقنا نوافذنا على ضجيج لا يشبه أحدًا.

أما النساء، فلهن حكاية أخرى.

شادية اختارت الصمت، فكان صمت النهر الذي بلغ مصبه قرر أن يتوقف بلا ضجيج. فاتن حمامة ماتت وهي تقف، كشجرة قديمة ترفض أن تنحني للريح. أما سعاد حسني، فقد اختارت السقوط من شرفة في لندن، بعيدًا عن القاهرة. وهنا تكمن المأساة؛ أن تسقط القاهرة في لندن. كأن المدينة التي علمت بناتها فن الحياة، عجزت عن إنقاذهن من فن الموت.

السينما المصرية كانت تتنبأ دائمًا بمشهد السقوط؛ من شرفة، من سطح، من قطار. كأن الشاشة كانت تكتب مصير المدينة قبل أن يحدث. القاهرة تعيش على الحافة دائمًا؛ على حافة النيل، على حافة الصحراء، على حافة التاريخ، على حافة الهاوية. ومن يعش على الحافة، فعليه أن يدفع ثمن تلك الإقامة الخطرة. لكن القاهرة لا تسقط. تترنح، تتعثر، تقترب من الحافة حتى تكاد تلامس الفراغ، ثم تعود إلى الوراء ببراعة من يعرف أن السقوط ترف لا تملك ثمنه. هي مدينة بهلوانية بالفطرة، تسير على الحبل المشدود فوق هاوية لا قرار لها، ولا تسقط.

وسر هذا التوازن المستحيل بسيط؛ القاهرة ليست مدينة واحدة. إنها سبع مدن متراكمة فوق بعضها، كل واحدة مبنية على أنقاض التي قبلها. مدينة الفاطميين تحت مدينة المماليك، تحت العثمانيين، تحت الاحتلال، تحت يوليو، تحت السادات، تحت مبارك، تحت التي تمشي فيها الآن. طبقات جيولوجية من بشر وحجر، وكل طبقة تغذي التي فوقها بلحمها وعظمها. لهذا تمشي في القاهرة فتشعر أنك تمشي فوق ملايين القلوب التي ما زالت تنبض تحت الأرض.

الموتى هنا لا يرحلون. يبقون في البيوت، في الأسماء، في العادات، في طعم الخبز. المدينة مثقلة بموتاها كما هي مثقلة بأحيائها. لكن الموتى لا يقطعون الطرق، ولا يلوثون الهواء، ولا يفسدون الأخلاق. الأحياء هم المشكلة. الأحياء هم الذين حولوا المدينة إلى ورشة ضخمة للفوضى!.

وهناك الفقر.

ليس الفقر الذي تعرفه من كتب الاقتصاد، بل فقر أعمق وأخطر. القاهرة كانت فقيرة منذ ولادتها، لكنها كانت تعرف كيف تحول فقرها إلى ذهب. كانت تنتج من الجوع ألحانًا، ومن العوز روايات، ومن الضيق أفلامًا. كانت تستثمر فقرها في الإبداع، فتكسب. الفقر الحقيقي ليس أن تملك القليل، بل أن تفقد القدرة على تحويل القليل إلى كثير. القاهرة اليوم فقيرة، نعم، لكنها فقيرة بطريقة مختلفة؛ فقيرة في خيالها، في ذوقها، في طموحها، في حبها. هذا هو الفقر الذي لا يعالجه المال. هذا هو الفقر الذي يحول المدينة من مصنع للأحلام إلى مخزن للبضائع التالفة.

لكن القاهرة عنيدة. وفي مكان ما، في حجرة صغيرة بمنطقة شعبية، ربما يجلس الآن شاب يكتب رواية، أو يلحن أغنية، أو يحلم بفيلم. لا بد. هذا قانون القاهرة القديم؛ حين تبلغ القاع، تعود إلى السطح لتتنفس.

أعرف أن كلامي يبدو متشائمًا. لكنه ليس تشاؤم اليائس، بل صراحة الطبيب الذي يعرف أن المجاملة لا تشفي. القاهرة مريضة، ومرضها مزمن، لكن موتها مستحيل. من يظن أن القاهرة يمكن أن تموت لا يعرف القاهرة، ولا يعرف أن المدن التي وُلدت في المقابر لا تخاف العودة إليها.

يقولون إن لكل إنسان مدينة واحدة تسكنه. مهما سافر، ومهما ابتعد، تظل هناك مدينة تحمل روحه. بالنسبة لي، هذه المدينة هي القاهرة. ليس لأنني اخترتها، لكن لأنها اختارتني. القاهرة لا تستأذن أحدًا في الانتماء إليها. إنها تبتلعك ثم تقرر بعد ذلك ماذا تفعل بك. وأنا ابتلعتني منذ زمن، وما زالت تمضغني ببطء. وأنا لا أشكو. فابتلاع القاهرة له مذاق خاص، مذاق الحنين الذي لا ينتهي، والشوق الذي لا يشفى.

في النهاية، أنا لا أرى القاهرة مدينة. أراها رواية طويلة بلا نهاية، تبدأ كل صباح من حيث انتهت الليلة الماضية، وتنتهي كل ليلة من حيث ستبدأ صباح الغد. فيها أبطال يموتون ويحيون، وشوارع تبتلع سكانها ثم تلفظهم في أزمنة أخرى، وأصوات تخرج من الماضي لتغني في الحاضر، ومقابر تسكنها أحياء، وأحياء يسكنها موتى.

ربما لهذا أحبها. لأنها تمنحني ما لا تمنحه أي مدينة أخرى؛ الشعور بأنني أعيش في رواية، وأن كل فصل فيها يحمل مفاجأة لا تشبه ما قبلها. القاهرة تخيفني أحيانًا، لكنها تخيفني كما يخيفك شيء تحبه ولا تستطيع الابتعاد عنه. أخاف من ضياعها، ومن تحولها إلى مدينة أخرى لا أعرفها. لكنها تعود دائمًا، كالعفريت الذي يظهر في نهاية الفيلم ليعلن أن الحكاية لم تنته بعد.

القاهرة لا تنتهي. إنها سلسلة مستمرة من الرعب والجمال، وجمهورها مستمر أيضًا. وأنا، للأسف أو لحسن الحظ، من جمهورها المخلصين. سأظل أجلس في المقعد الأخير، أشاهد العرض، وأصفق في النهاية، حتى لو كان العرض مرعبًا.

ففي النهاية، الرعب الذي اعتدته أفضل من الأمان الذي لم أجربه.

القاهرة هي رعبي المألوف، وأماني المؤجل، وحياتي التي أعيشها بنصف قلب، بينما النصف الآخر ما زال هناك، في حارة قديمة، ينتظر نجيب محفوظ أن يكتب نهاية تليق بمدينة تعبت من النهايات السعيدة والمأساوية معًا.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع