الطاحونة القديمة

حامد موسى

على حافة القرية، حيث تنتهي الطريق الطينية عند حافة الترعة، تقف الطاحونة القديمة كجملٍ هَرِمٍ نَسِيَتْهُ القافلة. جدارٌ من طينٍ مشقَّق، نافذة عالية بلا زجاج، وباب خشبي متدلّي كجفنٍ نعس. منذ عشر سنين لم يدُر حجر الرحى فيها، ومع ذلك يقول أهل القرية إنهم في الليالي الصافية يسمعون خريرًا خافتًا كأنه حنين حبات قمح تُسحَقُ في الظلام.

كان عبدالجليل يجلس أمام باب الطاحونة كل مغرب، عصاه في يده، وعيناه تسبحان بين غبار الغروب وماء الترعة الذي يصير عسليّ اللون عند المساء. كان آخر الطحّانين. ورث الطاحونة عن أبيه، وأبوه عن جده. يعرف كل مسمار فيها، وكل نأمة تصدر عن حجرٍ أو سيرٍ قديم. كان يقول لمن يسأله: “الطاحونة زي القلب؛ ما دام يدقّ، البلد عايشة.”

لكن الأفران الحديثة دخلت القرية، وانتشرت المطاحن الكهربائية، وقلّت الطوابير أمام بابه حتى انقطعت. توقف حجر الرحى، وصمت المحرّك الديزل، وذَهَبَ الزبائن. لم يبقَ سوى عبدالجليل… وصوتٌ يسمعه وحده.

في الليل، عندما ينام الجميع، كان يستيقظ على خَشخَشَةْ. لا هي هسيس الريح ولا صرير باب؛ بل تلك النغمة التي لا تُخطئها أذنه: رنين الحجرين وهما يدوران، الحَجَر الأعلى يعانق الأسفل، وبينهما قمحٌ يصير دقيقًا وأيامًا تصير ذكرى. يتنحنح، يبتسم بحذر، ويقول في سره: “لسّه بتتنفّسي يا ستّي الطاحونة؟”

في الصباح، يمرّ عليه غفير نقطة القرية:

ـ “يا عم عبدالجليل، المجلس عايز الأرض دي نعملها مخزن للقمح. الطاحونة خلاص… زمنها عَدّى.”

يردّ الرجل وهو يربّت على الباب:

ـ “القمح من غير رحى… زي ذكرى من غير حكاية.”

يهزّ الغفير كتفيه ويمضي.

ابنه، أشرف، يجيء من المدينة كل جمعة. يضع أمامه حلوى وابتسامة مُتعَبة:

ـ “يا با، بيع الطاحونة. هنرمّم لك البيت، ونشتريلَك سرير مريح، وجهاز ضغط. خلاص… ما عادش حد بيطحن بالديزل.”

يصمت عبدالجليل. يمدّ إصبعه في الهواء كأنه يختبر الريح:

ـ “أنت سامع؟”

ـ “إيه؟”

ـ “صوتها.”

يتنهّد أشرف:

ـ “ما فيش حاجة يا با… ده طير ولا موتور جيران.”

يبتسم العجوز ابتسامة صغيرة:

ـ “يمكن… ويمكن كمان قلبك اتعوّد على صمتها وما بقاش يفرّق.”

لم يكن صوت الطاحونة وحده ما يوقظه. كان هناك وجهٌ قديم يطلّ من الشقوق كلما تسلل القمر: وجه أخيه “سيد”. قبل عشرين سنة، في نهار قائظ من نهارات الحصاد، انفلت السير الجلدي فجأة وارتطم بصدر سيد. سقط الشاب على الأرض، وانقطع نفسه في لحظة. مات قبل أن يصل الطبيب. ومن يومها، حمل عبدالجليل حجرًا في صدره كأنه جزءٌ من الرحى. أخفى الذنب في أعماقه: هو الذي كان مستعجلاً الزبائن، هو الذي لم يبدّل السير، هو الذي قال: “يمشي لسه.”

لم يبح لأحد. لم تبكِ عيناه يوم الدفن؛ لكن كلما دارت الطاحونة بعدها، شعر أن الحجر يطحن شيئًا خارجه وشيئًا داخله.

في مساء خريفيّ، جاءت لجنة من المحافظة. شاب أنيق يتحدث عن “إعادة توظيف التراث”، وعن مشروع يحوّل الطاحونة إلى “مقهى تراثي” تزيّنه فوانيس وصور قديمة. عرضوا مبلغًا محترمًا.

قال عبدالجليل بهدوء:

ـ “الطاحونة ما هيش صورة. دي جهاز تنفّس.”

ضحك الشاب ساخرا :

ـ “بس الجهاز فاصل من زمان.”

مدّ العجوز يده إلى حجر الباب، كأنه يلمس كتف صديق:

ـ “لو سكت حجرها… لسه قلبها صاحي.”

أعطوه مهلة أسبوع ليتّخذ قرارًا. قال أشرف:

ـ “وقّع يا بابا. ده أحسن لك ولينا.”

لم يردّ. وفي تلك الليلة، قبل الفجر بقليل، حمل عبدالجليل مصباحًا صدئًا ودخل الطاحونة.

البارودة القديمة في الركن، السير مقطوع ومعلّق كجلد ثعبان، رائحة ديزل عتيقة، وغبار كثيف على حجرَي الرحى. مرّر أصابعه على سطح الحجر؛ عاد الطباشير الأبيض إلى أطرافه كأن الدقيق يستيقظ. سحب ذراع التحكّم الذي يقرّب الحجرين من بعضهما، مع أنه يعرف أن لا شيء سيدور. وضع المصباح على الأرض وجلس.

تلفّت حوله، ثم قال بصوتٍ خفيض:

ـ “يا سِتّي الطاحونة… آخر الليل ده لسه صاحية؟ أنا جيت أسمعك كويس قبل ما يبيعوكى”

لم يجب الحجر. لكن الصوت… ذلك الخرير الخافت بدأ من مكانٍ لا يراه. مثل قطة تموء في العتمة، ثم يتسع المواء حتى يصير أنينًا، ثم إيقاعًا يعرفه جسده قبل أذنه: دَوْرٌ يتّسع، نفسٌ يطول، حجران يتقاربان، حبوب تتفتح إلى سحاب أبيض.

ارتعشت ذراعاه. نهض واقترب من بطن الطاحونة. لا محرك، لا ديزل، لا سير. ومع ذلك، كانت تدور.

تدور من أين؟

من ذاكرةٍ أثقل من الحديد.

من يد سيد التي لم تترك المقبض.

من رئات نساءٍ وقَفْنَ في الطابور وهنّ يحملن أكياس من القمح على رؤوسهن.

من أقدام أطفالٍ انشغلوا بقفز الحبل في الساحة وهم ينتظرون أمهاتهم.

من قلب قريةٍ كان ينهضُ على الرغيف ويبيتُ على الرغيف.

جلس عبدالجليل وأسند ظهره إلى الجدار. أغمض عينيه فرأى الطوابير تعود، واحدةً تلو أخرى. رأى أمه وهي تضع له كسرة ساخنة في كفّه، ورأى سيدًا يلوّح له من خلف النافذة العالية ويضحك. اقترب سيد، جلس بقربه، وضع يده على كتفه وقال:

ـ “ما زعلتش. كلنا دقيق في الآخر.”

فتحت الكلمات في صدره بابًا كان مغلقًا منذ عشرين سنة. انحلّ الحجر، وخرج منه بكاءٌ لم يجربه من قبل. بكى طويلًا، حتى ذابت حدود الليل في خطّ رفيع من نور الفجر.

