الغضب ومقاماته في رواية “مقامات الغضب” لصفاء النجار

safaa al naggar

د. أشرف الصباغ

إن الميل للبحث عن معنى “المقامة” و”المقامات” ودلالاتها في اللغة أو في تاريخ السرد الأدبي، قد يدفعنا إلى طريق خادع لقراءة رواية صفاء النجار “مقامات الغضب”، لكنه على أي حال سيكون “قراءة” حتى وإن كانت خادعة. كما أن البحث في اللغة عن معنى المقامة والمقامات قد يتعلق بالبحث اللغوي أكثر ما يتعلق بالبحث عن الدلالات والخطاب الكلي للعمل الأدبي قيد القراءة. إننا هنا لسنا بصدد عمل تقليدي لا من حيث الشكل، ولا حتى الطرح، لأن ما حدث قد حدث، ولا داعي للبحث عن تطور الأحداث بشكل عارم، إلا ما يمكن تسميته بـ “حصاد تصرفات الأبطال”. إذ أن الرواية من الروايات التي تحاول طرح وجهة نظر، سواء في أحداث سياسية، أو في تحولات نفسية واجتماعية. وفي المقابل يمكن النظر إلى الأحداث نفسها، وإلى تداعياتها، وتأثيرها على الأشخاص الذين يدفعون أثمانًا باهظة وبدرجات مختلفة جراء هذه الأحداث.

عندما ننظر إلى “مقامات الغضب”، سنجد أنها تطرح علينا مشهدًا تاريخيًّا آنيًّا، أو بالأحرى مقطعًا من حياة المصريين في مكان وزمان معينين. وإذا دققنا بتمعن في هذا المستوى من الطرح، سنكتشف على الفور مستوى آخر لاستعراض حياة قطاع من المصريين وهو يطرح أسئلة حياتية ووجودية الخيبة والحسرة الشخصيتين، والفشل العام، وضياع الأحلام، والعدالة المفقودة حتى في تفاصيل الحياة البسيطة. كل ذلك على الرغم من أن كل هذه الشخصيات تقريبًا تمتلك الإمكانيات والقدرات المادية والمعيشية التي تعينها على الحياة، وتجعلها تعيش بشكل أفضل بكثير من قطاعات وشرائح وطبقات أخرى محيطة بها، تحتل جزءا لا بأس به من المشهد العام، وإن كانت تلعب أدورًا ثانوية في الرواية نفسها.

هنا نكتشف أيضا أننا أمام بشر لديهم مشاكلهم أيضا على الرغم من الحياة الجيدة التي يعيشونها. وفي الحقيقة، فنحن لسنا بمعرض إدانة ومحاكمة الشخصيات بسبب مواقفها السياسية أو رؤيتها لثورة 25 يناير، ولسنا بمعرض تبرير أخطاء وزلات هذه الشخصية أو تلك، ولا حتى بمعرض تبرير تصرفات أو تبرئة هذا الشخص أو ذاك، لأن هؤلاء الناس يعيشون بيننا ومعنا وبجوارنا، ولا يمكن تهميشهم أو تجاهلهم. لكننا معنيون بدرجات مختلفة بالإلمام بما حدث، ولماذا حدث، وهل وصلنا إلى هذه الدرجة من التردي والفشل؟ وما العمل؟ وهل يمكن إصلاح ما حدث، أم ينبغي الاستمرار وتفادي الأخطاء والسلبيات السابقة وعدم تكرارها.

رواية “مقامات الغضب” لصفاء النجار تتضمن أربع مقامات “المغامرة، والحيرة، والترقب، والترحال”. تضم المقامة الأولى ثلاثة أصوات لكل من “أروى” و”سلوى” ولواء الشرطة “يسري صالح” والد سلوى وجد ابنتها أروى. يروي كل منهم عن حياته في الجزء الأول، في إيقاع بوليفوني يميز الرواية بأكملها. وإذا كانت أروى وجدها اللواء يسري صالح تطرقا إلى علاقتهما بثورة يناير 2011، فإن سلوى اختارت أن تطرح نفسها في شكل إنساني أكثر اتساعًا وتشعبًا، وتمنح القارئ بعض “الأكواد” التي ستفتح- فيما بعد- أبواب وخزائن حيرتها الوجودية وقلقها النفسي والإنساني، وأوجاعها وآلامها، واختياراتها التي لم يكن لها يد فيها، أو إرادة حرة للتمييز بينها.

في الجزء الثاني “مقامات الحيرة” تتسع مساحات السرد لتتناول نشأة تلك الأسرة التي تحيط بها “اللعنة”، وتترصد لها التحولات السياسية والاجتماعية، والوضع الاجتماعي- الوظيفي، بما يمليه من وعي محدد لرؤية العالم والأحداث، والتحولات السياسية والاجتماعية. غير أن أصوات أروى وسلوى واللواء يسري صالح تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث القلق والحيرة والإحساس بالهشاشة لدى أروى ووالدتها سلوى. بينما تتميز شخصية يسري صالح بيقين وواقعية اكتسبتهما بفعل عناصر كثيرة، وبما تتميز به الشخصية من قوة ونفوذ وسلطة حتى بعد أن أنهى خدمته قبل الثورة بعامين.

كل صوت من هذه الأصوات الثلاثة يحكي بتلقائية وحرية تامتين من دون مبالغات، يعلن عن انتمائه وتحيزه من دون أقنعة أو رتوش. ويظهر صوت فادي- زوج أروى- في الجزء الثاني “مقامات الحيرة” ليمنح الرواية فضاءًا إضافيًّا يثري مسارات الحيرة التي اعتمدت هنا على نشأته المسيحية، واعتناقه الديانة الإسلامية.

النسيج البوليفوني للرواية يأتي على خلفية تحولات سياسية وتاريخية واجتماعية من جهة، ومحطات حياتية وإنسانية من جهة أخرى، ليقدم لوحة متشابكة للمجتمع المصري خلال السنوات السبعين الأخيرة تقريبا، وفي المركز منها تداعيات ثورة يناير 2011، وما أسفرت عنه من تأثيرات، وبالذات على الشريحة العليا من الطبقة الوسطى.

لا علاقة هنا بين المقامة والمقامات بمعناها التقليدي والدارج، او بدلالاتها اللغوية. ولا علاقة لها بالصوفية والتصوف، لأن الرواية تطرح علينا مقطعًا واقعيًّا لحياة البشر وتصوراتهم وأحلامهم، وتفاصيل حب وزواج وطلاق ومشاكل مادية، على خلفية تحولات اجتماعية وسياسية وتكنولوجية، وعدم رضا وغضب وتمرد تصل حتى إلى الثورة. هنا نكتشف أن الرواية تطرح ما يجري من زاوية محددة، وتحشد التفاصيل وتُراكمُها في محاولة للعثور على أسباب ما. تطرح أسئلة كثيرة عن الشخصي والذاتي، وعن الوجود واللا جدوى، لكنها لا تطرح إطلاقًا أي حلول، لأنها في الحقيقة غير معنية بالإجابة على أي تساؤلات.

إن رواية “مقامات الغضب” تمتلك عنوانًا دالًا يحيلنا إلى أحد المعاني العميقة للغضب نفسه. ذلك الغضب الهادئ، غير الصاخب. بينما تسمية الأجزاء الأربعة بالمقامات، لا يمكنها أيضا أن تحيلنا إلى أي تهويمات لغوية أو سردية، بقدر ما تحيلنا إلى سياقات واقعية تمامًا، ومن ثم يمكن أن نسميها الأجزاء الأربعة لرواية “مقامات الغضب”، حيث يتولى كل جزء منها مسؤولية تعميق التفاصيل والرؤى وخطابات كل شخصية من جهة، وتحريض القرينة الثقافية ورصيد الوعي لدى المتلقي على طرح المزيد من الأسئلة من جهة أخرى، ومحاولة فهم هذه الشخصيات التي تنتمي إلى الشريحة العليا من الطبقة الوسطى.

تسحبنا أروى بمكر طفلة نزقة إلى حالة من الخفة تتواري خلفها حكايات كثيرة متنوعة عن الحياة: حياتها وحياة الآخرين، وربما حياة القارئ نفسه. وفي ذات الوقت تملي على القارئ قواعد اللعبة النفسية. هكذا يبدو الأمر في البداية، مجرد لعبة لفتاة متمردة تستخدم مفردات دالة للغاية للتعبير عن علاقتها بمن حولها، بهؤلاء الكبار الذين يفسدون كل شيء، سواء بمعرفتهم ومعارفهم، أو بادعائهم المعرفة والعلم بكل شيء، وحقهم في تعليم الآخرين كيف يعيشون ويتصرفون، لدرجة أنها “تعيد تركيب وجهها وتلطع عليه ابتسامة”. وفي الوقت نفسه، لا ترغب في تبديد طاقتها لتذكِّرهم بزلاتهم وأخطائهم وتقصيرهم تجاهها.

