إيمان عبد الرحيم
فقدت بطاقتي في مبنى الأحوال المدنية. كنت هناك لاستخراج صورة من شهادة ميلادي.
لم أعرف ذلك إلا في المساء، حين عدت إلى البيت وأفرغت حقيبتي على السرير: المحفظة، المفاتيح، علبة السجائر، إيصال الصيدلية، قلم أزرق لا أعرف من أين جاء، منديل ورقي، وقطعتان من اللبان. لم تكن البطاقة بينها.
في الصباح عدت إلى المبنى. كان هناك رجل عند المدخل يجلس خلف مكتب صغير، له كرش مستدير، وقد زحف الصلع على مقدمة رأسه، وإلى جواره كوب شاي غطى سطحه غشاء رقيق. أخبرته أني فقدت بطاقتي هنا بالأمس. رفع عينيه إلي، مستفسرا: أي بطاقة؟ أخبرته: الرقم القومي. مد يده إلى طالبا أن أعطيه إياها، انتظرت لحظة، ظننته يمزح، نظر إلى بصبر نافد، فأخبرته باستهجان أنها لو معي ما كنت جئت إلى هنا! نظر إليّ طويلًا، ثم أشار إلى شباك في آخر الردهة.
اتجهت من فوري إلى الشباك محل الإشارة، عليه يافطة مكتوب عليها: المفقودات، وأمامه طابور من 12 فرد. انتظرت متململة دوري، حتى جاء أخيرا.
أخبرت الموظفة أنني فقدت بطاقتي. قالت: ليست هنا. سألتها أين إذن؟ أشارت إلى أعلى قائلة الدور الأول، غرفة 17.
في غرفة 17 أخبرني رجل نحيل أن البطاقات لا تدخل ضمن اختصاصهم، وأنهم متخصصون في فقد المتعلقات الشخصية
سألته باندهاش: أليست البطاقة من المتعلقات الشخصية؟ رد بأنها مستند رسمي. وأرسلني إلى غرفة 22.
وصلت لغرفة 22 في الطابق الثاني، وكانت للاستعلامات، أرسلني الموظف بدوره إلى الأمن، أعادني من جديد إلى شباك المفقودات. أخبرت الموظفة أني كنت هنا من حوالي الساعة إلا ربع، سألتني عن سبب عودتي إذن، توترت ولم أعرف بماذا أجيب. نظرت لي من فوق نظارتها وتأففت، ثم أرسلتني للأمن من جديد.
بعد ساعتين كنت قد زرت خمس غرف، وثلاثة شبابيك، ومكتبين بلا أرقام، ورجلًا يجلس في ممر ولا أعرف حتى الآن ما وظيفته! له شارب صغير، وعلى مكتبه نبات بلاستيكي تغطي أوراقه طبقة من التراب.
استمع إليّ دون أن يقاطعني. أخبرني بهدوء بعد أن انتهيت أن علي التوجه للطابق الثالث، شكرته وخرجت.
تنفست الصعداء وهرولت باتجاه المصعد. في المصعد كانت الأزرار مرتبة هكذا:
1
2
4
5
حدقت فيها. أغلقت أبواب المصعد ثم فتحتها قبل أن يتحرك. عدت إلى الموظف غاضبة:
– حضرتك قلت الدور الثالث؟
– أيوه
– مفيش دور تالت في الأسانسير.
رد دون أن ينظر إلي، وهو يواصل عمله: – اطلعي السلم.
ذهبت إلى السلم. صعدت إلى الطابق الأول. ثم الثاني. واصلت الصعود، فوجدت نفسي فجأة في الرابع. نزلت ببطء درجة. ثم درجة أخرى. إلى أن وقفت بين الثاني والرابع. كانت هناك بسطة صغيرة، نافذة مغلقة، وطفاية حريق. لا طابق ثالث.
نزلت مسرعة إلى الموظف في الطابق الأرضي، أخبرته أنه لا طابق ثالث أيضاً على السلم. رفع رأسه ببطء متعجبا. وأخبرني أن المبنى فيه طابق ثالث بكل تأكيد
– أين؟
– فوق الثاني.
قلت:
– فوق الثاني الرابع.
هز رأسه.
– الرابع فوق الثالث.
كان واثقا من نفسه ومنطقه محكمًا إلى درجة جعلتني أشك في نفسي.
خرجت وسألت موظفا للأمن على البوابة: أين الدور الثالث؟ رد بثقة: لا يوجد طابق ثالث. أخبرته أن الموظف أكد لي أنه يوجد طابق ثالث. سألني أي موظف؟ وصفت له الرجل ومكتبه، قال: الأستاذ عادل؟ أجبت: ممكن، لكني لا أعرف اسمه.
ضحك. وأشار إلى باب في نهاية الردهة. اتجهت نحو الباب، فوجدته مغلق. سألت عامل النظافة في الجوار. فأخبرني أنه لا يوجد هنا في المبني طابق ثالث.
صعدت إلى الطابق الثاني، ووجدت كافيتريا. كان هناك سيدة عجوز تعد الشاي، سألتها فقالت: “أنا هنا من تسعتاشر سنة، مفيش دور تالت”
اتجهت إلى السلم من جديد، سألت موظفًا كان يدخن على السلم. قال: أتقصدين الرابع القديم؟ استفسرت أكثر، ألقى سيجارته من النافذة وأخبرني أنه قبل الترميم كان الرابع هو الثالث، بادرته:
– يعني الثالث أصبح الرابع؟
– لأ. الثالث اتشال.
كيف يُزال طابق بالكامل!؟ نظر إليّ باستياء، كأن السؤال يتضمن تشكيكًا شخصيًا في نزاهته. حافظت على أعصابي دون انفجار وتوجهت متأففة للمدعو أستاذ عادل من جديد، وكانت هذه المرة الثالثة.
قلت:
— كل الناس يقولون إنه لا يوجد طابق ثالث.
قال:
— كل الناس مين؟
ذكرتهم واحدًا واحدًا.
استمع إلى القائمة، ثم قال: بهائم، لا يفهمون. اسألي فرد الأمن “عوض” في الطابق الثاني.
صعدت إلى الثاني، وسرت في الممر كاملًا. فتحت كل باب كان من الممكن فتحه. دخلت الحمام. خرجت إلى شرفة خلفية. وجدت مخزنًا للكراسي المكسورة وغرفة تحتوي على ملفات تمتد من الأرض إلى السقف. لا شيء.
صعدت إلى الرابع. فعلت الشيء نفسه. ثم لاحظت شيئاً: من نافذة الممر في الطابق الرابع كنت أرى مبنى زجاجي مواجهًا لنا. ثم نظرت إلى نوافذ مبنى الأحوال المدنية المنعكسة في زجاجه: الأول. الثاني. ثم صف كامل من النوافذ بين الثاني والرابع. عدت إلى السلم مسرعة. خرجت من المبنى ونظرت إليه من الخارج. كان هناك بالفعل طابق ثالث بين الطابقين الثاني والرابع. بنوافذ عدة! لكن أين السلم.
عدت إلى الداخل وسألت أحد أفراد الأمن: “الشبابيك دي بتاعة إيه؟” نظر إلى حيث أشرت، حدق قليلًا وقال:” مفيش حاجة ” أكدت له أني أراها بوضوح بين الطابقين الثاني والرابع، فقال كمن تذكر شيئا: “أه.. إنها مجرد واجهة”
عدت وأنا أكاد أبكي إلى الأستاذ عادل للمرة الرابعة أخبرته أني وجدت الطابق لكني لا أعرف كيف أصل إليه، أخبرني أنه طالما وجدت الطابق، فمن المؤكد أني سأستطيع الوصول إليه. ثم التهى عني بالملف أمامه.
مشيت مبتعدة عنه بلا وجهة، ومن جديد سألت كل من التقيت في طريقي: أحدهم قال إن الطابق الثالث أُغلق بعد حريق. آخر قال إنه مخصص للأرشيف. ثالث أقسم أن المبنى كان دائمًا من أربعة طوابق فقط، رغم أننا كنا نقف في الطابق الخامس أثناء حديثنا.
عدت إلى الأستاذ عادل وأنا أبكي هذه المرة، جلست على الكرسي أمامه دون أن يأذن لي. قلت:” لن أتحرك من هنا”. واصل عمله كأني غير موجودة، ختم مجموعة ممن الأوراق، ووقع على أخرى، أدخل رقمًا في الكمبيوتر. جاء رجل، أعطاه ملفات، وأخذ منه أخرى. مرت عشر دقائق. ثم عشرون.
نظر لي فجأة كمن يراني للمرة الأولى! قلت” أقسم بالله لن أتحرك”. قام من مكانه، أخذ مفاتيحه. وقال” تعالي”.
تنفست الصعداء وتبعته إلى الطابق الثاني. سار بثقة إلى نهاية ممر كنت قد مررت به مرات عدة. توقف أمام باب معدني بلا رقم، كنت قد رأيته من قبل وظننته خزانة كهرباء.
أخرج مفتاحًا صغيرًا. فتح الباب، وراءه كان هناك بهو. بهو كامل خالي من الناس. به مقاعد خشبية ونباتات بلاستيكية ومبرد مياه فارغ.
قال: تفضلي، دخلت، أغلق الباب خلفنا. في نهاية البهو كان هناك سلم ضيق يصعد إلى أعلى. صعدنا، ووصلنا أخيرا إلى الطابق الثالث.
كان يشبه بقية المبنى تمامًا.. يوجد به موظفون فقط ومكاتب، لا يوجد مواطنون! طابق للعاملين فقط. أشار الأستاذ عادل إلى شباك في آخر الطرقة.
وقال: هناك. شكرته. ونزل وتركني. ذهبت إلى الشباك. كانت خلفه امرأة مسنة ترتدي نظارة مربوطة بسلسلة حول رقبتها.
أخبرتها بالقصة، سألت عن اسمي، وفتحت درجًا، كان مليئًا ببطاقات الهوية. بحثت بينها قليلًا، ثم سحبت بطاقة ومدتها إليّ.
كانت بطاقتي. كدت أرقص فرحا، مددت يدي. لكن الموظفة لم تتركها. طلبت مني اثبات شخصية، فانفعلت وضحكت وقلت ساخرة ” هذه هي إثبات شخصيتي”، أكدت أنها تعرف ذلك، لكنها تحتاج أي مستند بصورة يثبت أني إيمان عبد الرحيم، وظل كل منا ممسكًا بطرف البطاقة. أخبرتها أنه ليس معي شيء الآن. سحبت البطاقة من يدي، وأعادتها إلى الدرج. أخبرتني أن على العودة غدا بإثبات شخصية، لأن اليوم انتهت ساعات العمل الرسمية، حاولت مقاومة الدموع وأنا أعطيها ظهري منصرفة. نادتني وأخبرتني أن على أن أجد موظفا يساعدني على الخروج من الطابق الثالث.

















