آمال صبحي
جسـده مثقـوبٌ، ممـدّدٌ علـى الأرض كشـباك صيـدٍ تنفـذ منهـا الريـاح البـاردة، متقوقـعٌ في دمـه المتجمّد، كأنـه ثمار تين شـوكي فـي أجولـة جـوتٍ قديمـة، تشـبث بهـا الغبـار كعلامـةِ عمـرٍ مُهمـل.
نزفـه كان خرائـط للغيبوبـة، وجروحـه نوافـذ مفتوحـةً على عالـمٍ يهطـل صقيعًا.
«إنهـم هنـا، يـدورون فـوق رأسـي». قـال جملتـه شـاحبًا، شـاخصًا بنظـره فـي الفـراغ المُعتـم.
ابتسـم، مـد يده إلـى الحمامات، فانغرسـت الشـظايا أعمق فـي ذراعـه، وتـأوّه مُصـدرًا صوتًـا أعلى مـن المسـتوى المتوقع لرجـل أحالـت فُتـات الزجـاج المحطّـم جسـده إلـى مصفـاة. أسـكته صديقـه بوضـع كفّـه علـى فمـه، وهمـس فـي أذنـه: «لا تصـدر أي صـوت، سيكتشـفون مكاننـا». فـرد عليـه بإغماضـة متعبـة، دلالـةً علـى تلقـي التحذيـر.
أردف الصديـق المُنبطـح بجانبـه: «سـينصرفون بعـد قليل، أو قـد تأتـي مؤازرة. سـتنجو، سـننجو.»
رائحـة المعـدن البارد تختلـط برائحة الغبـار الكَدِرة، وكأن الجسـد والمدينـة مسـتمران فـي عالميـن متوازييـن، يشـتركان فـي مسـاحة واحـدة، لكنهمـا يفشـلان فـي التداخل.
وسـبعة عشـر طيـرًا ترفرف فـوق رأسـه، تهـدل دون مراعاة الخـوف مـن الـكلاب المُتقصّيـة أو المسـلحين القريبين.
كان صاحـب الجسـد المثقـوب طفـلًا مشاكسًـا غيـر مُـؤذٍ، كسـولًا فـي الدراسـة، مجتهـدًا فـي العمـل. شـاءت أقـداره ألا يتعـرف عـن قُـرب على حنـان الأم ورأفـة الأب؛ فقـد كانت أمه قاسـيةً إلـى حـدٍّ جعلـه مـع إخوتـه التسـعة يعتقـدون أن الهـدف مـن إنجابهـم هـو جنـي المال.
“أي أم هـي تلـك التـي تلقـي بأطفالهـا فـي سـوق عمـلٍ يصعـب حتـى علـى الكبـار؟ عتّـال فـي سـوق الهـال! ولمـاذا تفعـل أم مكتفيـة ماديًّـا ذلـك بأطفالهـا؟.”
شـكلت جملـة «لا بـأس، هـذه أمـور تحـدث فـي أرقـى العائـلات» رده الوحيـد علـى أسـئلة إخوتـه، التـي هـي نفسـها أسـئلته. ولكـن مـا حـدث فيمـا بعـد مـا كان ليحـدث فـي أرقـى العائـلات أو أدناهـا.
وفّـر جـزءًا مـن مصروفـه الشـحيح جـدًّا واشـترى حمامـة. حمامـة واحـدة صـارت بعـد أشـهر تـداول وتكاثـر قليلة سـرب حمـام، عددهـا بالتحديـد سـبعة عشـر طيـرًا. بنـى لهـا غيَّـة على السـطح، مسـتخدمًا الصناديـق البلاسـتيكية والقـش، سـقَّفه بشـادر أزرق.
كل صبـاح، يحمـل الحبوب بين يديه كأنهـا وعود صغيرة، وينطـق بتغريـة تسـتفز الحمـام للتجمّـع. ينثـر الحبـوب بعنايـة، يراقبهـا أثنـاء تناولهـا، ثـم يحفّزهـا علـى الطيـران، مسـتخدمًا عصـاه ليضمـن تدريبهـا علـى الانسـجام والعودة. تبلغ سـعادته ذروتهـا عندمـا تُشـكّل طيوره قوسًـا فـي السـماء، وعندما يعود ،يكـون قـد جهّـز لهـا الماء.
أصبـح لـه بيـت، عائلـة علـى السـطح. كان مشـغولًا فـي عالمـه، بينمـا انشـغلت القريـة بـ”الحميماتـي” الـذي أهمـل عملـه وشـحّت مـوارده، والـذي صـار المصدر الأكبـر لإزعاج الجيـران بهمجيتـه وصراخه وصفيره، والذي لا تُقبَل شـهادته. نـزل أمـر والدتـه علـى صـدره كصخـرة: «تبيـع الحمامـات أو أغضـب عليـك!»
وتسـاءل إذا كانـت كل قسـوتها تلـك وهـي فـي وضـع الرضـا، فمـا الـذي قـد يصـدر عنهـا إن فعلـت وضـع الغضـب. فـرد بـدوره بـأن فعَّـل “وضـع الطيـران”، ثـم لجـأت للترغيـب ولـم تُفلـح. ضربـه والـده بحزامـه العسـكري.
أزاد مسـؤول عملـه الأحمـال عليـه. تحـدث معـه شـيخ الجامـع، حتى أسـتاذ الرياضيات سـاهم بدوره ب”فلقـة”لم تُبْقِ علـى قدميـه لحمًـا. ولا جـدوى. تمسـك بـ”كشّـة الحمـام” كما يتمسـك جنـدي بوطنـه؛ كانـت آخر وصايـا والده الشـهيد أن لا يخـون أرضه.
فـي ذلـك اليـوم المشـؤوم، عـاد مُتكاسـلًا إلـى البيـت لمعرفتـه المسـبقة أن أمـه قـد دعـت خالاته علـى الغـداء. وكان يكـره التجمّعـات المماثلـة. اجتـاز بـاب الـدار. كـن جميعهـن مُنشـغلات بـ”فصفصـة العظم”ومضغ “الفريكـة”. ألقى عليهن «السـلام عليكـم»، فـرددن بنظـرات فضوليـة وأصـوات هامسـة وابتسـامات سـاخرة. صعـد إلى السـطح، لـم يجـد الحمامات. أول مـا خطـر ببالـه أن أمـه باعتهـا. نـزل السـلّم متعثـرًا بخطـاه، مصمّمًـا أنـه سيسـتعيدها ويختفـي معهـا إلـى الأبـد.
وقـف أمـام حشـد النسـوة غاضبًـا، وصـاح بأعلـى صوتـه المخنـوق: «أمـي، أيـن طيـوري؟» سـاد صمـت رهيـب لثـوانٍ، بحلقـت الخـالات وبناتهـن بـه بتعجّـب. وانفجـرن بعدهـا بضحـك هسـتيري. تنقّلـت عينـاه بينهـن: إحداهـن تتلمـظ،أخـرى تحـرّك كفهـا علـى كرشـها بحـركات دائريـة هادئـة، غيرهمـا تمضـغ لقمتهـا وتدحجـه بشـماتة.
وأمـه؟ أمـه يـا نـاس! حملـت الحمامـة المشـوية مـن سـاقيها وأرجحتهـا فـي الهـواء، وقالـت بأنـه لـم يَبْـقَ حمـام، ولكـن “القلـوب والحوصـلات موجـودة” واسـتقدمتها لـه، ووضّحـت بأنهـا لـم تعد غاضبـة منه بعد أن اسـتمتعت بالمذاق الشـهي الـذي وصفتـه بأنـه “أزكـى لحـم حمـام تذوقتـه فـي حياتهـا”، وهمهـم إخوتـه تأكيـدًا علـى حكمهـا. شـعر أن دمـه يغلـي. «سـتُطعِميننَي قلوبها؟ سـامحتني؟ لو أنهـا انتزعت قلبي وحمرتـه فـي المقـلاة لكانـت قـد ذبحتنـي وأولمـت عليـه.»
انتابـه بَـرْد وخَـرَس عظيمـان. مشـى كمُغيَّـب إلـى الرقعـة الترابيـة جـوار الجِـبّ، إلـى المذبـح. كانـت الـرؤوس لا تـزال هنـاك. وقـع، سـاندًا جذعـه علـى الجـدار الحجـري، مُرخيًـا يديـه، مُمِـدًّا رجليـه فـي التـراب، وبكـى.
جمـع الـرؤوس فـي حجره وبكى. سـحب خيطًـا من كنزته الصوفيـة، ضـمّ الـرؤوس خلالـه، وعلّقهـا فـي رقبتـه، واسـتمر فـي حـداده يوميـن كامليـن. يوميـن ينتحـب فيهما وينثـر التراب فـوق رأسـه، وينـام إذا غلبـه التعـب، فيـرى سـربه يحلّـق كدائرة فـوق رأسـه، فيصحـو ليثابـر علـى رثائه.
الصمـت يثقـل داخـل الرجـل صاحـب الجسـد المثقـوب، كأن المدينـة بأكملهـا تتنفـس عبـر ثقوبـه. يلتقـي دفء جسـده الـذي كان ببـرودة الأرض التـي سـتظل.
فـي صبـاح اليـوم الموالـي، تنـاوب سـكان المدينـة علـى سـحل جثـة (لإرهابـي) الـذي كان يقطـع رؤوس مـن يُحكَـم عليهـم بالكفـر، يضمّهـا فـي حبـل ويعلّقهـا كعقـد حـول عنقـه.
…………………
*من مجموعة “أرامل الريف الغربي” الصادرة عن دار الهالة في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026