أروى حفيدة لواء الشرطة يسري صالح، وابنة رجل الأعمال سامر، ابن أحد الأثرياء من ملاك العقارات، هي ابنة الظروف التي أدت لثورة 25 يناير. ابنتها سواء على مستوى الوصاية المضروبة عليها أو تمردها بحكم السن والدراسة، والحياة، ورؤيتها يوميا للمرضى الفقراء حول مستشفى قصر العيني. فشل الثورة ضاعف من هشاشتها، دفعها إلى حافة العدمية. هنا يمكن أن ندرك الدوافع الموضوعية لنزقها وغضبها وتمردها، بل ودوافعها للاستنتاج المهم بأن أهم “مكاسب” الثورة أنها جاءت بالإخوان المسلمين. ومن الواضح أيضا أن هناك أسبابًا أخرى دفعتها للتمرد والنزق، فوجدت في الثورة أرضا خصبة لتفريغ هذه الطاقة.

الأم سلوى تستعرض حياتها، وتحاكم نفسها بموضوعية شديدة تقارب الإدانة. نحن هنا أمام شخصية مسلوبة، تحصي خطوات حياتها وفق ترتيب درجات السلم. وكيف انزلقت على كل درجة، وكل درجة هي تجربة حياتية مرتبطة بالأمومة وبالأنوثة، وبعلاقاتها بكل من ابنها الأكبر شريف وابنتها الأصغر أروى.

سلوى تعرف جيدا ديون تلك الأسرة التي صنعت منها أسرة “ملعونة”، أو بتعبير أدق، أسرة محاطة باللعنة، وبديون الحياة التي يسددها كل فرد منها من حياته ومستقبله ووجدانه وراحته وأمانه.

نحن هنا أمام سردية، أو رؤية للثورة وتداعياتها وتفاصيلها من زاوية أسرة تنتمي إلى الشريحة العليا من الطبقة الوسطى، تمتلك كل الأدوات اللازمة لحياة جيدة: المال والسلطة والنفوذ. فما الذي يمكن أن يكون قد دفع أروى للمشاركة في الثورة؟ وما هي أسباب غضبها وتمردها، سواء قبل الثورة، أو بعدها؟

نحن أمام شخصيات معزولة عن بعضها البعض، وبنتيجة غياب الجسور بينها، تلجأ إلى الفضفضة والتداعيات، ويفضل كل منها أن يحكي باستفاضة عن علاقاته ببقية الشخصية. لكن هناك انطباع قوي بأنه بدلًا من أن تتعلم الشخصيات وتتجاوز الفضفضة والتداعي والتبرير والتطهر، نجدها متمسكة بمواقفها ظاهريًّا، على عكس هشاشتها وترددها عندما تفضفض وتتداعى.

هذه الشخصيات مكبلة بالدين والعادات والتقاليد، متمسكة برؤاها للواقع وللأحداث، لا تستطيع أن تتجاوز مساحات التداعي والتبرير، وفي الوقت نفسه نكتشف، بين ثنايا السرد وتدافع المصائر، مساحة من التسامح والمرونة في النظر إلى العالم، وإلى العقائد والإيمان. وهذه السمة متأصلة في الشريحة العليا من الطبقة الوسطى على مستوى التنظير والتبرير والمصالح، لأنها متعلمة جيدًا، وميسورة، وتمتلك القدرة على التعبير النظري والتبرير أيضا. وحاجتها للدين ليست مقتصرة على شكل الطقوس والعبادات والراحة النفسية، بل تتجاوزها لحل مشاكل أخرى وشرعنة بعض مصالحها وعلاقاتها. وهو نفس منطق احتياج الفضائيات للدين، ونفس منطق الدولة للدين. ولكن أي دين هنا؟ إنه ببساطة الدين الذي يضمن الراحة والهدوء للجميع، ويقف في مواجهة الدين الذي يدعو إليه “الإخوان المسلمون”.

كل شخصية من هذه الشخصيات تكشف، على مدار الأجزاء الثلاثة الأولى، عن جانب من الفساد الاجتماعي، والفساد الإعلامي، والفساد السياسي. وإذا كانت الشخصيات لا تستطيع توجيه إدانة صريحة لهذه الأنواع من الفساد، إلا أنها لا تستطيع إنكارها بالمجمل، بينما تظهر تجليات هذه الأنواع من الفساد على المشهد العام، وعلى شخصيات مثل سامر وشريف اللذين يتسمان بقدر لا بأس به من الأنانية والنرجسية، والبراجماتية.  

إن حالة الازدواجية التي تطال غالبية الشخصيات، وعلى رأسها علي قنديل، تطرح تساؤلات كثيرة، لا يمكن تبريرها بالأمن والمصلحة والحفاظ على النفس، بقدر ارتباطها بالطبيعة البشرية، وبالنشأة الاجتماعية، وبالرغبة في تعويض ما فات. حتى “الشيخ أو الدكتور” على قنديل، ورغم عدم انتمائه لهذه الشريحة، يدرك جيدًا قواعد اللعبة- لعبة الصعود وضرورة الحفاظ عليه. فهو الشيخ الأزهري الذي نشأ وعاش فقيرًا، ولديه الكثير من المشاكل والأزمات الأسرية والاجتماعية، والذي فتح له اللواء يسري منصور الطريق للصعود. ومع الوقت فهم اللعبة وتحول إلى نجم من نجوم الفضائيات وسط إعجاب الجميع ومباركتهم. علمًا بأن كل واحد من هذا “الجميع” يريد منه شيئا محددًا، سواء كانت رحاب زوجته، أو أروى التي “تناغشه” ليصبح أحد ضحاياها، أو الفضائية التي يعمل بها. هذه الشخصية المأساوية المركبة تقول جملة مهمة: “أتحدث عن الله الذي يريدونه أما أنا فعلاقتي به مضطربة أؤمن برحمته ومغفرته لكن أؤمن أيضا أنه مل العالم وهجره وأعطاه ظهره وإلا لماذا كل هذه الكوارث والضحايا والامتهان للأرواح والأجساد لبشر ضعاف ليس لهم من أمرهم شيء ولا يستطيعون لما يصيبهم دفعا؟”.

غير أن الفصول الخاصة- في الجزء الأول، وربما الثاني والثالث- باللواء يسري صالح، تعتبر من الفصول الأكثر دلالة وواقعية، والأكثر تعبيرًا عن زاوية الرؤية: رؤية الثورة، ورؤية انتقاد عمل الحكومة. لواء الشرطة يسري صالح يرصد بعين خبيرة حركة الفقراء، والمرضى الفقراء، والعاملين الفقراء في المنيل. بل ويرصد أيضا تحول المكان من حالة الجمال والبهاء إلى حالة الخراب. يتحدث بشكل طبيعي للغاية، وبشكل إنساني يتعاطف من خلاله مع كل هؤلاء الفقراء، والمرضى الفقراء، بل ويقدم لهم الخدمات بشكل محسوب لا يؤثر على وضعه أو يورطه في أي مشاكل من مشاكلهم. لقد تم نسج هذه الشخصية بدقة وبراعة، ونسج خطابها الإنساني المليء بالعطف والمشاركة وبالأحاسيس والمشاعر الفياضة تجاه الفقراء والمرضى الفقراء. ومع ذلك، فهو ليس إطلاقا على استعداد للتضحية بمكاسبه، أو بوضعه الاجتماعي أو المالي، وليس على استعداد للنظر بشكل أعمق لأسباب الثورة وخروج الناس. إن وعيه الإنساني والوظيفي يحتمان عليه النظر إلى الثورة عبر زوايا معينة، على رأسها تلك الزاوية الواسعة التي تضع الإخوان المسلمين فقط كهدف للتصويب. إنه ببساطة شخصية مركبة وثقيلة، تمارس الطقوس الدينية، وتتعاطف إنسانيًّا، لكن من مسافات محسوبة. هذه الشخصية المهمة على مستوى السرد، تعد شخصية طبيعية في الحياة وفي الواقع، تنطلق من مصالحها في المقام الأول، ومن موقعها الوظيفي والطبقي، بحكم الوظيفة والانتماء الاجتماعي. وبالتالي، من الصعب أن “تنزلق” في الربط بين كل ما يجري حولها وما تراه، وبين تمرد هؤلاء الناس، وربما تعاطفهم بدرجة أو بأخرى مع الثورة، أو حتى التعاطف مع الإخوان المسلمين. فهو كرس حياته، ويعيشها حتى بعد تقاعده، من أجل أمن الوطن.

إن الفصول الخاصة باللواء يسري صالح أقرب إلى حالة التطهر. وإذا نظرنا بعمق، فحالة التطهر هذه موجودة لدى أروى ووالدتها سلوى. أحيانا تأتي في شكل اعترافات، وأحيانا في شكل تبريرات، وفي أحيان أخرى في شكل من أشكال الندم، والرغبة في إصلاح ما حدث. لكن لا أحد يعرف كيف!

نحن هنا أمام شخصيات إنسانية طبيعية، وتراكيب بشرية تعيش في واقع مليء بالأزمات والمشاكل الخاصة والعامة، لكنها بدرجة أو بأخرى لا يمكنها أن تدفع ثمن أي شيء. إنها شخصيات تسعى إلى حماية نفسها بما تملك من أدوات، وبما تستطيع أن تصل إليه من درجات التطهر والاعتراف والتبرير.

هذه الشخصيات في غاية الأهمية لأنها ببساطة كُتِبَت جيدًا، وطُرِحَت بشكل طبيعي بكل عفويتها وتلقائيتها، وتصرفاتها في الحياة. لكن وراء كل هذه العفوية والتلقائية والتطهر والندم والتبرير، مستويات أخرى من الوعي المتيقظ تماما لمواقعها الاجتماعية والوظيفية، وقوتها ونفوذها، على الرغم من أنها ترى ما يجري حولها، وتتحدث عنه، وتعترف به، لكنها لا تستطيع أن تربط بينه وبين النتائج، بينه وبين الثورة، بينه وبين التمرد.. وربما لا تريد أن تفعل ذلك.

الجزء الثالث “مقام الترقب”، والجزء الرابع “مقام الترحال” يمنحان الرواية نكهة “كلاسيكية” بعض الشيء، من حيث التطور البسيط والبطيء للأحداث، ومحاولات كل شخصية كسر طوق مصيرها ومعاناتها. لكن ذلك يأتي ليس من خلال تطور صاخب للأحداث، بقدر ما يسيل عبر التداعي الحر، والاعترافات، والسعي لإيجاد خطوط تماس أو حتى نقاط التقاء بين كل شخصية وأخرى، وبالذات في الجزء الأخير “مقام الترحال”. ولا أحد يمكنه أن يعرف ماذا يمكن أن تفعل، وهل ستنجح أم لا، لأن لا أحد من هذه الشخصيات تنازل عن شيء، أو ضحى بأي شيء. كل ما هنالك أن كلا منها حاول تخفيف أعبائه، والتخلص من بعض الأحمال العاطفية والنفسية التي أرهقتها، وبالذات أروى وسلوى.

إن تعدد الأصوات وتكرارها على مدار الرواية، منح العمل فضاءات إضافية لفهم ليس الواقع فقط من زاوية معينة أو من عدة زوايا، بل إدراك جوانب متعددة ومتنوعة من الطبيعة البشرية لشخصيات موجودة في الحياة جنبًا إلى جنب مع شخصيات وشرائح أخرى قد ترى نفس الأحدث وترويها من أرضية مغايرة تماما، مثل “عارف” و”مرضى” قصر العيني بتصرفاتهم وسلوكياتهم ومعاناتهم، والشيخ “على قنديل” وزوجته “رحاب”.

هذا النوع من الروايات في غاية الأهمية حتى لو خلا من التركيز على معاناة الفقراء والشرائح والطبقات الدنيا، واكتفى بطرح حياة شريحة اجتماعية معينة. إنه هنا يرصد حياة هذه الشريحة، وتناقضاتها، ورؤيتها للواقع. والأهم من ذلك، يكشف عن قوة هذه الشريحة ونفوذها وتأثيرها من جهة، ودورها في أحداث معينة جرت في مرحلة تاريخية معينة من جهة أخرى وطبيعة هذا الدور وقيمته، وقدرتها على الحفاظ على مكاسبها وأوضاعها الاجتماعية من جهة ثالثة، وفائض التخبط والتشوش العاطفي والديني والمشاكل النفسية والأسرية التي تعاني منها من جهة رابعة.

أما “الغضب” في رواية “مقامات الغضب”، قد يبدو واضحًا لدى أروى وسلوى لأسباب ودوافع موجودة داخل العمل، وربما لدى شريف أيضا. وقد يظهر في أشكال أخرى لدى اللواء يسري منصور. ومن الواضح أن غضب أروى موجه إلى الخارج على عكس غضب الأم “سلوى، الموجه إلى الداخل لجلد الذات من جهة، والتطهر من جهة أخرى. ولكن هناك غضبًا آخر أكثر حدة وسخونة وتدميرًا. هذا الغضب يمكن استشرافه والإحساس به من السياق العام للرواية، وبين ثنايا السرد وفي خلفيته أيضا. هذا الغضب تحديدًا هو أحد أسباب التمرد العام، و”الثورة” التي تظهر وتختفي خلال السرد في مشاهد غائمة أحيانًا وواضحة في أحيان أخرى. وهذه أهمية مثل هذه الروايات، ومكر بنائها الفني.

كاتب وروائي ومترجم مصري من أعماله: 1- "قصيدة سرمدية في حانة يزيد بن معاوية"، مجموعة قصصية. دار النهر، القاهرة 1996.…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع