الشعر ضرورة وجود وحياة

جمال القصاص: السبعينيات آخر جيل شعري

جمال القصاص

بنى محمد سليمان تجربته الشعرية بمحبة خالصة للشعر، وتميز بحضور خاص ولافت فى المشهد الشعرى المصرى، اتسم بوعى فنى عميق بالتحولات التى طرأت على القصيدة العربية منذ سبعينيات القرن الماضى، وفى ظلالها لم يعد الشعر رهنا لمضمون ما، أو فكرة محددة، أو انعكاسا للواقع، إنما طاقة حية، تمتلك المقدرة على خلق واقع جمالى مغاير، بالمغامرة والتجريب، وكسر الأنماط التقليدية الشائعة والمعتادة، سواء فى رؤية الواقع والعالم أو فى حركة العناصر والأشياء، وكشف ما تنطوى عليه من حدوسات معرفية وجمالية مباغتة، مثيرة للدهشة والتأمل.

لذلك يظل السؤال فى شعرية سليمان، ليس من أين يبدأ الشعر، إنما من أين تبدأ الحياة فى الشعر، حيث يتحول الوجود إلى كينونة مفارقة، تمتح من ذات الشاعر، وتكتسب فعاليتها، وزمنها الخاص، من لحظات توهجه، وتأمله، وصمته وعزلته ابنة الإرادة الحرة، من أجل أن يصبح الشعر خالصا لذاته، يرى فى مرآته ما قد كان، وما سوف يكون، وما يحلم به أن يكون.

 فى رذاذ هذه الرؤية شيد سليمان جسرا شفيفا، أصبح بمثابة نقطة وصل بين روافد عالمه الشعرى، ورمانة ميزان للمواءمة بين تناقضات الحياة، باعتبارها ضرورة تتخفى، وبين ضرورات الشعر باعتباره سؤالا مفتوحا على براح الحرية والجمال والنور.

اللافت أن هذه المواءمة لا تكرِّس للعيش تحت سقف هذه المتناقضات التى يعج بها الواقع والوجود، ولا تبحث عن صلح زائف بينها، إنما هى سلاح للكشف والتعرية، وتنقية المشهد من الشوائب والزوائد والرتوش، لتصبح القصيدة هى المشهد نفسه، وعين العدسة وبوصلة الوصول لفضاء أوسع، يفتح نوافذ إدراك مغايرة للمغامرة والتمرد والتجريب، ويضخ دماء طازجة فى شرايين الشعر والحياة.

 ومن ثم، تبدو لى هذه المواءمة الذكية، وبعد كل هذه السنوات، أحد الركائز الأساسية التى عززت صداقتى لمحمد سليمان، ورؤيتى لشعره والفرح به، فعلى المستوى الشخصى كم كنت أتعجب من شاعر يجمع تحت سقف هذه المواءمة كوكبة من الأصدقاء، بينهم فوارق حادة فى المزاج والطباع، مثل محمد مستجاب، محمد عفيفى مطر، شاكر عبد الحميد، نصار عبد الله، بالإضافة إلى جماعة “أصوات” التى كان سليمان أحد أعمدتها.

 كنت أسأله عن هذه السعة الإنسانية التى يتميز بها، فكان دائما يؤكد: “المسألة ليست مجرد طباع يا جمال، هذه أمر هين، المسألة تكمن فى الروح، وأنا أصادق أرواحا طيبة ومبدعة، محبة للفن والأدب والحياة”.

***

 انعكست هذه المواءمة على شعره، فكم كنت وما زلت أتعجب من شاعر لديه القدرة على أن يعبر فى شعره عن هموم الواقع سياسيا واجتماعيا، دون أن يقع فى فخ المباشرة والشعار السياسى، أو المضمون الجاهز. المدهش أن هذه الهموم صارت هما وجوديا فى النص، تنصهر وتذوب فيه، وكأنها تبحث عن وجود هارب، أو مهمَّش، تسند به وجودها الواقعى الهش؛ ويتم هذا ببساطة شديدة وتلقائية مغوية، ترفدها لغة حمّالة أوجه ودلالات ورموز وعلامات، لا تتخلى عن تمردها ومغامرتها فى التجريب والبحث عن أشكال شعرية جديدة، لغة سلسة تنساب كقطرات الندى، بلا عُقد، أو فواصل سمجة، تربك المشهد والإيقاع الذى يتمتع فى قصائد سليمان بمزيج خاص من التضفير والتواشج الموسيقى ويتجاوز المنطق العروضى التقليدى المؤطر ويفتح النص على آفاق رحبة، فالنص له موسيقاه ورائحته، ونغمته التى تتجاوز هذه الأطر، وتستند إليها فقط كإطار فارغ، وتكئة للانطلاق والتحليق.

 يطالعنا ذلك فى الكثير من دواوينه، بل يكاد يشكل مفتاحا للولوج إلى تجربته الشعرية، والوقوف على لحظات مدها وجذرها. فعلى سبيل المثال يقول فى ديوانه “أوراق شخصية”:

“نحن الأبناء البررة/ والبكوات/ وأصحاب العزة/ نجلس فوق السور هنا/ أو حول القصر/ وفى أدمغة الوراقين/ وتحت نجيل الممشى/ لنعض وننبح/ ونباغت من يلهو/ أو يرسم للباشا ظلا أعوج/ أو قبعة / أو طربوشا / البعض سيشتمنا/ والبعض سيحسدنا/ والبعض سيسعى.. كى يصبح كلبا/ أو جروا يقفز كالشيطان/ وينبح معنا”.

يتسلح النص بنبرة ساخرة، تعيد النظر فى مفهوم الطبقة، الذى يراوح بين المعنى واللا معنى، بينما يتحول فعل النباح إلى صرخة وصك إدانة لواقع اجتماعى اختلت فيه موازين العدل والاحساس بالأمان.. إنها دعوة صريحة لثورة من نوع آخر، تتجاوز نمطية الشعار السياسى، وترسم حدودا أخرى للظل والصدى والصوت.  

**

هكذا يمتزج الخاص بالعام، وتنتفى المسافة بين الذات وموضوعها، فكلاهما يفيض عن الأخر، بل ينظر إليه كأنه حريته الأولى وشهوته الأولى، كأنه طفولته القصية، التى تتكشف طبقاتها ويعلو رنينها بقوة الشعر والدراما معا، وهنا ملمح خاص فى شعرية سليمان، حيث الانشداد إلى المسرح، وتجليات الدراما كفعل ومشهد حى، يتجسد عبر طاقة التجسيد والتقمص لحالات ورؤى وحساسيات وشخوص ورموز تتمتع بحمولات تراثية وانساق تاريخية متنوعة. يطالعنا هذا الملمح بشكل طيفى فى أغلب دواوينه، ويتكثف بقوة فى ديوانيه “سليمان الملك”، و”تحت سماء أخرى”. فى الديوان الأول اتسع الفضاء الشعرى، وأصبحت الأسطورة مخزنا للحلم، حلم الذات الشاعرة التى تتماهى بالاسم مع أسطورة سليمان النبى بكل مرادفاتها الدينية، وقدرته على تسخير الجن والخرافة، ليشكل من خلالها خلاصة حكمته فى الحياة والمُلك. ساعد على هذا التماهى حركة الإيقاع الكاشفة، فهى تومض فوق السطح وفى العمق، لبلورة المشهد والصورة من زوايا متعددة. وفى الديوان الثانى، نلمح صدى لرحلته إلى أمريكا بدعوة من جامعة “أيوا”، ويبرز اللعب على وتر التناص كمقوم جمالى له تراكيبه اللغوية ومحمولاته الرمزية والدلالية، وأيضا له شخوصه وأبطاله الذين تركوا أثرأ خالدا فى الوجدان الشعرى والأدبى. من أمثال والت وايتمان، آلان جنسبرغ، هيمنغواى، هنرى ميللر، ديلان توماس وغيرهم ومن أجلى صور التناص فى الديوان أنه تحول الى مقاربة زمنية ممسوسة بتداعيات المكان: «ولدَ هنا/ وولدتُ هناك/ هذا هو الفرق بينى وبين والت وايتمان/ قلت للميسيسبى/ قال الحدائق لم تكن حدائق/ وكل نهر بحاجة إلى عصا”.

يكثف سليمان من فعالية التناص فى النص، بتحويل المفارقة التى تنجم عنه إلى فعل درامى، معبرا ضمنيا عن غرامه بالمسرح، خاصة المسرح الشعرى، وهو ما يكشف عنه كتاب أصدره عام 1995 ضم نصين مسرحيين بعنوان “العادلون.. الشعلة”.

 ومثلما صادق سليمان الكيمياء وامتهنها كصيدلى صادق ظله أيضاً، وحوَّله فى كل دواوينه، إلى مظلة، تخفف عنه وطأة الشعور بالوحدة والألم والفقد والهزيمة، كما حوَّله إلى ضد أحيانا، يتمرد عليه ويسابق خطاه، بحثا عن طريق مغاير للونس والأمان؛ وهو الطريق الذى تحول فى آخر دواوينه”«لا أحد هنا سيميل عليك» إلى مرثية شجية للذات وألاعيبها مع الظل واللون والصوت، حيث يتكثف الإحساس بالوحدة والرحيل وكأن الحياة فقدت بريقها وانطفأت فجأة، يقول بنبرة أسى وسط هذا الغبار المؤلم:

“أقرُّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم”.

هكذا عاش محمد سليمان الشعر، ورحل تاركا لنا زادا من المحبة والجمال سيبقى، ليس مهما أن نضع له عنوانا أو لافتة، فالتجارب الحقيقة ابنة الروح لا يحدها عنوان أو لافتة.

 

عودة إلى الملف

جمال القصاص

28 مقال
صدر له: ـ خصام الوردة 1984 ـ شمس الرُّخام 1991 ـ ما من غيمة تشعل البئر 1995 ـ السحابة التي…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع