وليد خيري
من اللحظة الأولى، يضعنا مخرج الفيلم نمير عبد المسيح أمام حقيقة صادمة في بساطتها: الموت لا ينهي الحكاية، بل يغير إيقاعها. لا شيء هنا يروى بشكل مكتمل، لأن الحداد نفسه ليس حكاية مكتملة.
سهام، الأم، لا تظهر بوصفها شخصية درامية تقليدية، ولا كذكرى محاطة بالنوستالجيا. هي غياب نشط، ظل ثقيل، فراغ يملأ كل شيء. الفيلم لا يحاول الإمساك بها، بل يترك أثرها يعمل ببطء داخل الصورة، داخل الزمن، وداخل علاقة الابن بأبيه.
البنية السردية للفيلم لا تقدم خطا مستقيما، ولا تصاعدا عاطفيا محسوبا. نحن أمام سينما تتحرك مثل الذاكرة: تقفز، تتردد، تعود، وتنسحب حين تصبح اللحظة محتملة أكثر من اللازم. المونتاج يتعمد التوقف قبل الذروة، كأن الفيلم يرفض استهلاك الحزن أو تحويله إلى مادة استعراضية.
الكاميرا هنا ليست أداة كشف، بل أداة احتماء. حين يبدأ نمير تصوير جنازة أمه في يوم رحيلها، لا يفعل ذلك ليصنع مشهدا مؤثرا، بل ليخلق مسافة بينه وبين وقع الفقد. الكاميرا تصبح درعا هشا، تفصل بين الجسد المفجوع والحقيقة القاسية. ومن هنا يبدأ الفيلم: من الحاجة إلى البقاء، لا من الرغبة في الحكي.
في باريس، يعيش الأب وجيه داخل شقة تحولت إلى وعاء صامت للغياب. رجل قليل الكلام، مثقل بتاريخ سياسي ومنفى طويل، يواجه وحده فراغا لم يختَره. الكاميرا تراقبه دون اقتحام، تلتقط التفاصيل اليومية الصغيرة: الجلوس، الصمت، النظرات التي لا تذهب إلى مكان. كل شيء مصور كما لو أن المكان نفسه في حداد.
الأب لا يبوح كثيرا، لكن الصورة تفعل. الإطارات القريبة، الاهتزاز الخفيف، الإحراج الواضح بين الابن والكاميرا… كل ذلك يبقى في الفيلم، دون تنعيم أو إخفاء. عملية التصوير نفسها تصبح جزءا من الدراما: محاولة فاشلة أحيانا، ومؤلمة غالبا، للتواصل بعد فوات الأوان.
في مقابل هذا البرود الأوروبي، تأخذنا الرحلة إلى صعيد مصر، إلى قرية أم دومة. هنا يتنفس الفيلم. الكاميرا تتسع، الوجوه تتكلم، والحكايات تتدفق. عن طريق خالة سهام ورسائلها القديمة، تستعاد امرأة لم تحظ بأن تحكي نفسها. الذاكرة هنا ليست سردا بديلا، بل تعويضا عن صمتٍ طويل.
اللافت أن نمير لا يعتمد فقط على الأرشيف العائلي، بل يلجأ إلى السينما نفسها كذاكرة. مقاطع من أفلام يوسف شاهين، خاصة من فجر يوم جديد وعودة الابن الضال، تتحول إلى بدائل بصرية لطفولة وحب لم يصورهما أحد. السينما هنا ليست اقتباسا، بل استعارة: حين لا نملك صورا لماضينا، نصنعه من الأفلام التي أحببناها.
بهذا، تصبح سهام بطلة فيلم روائي كما كانت تتمنى، ولكن بطريقة مختلفة: بطلة شُيدت من اللقطات المنزلية، الرسائل، الأغاني، والسينما المصرية. بين عبد الحليم، وعبد الوهاب، وصوت نمير المتردد بالعربية غير المكتملة، يتكون وجدان هجين: لغة لا تُنطق بسهولة، لكنها صادقة تماما.
اختيار المخرج الإبقاء على صوته العربي المكسور قرار جوهري. هذا التلعثم ليس عيبا تقنيا، بل تعبير مباشر عن هوية منفية، عن ابن يحاول العودة إلى لغة لم تعد تسكنه بالكامل. كما حاولت سهام يوما أن تكتب بالفرنسية ليفهمها ابنها، يحاول الابن الآن أن يتكلم بالعربية ليصل إليها بعد الرحيل.
الفيلم، في جوهره، لا يحاول إعادة الأموات إلى الحياة، بل إعادة الأحياء إليها. الأب يعود تدريجيا إلى الكلام. الابن يعود إلى جذوره. والسينما تستعيد وظيفتها الأولى: ليست ترفيها، بل مقاومة للنسيان.
الحياة بعد سهام فيلم لا يعطيك إجابات، ولا يعدك بالشفاء. لكنه يمنحك شيئا أندر: الإحساس بأن الغياب يمكن النظر إليه، والعيش معه، دون أن يتحول إلى خطاب أو وعظ.
إنه فيلم يسكنك بهدوء، ثم يتركك أخف قليلا، لا لأن الحزن زال، بل لأنك صرت تراه بوضوح.