عند أول ضوء، سمع مؤذن الفجر من بعيد. نهض بتؤدة، أزاح المصباح، ومشى نحو دولاب خشبي صغير في الركن، فتحه وأخرج منه كيسًا قديمًا. كان فيه حفنة قمح، أصفر، ناعمٌ كأنه لم يلمس يدًا. صبّها في القادوس فوق الحجر، وهو يعرف أن الحركة كلها حلم؛ لكن الحلم كان واقعيًا إلى الحدّ الذي جعله يسمع حبات القمح تتدحرج واحدةً واحدة.

قال لنفسه:

ـ “أنهي نوبتي بيدي.”

ظل جالسًا حتى اشتد الضوء. توقّف الصوت فجأة، كما بدأ فجأة. بقي الصمت كأن الطاحونة التقطت أنفاسها أخيرًا بعد ركضٍ طويل. مسح عبدالجليل وجهه بطرف جلبابه، وخرج. أغلق الباب بالمفتاح، ثم قبّل الخشب قبلة خفيفة. وضع المفتاح في جيبه وسار ناحية الترعة.

حين وصل أشرف في الضحى، وجد أباه جالسًا على الحافة، يشيّح بيده للشمس.

ـ “صحّيت بدري النهارده؟”

ابتسم العجوز:

ـ “ما نمتش تقريبًا.”

جلس الابن بجواره، مترددًا، ثم قال:

ـ “المحافظة لسه مستنيين ردك. وأنا… أنا شايف إن البيع أحسن.”

أخرج عبدالجليل المفتاح من جيبه، قلّبه بين أصابعه، ثم وضعه في يد ابنه.

ـ “هاتبيع… بيع. بس قبل ما توقّع، ادخل الطاحونة لوحدك بالليل. اقعد شوية. لو سمعت صوتًا… سيبها في حالها. لو ما سمعتش… اعمل اللي تشوفه.”

ضحك أشرف بارتباك:

ـ “يا با، أصوات إيه؟”

ـ “هتعرف يا واد… الصوت اللي جوه منك.”

في تلك الليلة، تردّد أشرف طويلاً قبل أن يدخل. كان يخاف العتمة والغبار وذكريات أبيه. لكنه فتح الباب بحذر، وأضاء هاتفه، ثم جلس على حجرٍ في الركن. أطفأ ضوء الشاشة ليستمع “كما أوصاه أبوه”.

الصمت كثيف. رائحة ديزل قديم ودقيقٍ مهجور.

مرّت دقائق. لا شيء.

قال لنفسه: “أبي يتوهّم.”

نهض، همّ أن يخرج، لكنه توقّف. كان هناك… شيء.

ليس صوتًا واضحًا، بل كأن الهواء نفسه يمرّ عبر شقٍّ ضيّق، يصنع نغمة خافتة تتسلّل من بين شقوق الجدار إلى قلبه مباشرة. جلس ثانية.

راح الصوت يتّضح. لم يكن آلة. كان… إيقاعًا يشبه دقّات قلب تكبُر شيئًا فشيئًا. شعر بأنفاسه تنتظم مع الإيقاع، وبصوتٍ داخلي يهمس: “أنت… لست وحدك.”

أضاء الهاتف مسرعًا، وحين رفعه رأى شيئًا أربكه: على سطح الحجر، حيث لا قمح، ارتسمت طبقة رقيقة من دقيقٍ أبيض، كندى الصباح. مدّ إصبعه ولمسها؛ لطّخت طرفه، فشمّها. رائحة خبزٍ قديم وبيوتٍ دافئة. ابتسم ابتسامة صغيرة تشبه بكاءً مكتومًا، وأطفأ الهاتف مرة أخرى.

في الصباح، طرق باب أبيه وهو يحمل المفتاح:

ـ “مش هبيعها.”

رفع عبدالجليل عينيه إليه، وعلى وجهه ارتياحٌ غائر كأنه نام أخيرًا.

ـ “سمعتِها؟”

هزّ أشرف رأسه بلا كلام، وجلس بجواره طويلاً.

بعد أيام، عادت اللجنة. قال الشاب الأنيق بصوتٍ ممتعض:

ـ “يعني قراركم إيه؟”

ردّ أشرف وهو مندهش من ثبات نبرته:

ـ “الطاحونة هتفضل طاحونة. لو عايزين ترمّموها عشان تشتغل للناس وقت الزحمة… نرحب. غير كده… لأ.”

ضحك الشاب:

ـ “مين لسه بيطحن بالدّيزل؟”

قال عبدالجليل وهو ينظر إلى الترعة:

ـ “الناس اللي قلبها لسه بيسمع.”

مرّ الشتاء، ثم الربيع. لم تعد الطوابير كما كانت، لكن في مواسم الحصاد، يجيء بعض الفلاحين بقمحٍ قليل، كأنهم يقدمون تحيةً قديمة. يجلس عبدالجليل على كرسيّه الخشبي، يعلّم ابنه كيف يقرّب الحجرين بلا قسوة وكيف يترك بينهم “نفَسًا” كي لا يحترق القمح.

في بعض الليالي، يخرج وحده قبل الفجر، يجلس صامتًا بجوار الباب المغلق. يسمع الصوت القديم. أحيانًا يلتفت فيرى سيدًا يمرّ به مبتسمًا، لا يقول شيئًا. يلوّح له بيده، فيلوّح العجوز، ثم يواصل الجلوس حتى يأتي الضوء.

وفي ليلة صيفٍ خانقة، اجتمعت القرية على خبرٍ سريع: “الطاحونة اشتعل فيها نور!” هرع الناس. وجدوا الباب مغلقًا كما هو، لكن نافذتها العالية تشعّ بخيط أبيض كالدقيق المعلّق في الهواء. وقفوا يتبادلون النظرات. قال طفل:

ـ “الطاحونة بترسم قمر!”

ضحك الرجال، ثم سكتوا. لم يفتح أحد الباب. تركوا النور ينطفئ وحده بطلوع الفجر، وعادوا إلى بيوتهم وكأن شيئًا لم يكن.

في الصباح، جلس عبدالجليل في مكانه المعتاد، وعيناه نصف مغمضتين. مرّ غفير نقطة القرية وقال مازحًا:

ـ “الظاهر إن طاحونتك عنيدة.”

قال العجوز:

ـ “مش عنيدة… صبورة.”

ثم أضاف وقد وضع يده على صدره:

ـ “واللي بيدور جوّاها… مش الحجر.”

ظلّت الطاحونة قائمة، لا كمتحفٍ معلّق ولا كمقهى مُزيَّف، بل كقلبٍ قديمٍ يخفُت ويتوهّج على مهل. لم تعد القرية الطرف الذي يأتي ليطحن فقط؛ صارت تقف قبالتها لتسمع، كلٌ بطريقته: هذا يسمع رنين طفولته، وذاك يسمع خطوات أمٍ رحلت، وثالث يسمع صمتًا كثيفًا يشبه نجاةً صغيرة.

أما عبدالجليل، فكان كلما مرّ طفلٌ يحمل كيس قمحٍ صغير، يشير إليه أن يقترب. يضع يده فوق يده على ذراع التحكّم، ويهمس:

ـ “خلي بين الحجرين نَفَسًا…القمح زى الإنسان ، لو ما سبتّلوش هوا يتحرق.”

وفي آخر نهارٍ شهدته الطاحونة قبل مطر كبير، جلس العجوز عند الباب، أمال رأسه إلى الجدار وأغمض عينيه. عندما جاء أشرف يحمله إلى الداخل، كان وجهه مطمئنًا، وعلى أطراف أصابعه غبارٌ أبيض ناعم، كأنه خرج للتو من حلمٍ طحن فيه شيئًا من الزمن.

لم يمت أحد في تلك الليلة. لكن أهل القرية ـ أقسم كثيرٌ منهم ـأنهم سمعوا عند منتصف الليل صوتَ الرحى يدور للمرّة الأولى منذ أعوام طويلة، ثم يتباطأ، ثم يسكن… كقلبٍ سلّم نبضه لابنه ونام.

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع