الفاشوش في حكم قراقوش

قراقوش

مرفت رجب

أخذت مكاني على المقعد المجاور لباب القاعة الصغيرة، تسهيلًا للهروب من الندوة دون إزعاج أيٍّ من المتحدثين على المنصة، أو من الحضور الذين ما زالوا يتوافدون، مع أن الساعة تجاوزت السادسة، موعد بدء الندوة، وعليه فالوقت لا يسمح بأن أشرح سبب انزعاجي من وضع مروحة زنانة تسد فتحة الباب، وتحول دون فراري إن لزم الأمر، وعلى الفور قررت أن يكون فراري إلى الداخل، وحملت نفسي إلى أحد المقاعد الخالية ليكون ظهري للحائط، ولأجد بابًا آخر على مقربة من يساري، ولا ألومنَّ إلا نفسي.

فقد فوجئت بعدم وجود ميكروفون يوضح صوت أيٍّ من المتحدثين الخمسة، الذين بدوا يتنافسون للفوز بجائزة أضعف صوت،….

ولقد صبرت واحتملت، وجاهدت لالتقاط ما يحفزني على البقاء، حتى انتهى الجزء الأول من الندوة.

ولقد سارعت بالفرار، تاركة الجميع في حال من المسرة، لم يحرمني من اكتمالها سوى اختياري الخاطئ لمقعد الاضطرار، وانشغال ذهني، ولو قليلًا، بواحد من كتب نجم الندوة الساطع؛ الدكتور عمرو منير.

اشتريت الكتاب من الركن المخصص لعرض الكتب خارج القاعة، وعدت مسرعة إلى البيت لأفوز بالمفاجأة، إذ لم أكد أنتهي من قراءة أولى الصفحات حتى تحولت شكوكي إلى يقين. نعم، وفعلاً، وحقًّا، أن كتاب «الفاشوش في حكم قراقوش» كان موضوع إحدى حلقات برنامجي «ثمرات الأوراق»، الذي كنت أقدمه في إذاعة صوت العرب قبل أربعين سنة.

◦ ……

بدأت رحلة التأكد بصبر غائم، وفي اليوم التالي نقلت الخبر إلى الروائي الكبير سعد القرش، الذي كان ضمن المتحدثين في الندوة، وسرَّه احتمال أن تكون هناك حلقة، وكان هذا كافيًا للحفز على التأكد… لكن كيف لي أن أتأكد دون مؤشر يدلنا على تاريخ التسجيل أو تاريخ الإذاعة؟ الأمر يحتاج إلى معجزة، وليس إلى القلق، وعليه فقد قلت لنفسي: إن كان هناك حل، فسيكون عند السيد رئيس الإذاعة.

وعلى الفور أرسلت إلى الزميل العزيز الأستاذ عبد الرحمن البسيوني، بطلب البحث عن حلقة كتاب «الفاشوش في حكم قراقوش»، ولم يمضِ من الوقت ما يسمح لي بالقلق، ذلك أن نسخة الـMP3 التي وصلتني على الواتس كانت تسجيلًا واضحًا رائقًا للحلقة المذاعة في صوت العرب من أربعييييييييييين سنة……

«إنني لما رأيت عقل بهاء الدين قراقوش مِحْزمة فاشوش، قد أتلف الأمة، والله يكشف عنهم كل غُمة، لا يقتدي بعالم، ولا يعرف المظلوم من الظالم، الشكية عنده لمن سبق، ولا يهتدي لمن صدق، ولا يقدر أحد، مهما بلغ من عظم منزلته، أن يرد كلمته، ويشتط اشتياط الشيطان، ويحكم حكمًا ما أنزل الله به من سلطان».

هكذا قدَّم ابن ممّاتي لكتابه «الفاشوش في حكم قراقوش»، وقد كان قراقوش نائب صلاح الدين الأيوبي على قيادة القاهرة، وهو الذي بنى سورها وقلعتها، لكن يبدو أن خصومة نشبت بينه وبين ابن ممّاتي، فألف كتابه «الفاشوش» ليسخر من قراقوش، وبينما كان قراقوش جنديًّا بارزًا، صوَّره الكاتب حاكمًا ظالمًا غبيًّا أحمق، حتى صار مثلًا في الحكم السيئ، وذلك من خلال سخرية شعبية تعتمد على البساطة والسذاجة والجرأة…

— وما تظنان أننا فاعلان؟ هذا الأجرود نتف لحيتينا.

— هل تريدان أن تقولا إنكما كنتما ضحية هذا الأجرود؟

— معنا شهود. إن سألت أيًّا واحدًا منهم وصف لك كيف كانت لحيتي، وكيف كانت لحية زميلي. لقد كانت لكلٍّ منا لحية كبيرة ظاهرة، أما هذا الأجرود، فهو كما ترى.

— أرى أن لا لحية له، لكن ما الذي دفعه لفعل ما فعل؟ أهي الغيرة؟ رأى كلًّا منكما يتمتع بلحية كبيرة، وهو لا لحية له، فانتقم لنفسه بنتف لحيتيكما.

— لهذا نريد مقابلة مولانا بهاء الدين قراقوش ليأخذ لنا حقنا من هذا الأجرود.

— سأدخلكما إليه، لكن تذكرا أنكما طلبتما أن يكون مولانا قراقوش صاحب الكلمة الأخيرة في أمر النزاع بينكما وبين هذا الأجرود.

— ماذا تقول؟

— نتف ذقني وذقن زميلي.

— إذن فقد كان لكلٍّ منكما ذقن.

— من الذي فعل هذا بكما؟

— هذا الأجرود. خذ لنا حقنا منه يا مولانا، فقد نتف ذقوننا، وخرق ثيابنا.

— ويلكم! نتفتم ذقن الصبي، وجئتم تشكونه!

— يا حراس، يا حراس! خذوهما للحبس، ولا تخرجوهما حتى تطلق ذقن هذا الصبي.

ليست السطور المحددة بالأقواس سوى نسخة مما ورد في الدقائق الأولى من حلقة البرنامج، التي غمرني الاستماع إليها بدفقة انشراح لا أملك إلا محاولة نقلها لكم، وهي بالقطع غير كافية، لكنها مجرد تصبيرة حتى أحل مشكلتي مع التكنولوجيا، وأتمكن من نقل النسخة الصوتية.

…………………….

* إذاعية مصرية قديرة، من مواليد القاهرة، تولت رئاسة التليفزيون المصري عام 2001، وكانت رئيس الإدارة المركزية للعلاقات الدولية باتحاد الإذاعة والتليفزيون في الفترة من 1997حتي 2001. قدمت وكتبت العديد من البرامج الإذاعية في إذاعة صوت العرب منها ما يزيد عن 200 حلقة من برنامج قصة عربية، خاضت تجربة الكتابة الدرامية الإذاعية من خلال عدة أعمال منها: المسلسل الإذاعي رحلة مع الأحلام.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع