د. صلاح السروي
يرى أصحاب التفكيكية أن الاتجاهات النظرية المنتسبة إلى “الحداثة” modernism، بما فيها من اتجاهات تاريخية (وضعية) واجتماعية ونفسية وبنيوية، قد منحت نفسها مظهرًا خادعا، يوحي بالتماسك والاتساق واليقينية. فتحولت إلى أبنية مغلقة، وذات طبيعة “ميتافيزيقية” (التركيز في استخدام هذه الصفة الأخيرة يتم على البنيوية، كما سيتضح بعد قليل). فاختزلت الحقيقة وقامت بتزييفها والالتفاف حول مسلماتها. ومن هنا جاءت “التفكيكية” لتطرح طموحها في زعزعة ذلك اليقين الكاذب و”تقويض” مرتكزاته ونزع عناصر قوته.
المنطلقات الفكرية
تبدَّى هذا المنحى التقويضي لأول مرة عندما طُرحت الورقة البحثية التي قدمها المفكر الفرنسي جاك ديريدا، في ندوة عقدت بجامعة جون هوبكنز عام 1966، بعنوان: “البنية والعلامة واللعب في خطاب العلوم الإنسانية”، إذ وُضِعت جميع النظريات المكوِّنة للفكر الغربي، وفي مقدمتها البنيوية التي كانت في أوج ازدهارها في ذلك الحين، موضع المساءلة والنقد، حينما قام دريدا بتوصيف تلك الأفكار، بأنها تقوم جوهريًّا على مفهوم “مركزية المعنى”، أو “مركزية اللوجوس”، بما يعني أن النظريات المنتمية الى الحداثة إنما تنطلق من فكرة تقضي بأن هناك أصلًا ثابتًا يمثل محورًا مركزيًّا تتحرك حوله جميع المكونات.
ولذا، فقد ذهب (جاك دريدا) أن هذا التصور إنما هو نوع من التفكير الذي يتماهى مع التصورات (اللاهوتية)، التي تمحورت حول مركزية مصطلح “اللوجوس”، (الذي يعني [الكلمة] الأولى التي أوجدت العالم، كما جاء في الكتاب المقدس في المسيحية [العهد الجديد]، الذي يناظر [العقل الأول] الذي خلق الوجود ومنحه الدفعة الأولى في الفلسفة اليونانية القديمة).
ولقد اتخذ دريدا من أعمال كلود ليفي شتراوس -أحد أهم رموز البنيوية في مجال الأنثروبولوجيا- مثالًا على هيمنة تلك النزعة المركزية عند البنيويين. من حيث إن دراسة الأساطير عند شتراوس إنما تنطلق من وجود بِنى (جمع بنية) أسطورية صغرى، لا يمكنها أن تمثل شيئًا أو قيمة بدون اندراجها في نسق من العلاقات التي تربطها مع مثيلاتها، بما يجعلها جميعًا تشكل بنية أسطورية كبرى، وهذه الأخيرة هي التي تمنح تلك البنى الصغرى معناها وقيمتها ودورها، ومن هنا تصبح البنية الأسطورية الكبرى المهيمنة على حقل الدراسة كله هي “المركز ” الذي تدور حوله وتتشكل به، أو من خلاله، معاني ودلالات وقيمة كل واحدة من البنى الصغرى، كل واحدة منها على حدة. وهذا التصور القائم على النزعة المركزية -حسب دريدا- يشبه “التصور الميتافيزيقي الغائي”، يقول:
“وأشير إلى ما أرى فيه شكلية المشكلة، عندما يختزل ليفي شتراوس التاريخ، فإنه يعالجه كما لو كان يستأهل مفهومًا متواطئًا دومًا مع الميتافيزيقا الغائية الكونية (الإسكاتولوجيا)”.(50)
وإذا علمنا أن مصطلح “الإسكاتولوجيا” eschatology يعني علم الأمور المتعلقة بالعالم الآخر، فإن البنيوية تنتمي، عند دريدا، حسب هذا التصور، إلى وجهة ميتافيزيقية بصورة كاملة، بحيث إنها لا تختلف عن باقي الرؤى الدينية والأفكار التي تَعُدّها التفكيكية قديمة. من حيث إنها سابقة على ظهورها (أي على ظهور التفكيكية)، سواء أكان ذلك في عصور ما قبل الحداثة أو ما بعدها. هذا على الرغم من أن البنيوية، وغيرها ممّا يشمل الكثير من الأفكار الحديثة والمعاصرة، ترى أنها مُنطلِقة من أفكار وتصورات “مادية”، (أي منفصلة عن التصورات الميتافيزيقية) في فهم العالم، وتقوم على تطبيقات وإجراءات المنهج العلمي والصرامة الموضوعية.
ولعل أهم نقطة ضعف ساقتها التفكيكية فيما يخص البنيوية -على وجه التحديد- تتمثل في أن هذا “المركز” الذي يحكم البنية -حسب رؤية دريدا- يقبع خارج نطاق التحليل البنيوي، ولا يخضع له، لأنه لا بنية له في حد ذاته.. فإذا أردنا إيجاد بنية للمركز، فإن ذلك يعني ضرورة إيجاد مركز جديد لهذه البنية التي أصبحت جديدة، التي كنا نَعُدها مركزًا في حد ذاتها.. وهكذا إلى ما لا نهاية، (وهي الفكرة ذاتها التي ألمح اليها رولان بارت بدون تفصيل في النقطة السابقة، عندما قال إن الخطاب النقدي يمكن أن يُعَد بدوره خطابًا ثانيًا، بعد الخطاب الإبداعي للنص الأدبي، الذي عَدّه خطابًا أول).
ولقد أعادت فكرة دريدا عمّا يمكن أن نطلق عليه “مركزية المركز”، في إطار نقده لمفهوم “المركزية” في البنيوية، أعادت هذه الفكرة إنتاج المعضلة التي واجهت قضية الإيمان الديني بالألوهية عمومًا، من حيث محاولة الإجابة على تساؤل: أين تكمن البداية على وجه اليقين؟ من حيث أن “كل موجود لا بد له من واجد”.
ويفسر دريدا سعي البشر نحو محاولة إيجاد “مركز” بأشكاله المتعددة، وفي مختلف المجالات، على أنه مفهوم.. “يضمن لهم الوجود من حيث هو حضور، فنحن نفكر -على سبيل المثال- في حياتنا العقلية والمادية على أنها مرتكزة حول الـ(أنا)، وهذه الأنا هي مبدأ الوحدة الذي تقوم عليه بنية كل ما يدور في فضائها”.(51) بينما لو انتفى الإحساس بوجود المركز فإن أحدًا لا يمتلك الشجاعة أو القدرة على مواجهة الضياع الذاتي، الذي سينجم حتما عن نفي الإحساس بالمركز (الأنا). ولذلك فهو يعتنق الأوهام المنتمية إلى التفكير “الميتافيزيقي”، ويسبغها على مجالات الحياة، كافة، بحسب هذا الفهم.
مبدأ التفكيك
وفي مواجهة هذه “الميتافيزيقا”، وهذا الفهم التاريخي المبني على تصورات “ميتافيزيقية”، اقترح دريدا، فكرة “التفكيك”، حسبنما ورد في نص له بعنوان: “رسالة إلى صديق ياباني” (ورد ضمن نصوص كتاب: “الكتابة والاختلاف”)(52). وهذا التفكيك لا يَعُده دريدا منهجًا، ولا يرى امكانية تحويله إلى منهج، أو مجموعة من القواعد والإجراءات القابلة للتعلم والتطبيق. حتى إنه -بتعبير دريدا- “ليس فعلًا أو عملية”، وهذا ليس ناتجًا عن أنه “سلبي أو انفعالي”، بل ناتج عن أن “كلمة التفكيك -شأن كل كلمة أخرى- لا تستمد قيمتها إلا في سلسلة من البدائل الممكنة، فيما يسميه البعض ببالغ الهدوء، سياقًا”. ويواصل دريدا، في الموضع ذاته، قائلا: “ويمكن فهمها من خلال المفردات التالية: “الكتابة، الأثر، الاختلاف، الزيادة، الهامش، الباكورة، الإطار… إلخ”.(53)
وهو ما يمكن أن نفهم منه أن التفكيك إنما هو موقف فكري يقوم على الضدية والنفي لكل المفاهيم الكلية، أو المكتملة، مثل مفاهيم: “المركز”، و”الأصل”، و”الهوية”، و”الكلية”… إلخ. إذ تقوم التفكيكية بتحويل أي معالجة أو مقاربة فكرية، بوصفها “كتابة” تقبل الفهم على أوجه لا نهائية، إلى مقاربة “اختلاف” و”نفي” و”نقض”.
ويبرز الموقف التفكيكي بقوة، خصوصًا في مواجهة فكرة “الثنائيات المتقابلة” التي يقوم عليها مجمل الفكر الإنساني، (حتى ما قبل ظهور التفكيكية)، مثل ثنائية: “النور والظلام”، و”المذكر والمؤنث”، و”الشرق والغرب”، و”الواقع والخيال”، و”الأعلى والأدنى”… إلخ. ويندرج ضمن ذلك فكرة “الثنائيات المتضادة” التي تقوم عليها البنيوية على نحو خاص،
وفي مقابل كل ذلك يقترح دريدا كلمات يمكنها محو تلك الازدواجية، وتحويلها أو اختزالها في أكثر مِن معنى في الآن نفسه، مثل كلمة “الأثر” (بالفرنسية la trace)، التي تدل على الانمحاء والانتهاء، كما أنها تدل على الوجود والحضور في الآن نفسه، وكذلك مفردة “الفارماكون” (pharmakon) المستخدمة في الحضارة اليونانية القديمة التي استخدمها أفلاطون، وتدل على معنى: السم والترياق، في الآن نفسه.
ولذا فإن عمل دريدا يقوم على بعث المعاني والمفردات والمقاربات القائمة على مفاهيم: “الهامش” و”المختلف و”المهمل”، وكل ما مِن شأنه زعزعة نظام المعنى، وكسر أحادية الدلالة، وإثارة الاختلاف، و”نقد العلامة”، أو الكتابة ذات الدلالة المستقرة.
والخلاصة أن ما يحاول دريدا طرحه هو تشييد ما يطلق عليه كاظم جهاد: “إستراتيجية شاملة للتفكيك”.(54) وهذه الإستراتيجية يتعين عليها -في نظره- أن تتفادى الوقوع في فخ الثنائيات، أو المقابلات المتضادة، التي يَعُدها منبثقة عن تصورات “ميتافيزيقية”، أو عن الاستسلام للأفق المغلق لهذه الثنائيات، بل إن على التفكيكية من حيث المبدأ العمل على زعزعة هذا الأفق من داخله، وقلب تراتبيته، بحيث يصبح الأدنى مكان الأعلى، والعكس بالعكس.
ثم يأتي في المرتبة التالية التوجه القائم على طرح البدائل الممكنة، القادرة على كشف الدلالات الهامشية والمسكوت عنها، واقتراح مسارات محتملة للكتابة، (أو ما يُطلَق عليه تسمية: “الأثر”)، والإطاحة بالمفهومات الجاهزة والمستقرة، وإرجاعها إلى ما يناقضها ويسير عكس اتجاهها، بغية تحقيق ما يسميه: “إساءة الفهم”، وذلك ليس بهدف الوصول إلى نتيجة مغايرة، أو الوصول إلى حقائق مختلفة، بل لإثارة الشك ونزع اليقين و”إرجاء” أو “تأجيل” المعنى أو الدلالة النهائية.
مفهوم الأدب
تتبدى علاقة التفكيكية بالأدب، خصوصًا، وبعلم الجمال، عمومًا، واضحة على أنحاء عديدة. فعلى الرغم من انطلاق التفكيكية الصريح من أروقة الفلسفة، تم استقاء كثير من المفاهيم الرئيسة لها من نصوص الأدب على وجه الخصوص، مثال ذلك: مفهوم “الانتشار” Dissemination، وهو أحد المفاهيم الأساسية للتفكيكية الفرنسية، الذي تم استقاؤه من نصوص الشاعر الفرنسي (مالارميه)، (وهو ما يشي، نسبيا، بأن التفكيكية تفضِّل التوجه نحو النص الشعري بشكل خاص).
ويؤكد دريدا نفسه هذا التوجه نحو الأدب، بقوله: “كان اهتمامي الأكثر ثباتًا، لا، بل قبل الاهتمام الفلسفي -إذا كان الأمر ممكنًا- يتجه نحو الأدب، نحو الكتابة المسماة أدبية”.(60)
كما يُعَد نقاد جامعة يال Yale university، أو ما يعرف باسم “مدرسة يال الأمريكية”، وعلى رأسهم: بول دومان وجيفري هارتمان، أكثر من اهتم بالتفكيكية مِن زاوية الدراسات الأدبية والنقدية، ويمكن اعتبار أن بول دومان -خصوصًا- مِن أكثر مَن تعاملوا مع التفكيكية بوصفها أداة نقدية.
بالإضافة إلى ذلك، فإن التفكيكية من حيث هي رؤية فلسفية لا يمكن فهمها إلا في إطار ارتباطها الواضح بالتراث الأدبي والنقدي والجمالي في أوربا خصوصًا، إذ تعامل دريدا مع هذا التراث بوصفه الركيزة الأساسية في التدليل على صحة ما ذهب إليه، فقد كتب عن أنتونان آرتو، وجان جينيه، ومالارميه، في المقالات التي جُمِعت في كتابه: “الكتابة والاختلاف” (الذي سبق ذكره)، كما كتب عن مالارميه، وبول فاليري، وجوته، وفلوبير… وآخرين، في غير ذلك من الكتب والمقالات، إلى جانب أنه تعرَّض بالدراسة والنقد لعلم الجمال عند كل من: كانط، وهيجل وشليجل، وهو ما جعل أثر التفكيكية في النظرية الأدبية والمعالجات النقدية والجمالية واضحًا وملموسًا.
النظرة الفلسفية للأدب
بيد أن طبيعة المعالجات الأدبية التي قدمتها التفكيكية تبدو متأثرة -على نحو جلي- بكونها قد انطلقت، في الأساس، من أصول فلسفية.. يقول جوناثان كوللر: “وتلفتُنا مناقشات دريدا للعمل الأدبي إلى مجموعة مشكلات مهمة، مع أنها ليست تفكيكات بالطريقة التي كنا نستعمل بها المصطلح، إذ سيتأثر النقد الأدبي التفكيكي تأثرًا أساسيًّا بقراءاته للأعمال الفلسفية”.(61) إذ يساوي جاك دريدا في طريقة قراءته للنصوص -بصفة عامة- بين النص الأدبي وأي نص فلسفي آخر، من دون الوقوف عند الخصائص المميِّزة للأدب بوصفه حقلًا معرفيًّا له طبيعته الإبداعية الخاصة والمختلفة نوعيًّا عن الفلسفة، وهذا ما جعل تيموثي كلارك يَعُد أن هذا الدمج بين طريقة قراءة النص الأدبي والنصوص الأخرى الفلسفية -تحديدًا- يُعَد أمرًا غريبًا ومحيرًا إلى حد بعيد، فحتى لو كان هدف دريدا يقوم على خلط الحدود المُميِّزة والفاصلة بين النصَّين: الأدبي والفلسفي..
“فإن المغزى المُميِّز لمقالاته التي تناول فيها شخصيات أدبية من أمثال مالارميه، وجويس، وغيرهما، قد ينطمس على نحو تام”.(62)
غياب المنهج
كما يبدو واضحًا غياب رؤية متكاملة ذات أبعاد وإجراءات تحليلية مُحدَّدة ومستقرة عند المنتمين إلى التفكيكية، لكل من: الدرس الأدبي والتنظير النقدي، خصوصًا عندما يَعُدّ دريدا أن مقالات بول دي مان النقدية -التي جمع بعضها في كتاب “العمى والبصيرة”- مُتِمّة لجهوده في معالجة النصوص الأدبية، بينما يمكن بسهولة ملاحظة اختلاف الطريقة التي اتبعها دي مان عمّا قدمه دريدا، في قراءته للأدب.
وهو ما يحيل إلى أن التفكيكية لم تتمكن من إنجاز رؤية أو طريقة خاصة بها، بحيث يمكن تمييزها بسمات وإجراءات محددة في ممارستها للنقد الأدبي، ولعل ذلك يرجع إلى أن التفكيكية لا تطرح نفسها بوصفها نظرية أو منهجًا مكتملًا أو “مغلقًا”، فهذا مِمّا يتنافى مع طبيعتها المنفتحة، التي تقف بقوة ضد التصورات الكلية المكتملة والمغلقة، ولذلك فالتفكيكية لا تُعرّف نفسها على أي نحو من الأنحاء، كما أوردت من قبل، بل إنها تطرح نفسها بوصفها ممارسة (بالسلب) لكل ما سبقها، أي أنها ليست أكثر من ممارسة عكسية، من دون طرح أي إضافة تخصها وتميزها بوصفها فكرة مستقلة، وكل ما فعله منظروها -فيما يتعلق بمطلب توضيح حقيقتها- هو القول إنها ليست البنيوية وليست غيرها، ولكن ما هي تحديدًا؟ فإن أحدًا لا يمتلك إجابة على هذا السؤال، ويكتفي فقط بطرح مهمتها الأساسية التي تقوم على التفكيك والتقويض.
وعلى الرغم من أن مقال “القوة والدلالة” المنشور ضمن كتاب دريدا: “الكتابة والاختلاف”، (الذي ذُكِر آنفًا)، يُعَد مِن أكثر المواد التي كتبها دريدا اقترابًا مِن توضيح طبيعة فهمه لقضية الأدب، فإنه لم يُقدّم فيه أكثر من مجرد نقد للبنيوية، التي يبدو أن نقدها قد أضحى مِن الواجبات الرئيسة لجاك دريدا، وباقي التفكيكيين.
فهو يبدأ هذا المقال مؤكدًا أهمية البنيوية في مجال الدرس الأدبي، خصوصًا فيما يتعلق بالنقد الأدبي، إلى جانب كونها تمثل بالنسبة له أكثر من “موضة”، وأنها “سؤال يطرح نفسه بقوة على مؤرخ الفكر”، بما يعني أن أهميتها التاريخية ليست محل شك بالنسبة له، بيد أنه لا يملّ ولا يتوقف عن كيل السخرية من النقد البنيوي، بعد ذلك يحاول دريدا في جولة طويلة مُركَّزة استعراض المنهج النقدي الذي اتبعه (روسيه) في دراساته عن (كورنيي) و(بروست) وغيرهما، لكي يوضح (دريدا) أن هذا النقد، إذ يزعم القبض على كلية العمل الأدبي، فإنه لا يخرج مطلقًا عن المقابلات الميتافيزيقية المعروفة، كما أنه لا يخرج عن عدد من الإجراءات الاختزالية، عبر “نزعة هندسية لا تخطئها العين”.(63)
نفي العلاقة بين الأدب والواقع والمؤلف
ولقد انتقد دريدا فكرة “الكِتَاب” book بمعناها المتداول، التي تحيلنا إلى أفكار: الانسجام، والكلية العضوية محددة الأبعاد والمكونات، وأحادية المدلول البنيوي، ويَعُد أن الكتاب الحقيقي هو الذي لا يرتبط بمؤلفه (مبدعه أوكاتبه)، أو الذي لا يحمل هويته الفردية أو الإبداعية، بل الكتاب الحقيقي هو الذي تنعدم فيه فكرة الكلية، وتغيب فيه الدلالة، وتكثر فيه الاختلافات وعلامات العلامات.(64)
من ناحية أخرى أستطيع القول إن النقاد التفكيكيين مثل: هيلليس ميللر، وبول دومان، قد ألقوا بسهم أوفر بكثير مِمّا قدمه دريدا في محاولة فهم الأدب، حسب درجات فهمهم للتفكيكية؛ فيرى ميللر -على سبيل المثال- أن الأدب “نشاط معرفي” يقوم على حرية النقض والنقد والمراجعة، ولا يرتبط بالواقع، بل هو منافٍ له وخارج عليه، فهو حسب قوله: “في حِلٍّ من أي مسئولية تجاهه”.(65)
وقد يرجع سبب اتجاهه إلى نفي ارتباط الأدب بالواقع، إلى أن الأدب يُصنّف عندهم على أنه نوع من “التخييل”، الذي ينبغي ألّا يرتبط -بالضرورة- بالموقف الشخصي من الواقع. وعلى الرغم من غرابة هذا الفهم، فإن ميللر يتناقض مع نفسه وينقض هذا الرأي الذي قاله للتو، ليُقِر بوجود مسئولية شخصية للكاتب عمّا يكتب، ووجود مسئولية للكتابة تجاه العالم. ويسوق مثالًا على ذلك بأن كثيرًا ما يذكر الكاتب في تقديمه لروايته عبارة: “أي تشابه بين شخصيات الرواية والشخصيات الواقعية وقع بمحض المصادفة”. فيرى أن هذا التصريح قد يكون ناتجًا عن خضوع الكاتب لظروف سياسية معينة مرتبطة بأزمة في مقدار الحرية المتاح، كما أنه يُقِر بالارتباط بين الأدب، وقدرته على إحداث نوع مِن التغيير في الواقع، مثلما حدث مع رواية “كوخ العم توم” للكاتبة الأمريكية (هارييت بتشر ستو)، التي نادت بتحرير العبيد وتحريم تجارتهم، وكيف كانت تلك الرواية واحدة من ضمن أسباب عديدة لترسيخ قدر مهم من الفهم والوعي، الذي أدى إلى قيام الحرب الأهلية في أمريكا بين الشمال والجنوب على خلفية هذه القضية، بيد أن المثير في طرح ميللر ليس فقط تناقضه ومراوحته الفكرية بين المعنى ونقيضه، ولكن أيضًا أن هذا النوع من الأدب، الذي تمثِّله رواية هاربيت بيتشر، هو تحديدًا ما ترفضه التفكيكية.
نهاية الأدب ونهاية الذات
ويربط ميللر بين “الأدب” بمعناه الحداثي، وظهور مفهوم “الذات” أو “النفس”، بوصفها فاعلًا “مركزيًّا” واعيًا في فكر الحداثة، سواء أكان ذلك في صورة “الكوجيتو” الذي وضعه ديكارت، أو “الهوية والوعي والنفس” عند جون لوك، أو مفهوم “الأنا الأعلى” عند فيخته، أو “الوعي المطلق” عند هيجل، أو “الأنا”، بوصفه فاعلًا في تحقيق إرادة القوة عند نيتشه، أو “الإيجو”، بوصفه ممثلًا للجانب المركزي من جوانب النفس، عند فرويد… إلخ.
وهذه “الفواعل” ذات الموقع المركزي، نُظِر إليها من قِبل التفكيكيين بوصفها مشكلة يجب التوجه إليها ومساءلتها، ومن ثم مساءلة الأدب وتفكيكه من هذه الزاوية، أي من زاوية الزعم بأن الأدب تعبير عن “ذات”، وهو الأمر الذي يجعل ميللر يُجهِد نفسه في التشكيك في إمكانية استمرارية الأدب وبقائه، من وجهة ارتباطه بهذا المفهوم الحداثي لمركزية “الذات”.
ويعلل لذلك بأن معظم تلك الملامح والظروف المتعلقة بالتطور التكنولوجي (الصناعي)، التي تجعل الأدب الحديث ممكنًا، تمر بتغيرات جذرية حادة، مرتبطة بالدخول في عصر ما بعد الصناعة، وبتسارع غير مسبوق تاريخيًّا، كما أن بعض هذه الظروف قد صار موضع مساءلة وتشكيك؛ فمثلًا لم يَعُد لدى الناس اليوم ما كان لديهم في السابق مِن يقين بشأن “وحدة الذات وثباتها”، كما لم يَعُد الناس موقنين من كون الكاتب يمثل المرجعية الموثوقة التي يمكن الاطمئنان إليها في تفسير وشرح الوقائع الحياتية.
ولذا، فقد وضع ميللر سؤال (ميشيل فوكوه) عمّا “عسى المؤلف أن يكون”، وكذا مقال رولان بارت الشهير: “موت المؤلف”، بوصفهما ممثلَين لطور النهاية لتلك الرابطة التقليدية بين الأعمال الأدبية ومؤلفيها، بوصفهم ذواتًا تتسم بسمات محددة، أو حتى أنهم يُعَدّون أشخاصًا حقيقيين، مثل وليم شكسبير أو فرجينيا وولف الحقيقيين مثلًا، فلقد أسهم الأدب نفسه في تشظي الذات.(66)
بالإضافة إلى ذلك فإن الأدب، وقد ازدهر بقوة مع ظهور الدولة القومية، وما تميزت به تلك الدولة في ذلك الحين مِن التمتع بقدر كبير مِن التماسك والاستقلال والتكامل، فإن كل ذلك يمكن أن يكون في طريقه إلى التراجع في أيامنا الراهنة، نظرًا لِمَا فرضه واقع العولمة وثورة الاتصالات والمعلومات مِن ظروف أفضت إلى إضعاف دور هذه الدولة، وأزكت واقع التعددية الإثنية والثقافية بها، كما أن هذا الواقع الجديد قد فاقم مِن إمكانية اختراق الحدود الثقافية لتلك الدولة بسهولة أكبر مِمّا كان الأمر عليه في الماضي، ويضرب ميللر مثالًا على تراجع قوة وتماسك الدولة القومية وتأثيرها على الأدب، بالأدب الأمريكي الذي تُكتَب نسبة ليست هينة من نصوصه في أيامنا هذه بعدة لغات، منها: الإسبانية، والصينية، والفرنسية، والعبرية، ولغات السكان الأصليين… إلخ. كما تشتمل الأعمال المكتوبة بالإنجليزية بلهجات الأقليات العرقية، مثل أدب الأمريكان من أصول إفريقية، أو آسيوية، أو غيرهم من ذوي الأصول المختلفة، فضلًا عن أن الأدب بصورته الرقمية الآخذة في الاتساع يؤثر بقوة في مفهومه ووظيفته بما يجعل منه أدبًا آخر.(67)
ولكن لا يَثبُت ميللر -كدأبه- على فكرة نهاية الأدب بالمعنى الذي نعرفه، تأسيسًا على فكرة تراجع قوة الدولة القومية، فيراجع هذا الموقف، ليُقِرّ مِن ناحية أخرى بأن: “الأدب خالد وعالمي”. (وسوف أعود إلى هذه النقطة بعد حين).
أدب من نوع مختلف
ولكن يبدو أننا قد استطعنا -في النهاية- العثور على تعريف للأدب عنده، بعد سياحة مُطوَّلة بين طرح الأفكار ونقضها، فيرى (ميللر) أن الأدب هو: “استخدام محدد للكلمات أو العلامات (أيًّا كان نوعها) التي توجد في أي ثقافة إنسانية في أي زمان”.(68) بيد أنه لم يوضح طبيعة هذا الاستخدام ولا حدوده الجامعة، ففي شرحه لهذا التعريف، يُميِّز الأدب بأنه يحمل مستويَين من الدلالة:
المستوى الأول: هو “استخدام محدد للكلمات والعلامات”، أي بوصفه “مؤسسة ثقافية، بالمعنى الغربي” لكلمة (أدب)؛ إذ تشير كلمة “مؤسسة” إلى وجود عملية ترسيخ وتكريس قد حدثت عبر أزمان أسّست لهذه العملية من حيث طريقة رصف الكلمات وبناء العلامات، على النحو الذي أضحت به مُمثِّلة لنوع من التقاليد المَرعية والمهيمنة، التي بموجبها استقرت هذه الدلالة (أدب).
أما المستوى الثاني: فهو المتمثل في قابلية الحروف و”العلامات الأخرى” لأن تكون أدبًا في أي مكان في العالم.
(ولا أدري حقًّا ما المقصود بهذه “العلامات الأخرى”، وهل هي شيء آخر غير التي تُنبِئ عنه الحروف والكلمات؟)، ربما يقصد الصورة مثلًا، وإذا كان الأمر كذلك، فهل يمكن أن ينتسب ذلك إلى الأدب؟
على أي حال، فإن كلام ميللر يعني إمكانية وجود نوع (أو أنواع أخرى) من الإنشاء اللغوي، (أو غير اللغوي)، يمكن أن يُسمَّى أدبًا، أو ينتمي على نحو معين لأحد أجناس الأدب.
وفي إطار هذه المحاولة للتعريف بالأدب، يقوم ميللر بالتركيز على ما يسميه “القدرة الاستثنائية للكلمات، في الإشارة إلى شيء ما في غيابه”.(69) سواء أكان هذا الشيء حقيقيًّا أو مُختلقًا، وهنا تكمن قوة الكلمات وأثرها “السحري” البالغ، خصوصًا في حالة غياب الشيء الذي تشير إليه، بما يجعل منها كيانًا مُتمتعًا بقدرة هائلة على خلق أناس يمتلكون شخصيات وطبائع متفردة، وأشياء، وأماكن، وأفعالًا، وأحداثًا… إلخ.
ويبدو أن النماذج المستمدة من أعمال فرانز كافكا ذات الطابع الفانتازي، ومن أعمال مالارميه ذات الطابع الشعري المجازي، هي التي تقف وراء هذه التأملات التي يسوقها ميللر، وتجعله يرى أن الأدب هو ذلك الكيان القادر على أن يخلق واقعًا افتراضيًّا مُتخيَّلًا بسهولة شديدة، من دون الوضع في الاعتبار باقي الأعمال الأدبية التي لا تنحو هذا المنحى، مثل الاتجاهات الواقعية مثلًا، ولعل هذا الفهم على التحديد هو الذي أوصل ميللر إلى ما يمكن أن يُمثِّل تعريفًا على قدر أكبر مِن الاكتمال، على الرغم من خصوصيته بالطبع، من حيث كونه منتميًا إلى التحليل التفكيكي، حين يقول إن الأدب “ليس محاكاة لواقع قائم سلفًا، بل على العكس، الأدب هو خلق عالم جديد مكمِّل للعالم الموجود فعلًا واكتشافه، عالم فوق العالم، أو واقع يتجاوز الواقع، هذا العالم الذي يخلقه الأدب هو إضافة للعالم الأصلي، إضافة لا تحل محله بل تُكمِله، إن الكتَاب هو غازل محمول للأحلام، أو غازل أحلام تحمله في جيبك”.(70)
وإذا اعتبرنا أن هذا هو التعريف النهائي، فإن ميللر هنا يُميّع مفهوم الأدب، بحيث إنه لا يعني به أكثر من:
- “استخدام محدد للكلمات”.
- “قابلية الحروف لأن تكون أدبًا”.
- للكلمات “أثر سحري يتمثل في قدرتها على استحضار أشياء غير موجودة”.
وهي أحكام تشمل كل ألوان القول، ولا تخص الأدب وحده. تمامًا كما ميَّعه مِن قبل جاك دريدا، ومزجه بغيره من النصوص، خصوصًا النصوص الفلسفية، وهذه الطريقة في فهم الأدب عند ميللر إنما تمثل شرحًا تبسيطيًّا لِمَا قدمه دريدا، مستعينًا بـ(بلانشو) في مقاله المشار إليه آنفًا “القوة والدلالة”، من حيث الإشارة إلى أن قوة الكتابة تكمن في:
- قدرتها على تحرير المعنى من ملابسات السياق المباشر.
- تحويله إلى أفق يمتلك إمكانيات غير متوقعة.
- أن الكتابة ينبغي أن تكون متحررة من التصورات الأداتية عن اللغة، لأن ما تقوم عليه تلك الكتابة إنما هو تعليق الإحالة المباشرة.
فكلما تحررت الكتابة من كونها علامة إشارية أو أداة تواصل، فإنها تتمكن -حسب تيموثي كلارك- من أن “تقول ما تكونه العلامة من دون دلالة، عبر إحالتها (الكتابة) إلى نفسها فقط”.(71)
فالكتابة عندما تتحرر من وظيفتها الإشارية -حسب هذا الطرح- تصبح قادرة على استبدال الإشارة إلى الشيء بالإشارة إلى ذاتها، وبناء على ذلك تصبح الكتابة الأدبية التي تقوم تحديدًا على هذا التحرير للغة، هي كتابة “اللاشيء”، أو “العدم”، لذلك فإن دريدا يذهب إلى القول إن الكتابة تولَد “شأنها شأن اللغة عبر علاقة جوهرية باللاشىء”، وبالتالي فإن الفكر الأدبي هو فكر ذلك العدم الذي يسميه: “اللاشيء”.(72)
ويحتل مفهوم “الكتابة” هنا موقعًا صريحًا، بديلًا عن مفهوم الأدب فيما يسميه بارت بـ”نقد نزعة التمركز الصوتي” المميزة للميتافيزيقيا الغربية، التي أُشير إليها آنفًا، لأن “الكتابة” -حسب هذا المنظور- إنما ترتبط أساسًا بتصور يناهض استخدام اللغة بوصفها “أداة”، فهذا الاستخدام التقليدي للغة (بوصفها “أداة”) هو ما يُوقِعها في نزعة التمركز الصوتي، تلك التي تقوم التفكيكية على مهمة تقويضها.
ويترتب على هذا التخلي عن الوظيفة “الأداتية” (نسبة إلى أداة) للغة كثير من المسائل التي تتعلق بطريقة وجود النص الأدبي، من رؤى ومفاهيم ومعانٍ، وصولًا إلى ما يسميه دريدا بـ”اللغة الصافية أو الخالصة”.(73)
وتنطلق هذه اللغة الصافية أو الخالصة من أن “الفعل الأدبي” إنما ينبع في المقام الأول مِن “إرادة الكتابة”، أو الرغبة الخالصة في تحقيقها، وبالتالي فإن تلك الإرادة إنما تتضمن إقرارًا بالمسئولية تجاه تحقيق ما يسميه: الكلام “الخالص” أو الكلام “الصافي”، الذي من الطبيعي أن تنتجه “اللغة الخالصة”، أو “الصافية”.
وهذا الأمر لا يعني في النهاية سوى أن الأدب كلام “لا يمكن التفكير به في استقامة جوهره” (تلك العبارة استعارها دريدا من هايدجر)، “ولا انطلاقًا من طبيعته بصفته علامة ولا حتى انطلاقًا من طبيعته بصفته دلالة”.(74) ولا يمكن أن نفهم المقصود من إطلاق صفتَي: “الصافي”، و”الخالص”، ومِن إطلاق سمات الافتقار إلى “استقامة الجوهر”، وانتفاء “العلامة” و”الدلالة”، سوى أن هذا النوع من الكلام الذي تُعِدّه التفكيكية أدبًا، إنما هو كلام مفتوح على المطلق واللانهائي، كلام مؤجل الدلالة ولا ينطوي إلا على ألعاب تهويمية، ينبغي لها ألّا تُفضِي إلى شيء محدد.
إساءة الفهم
وإذا استعدنا الحديث السابق عن مفهوم “الأثر”، الذي يعني الحضور والغياب، والتحقق والانتفاء، في الآن نفسه، فلربما نجد نوعًا من المطابقة بينه وما يقصد به من ذكر “الكتابة الأصلية” أو “الخالصة”، ولعل هذا المعنى يتسق مع ما ذكره ليتش نقلًا عن بول دي مان، من أن “خصوصية اللغة الأدبية تكمن في القراءة الخاطئة والتفسير الخاطئ”.(75)
والمقصود بـ”القراءة الخاطئة” هو تلك القراءة المبنية على البحث عمّا يسعى النص إلى إخفائه، وليس على ما يُصرِّح به، وعمّا لا يريد البوح به، وكذلك فإن “التفسير الخاطئ” هو محاولة رؤية الجانب الآخر المسكوت عنه، أو الكامن في الرؤية المطروحة، فالهدف الأساسي من كل ذلك هو العمل على تدمير الدلالة والقضاء على المعنى، عن طريق تقديم قراءات ذات طابع افتراضي، مغاير لما يسعى النص إلى طرحه.
وهو ما يُسفِر عن الهدف النهائي الذي تسعى إليه التفكيكية، والذي صُرِّح به على أكثر من صعيد، ألَا وهو الوصول إلى “تقويض مفهوم الفن وقيمة الجمال”، اللذين يتميز بهما “الشيء الأدبي عمومًا، عن المكتوب عمومًا”، حسبما يواصل دريدا في باقي الاقتباس السابق.(76)
إن النهج الفلسفي الذي اختطه دريدا في معظم إنتاجه الفكري، والذي حاولتُ شرحه والدخول إلى مراميه في الصفحات السابقة، إنما يتماس (هذا النهج الفلسفي) مع المفاهيم والتصورات المتعلقة بالأدب من زوايا عديدة:
أولها: أن أفكار التفكيكية تتعارض -على نحو بيّن- مع التصور المستقر والمتعارف عليه بالنسبة للأدب، خصوصًا من جانب دلالة مفهومه الغربي، من حيث قيامه على وظيفة الإبانة، والتقريب، والإيضاح، والتعبير… إلخ.
ثانيها: أن المشكلة الرئيسة التي تواجه “الأدب” -من وجهة نظره- تكمن في أن المطلوب منه أن يشير إلى ما يرى أنه “ينفصل عنه بالفعل”، أو عمّا “يعمل بلا كلل على تدميره”، علاوة على عدم الاكتفاء بمجرد “الانفصال” عنه.
وهذا ما يقر به ليتش عينه، من أن التفكيكية بوصفها صيغة لنظرية النص، إنما “تقوم(68) بتخريب subverts كل شيء في التقاليد تقريبًا، وتُشكّك في الأفكار الموروثة عن العلامة واللغة والنص والسياق والمؤلف والقارئ ودور التاريخ وعملية التفسير وأشكال الكتابة النقدية”.(77) فهي تعمَد مباشرة إلى ما أسماه أمبرتو إيكو “إساءة الفهم”.(78)
وفي النهاية، يرى ميللر أن “الأعمال الأدبية لا تُحيلنا إلى العالم الحقيقي الواقعي، لكن إلى عالم بديل موجود وقائم بذاته”.(79)
ومن البديهي أن نصل -تبعًا لِمَا سبق- إلى القول إن هذا العالم البديل الموجود والقائم بذاته، إنما هو عالم “شبحي” (طيفي)، (سيأتي الحديث عن “الشبحية”، بوصفها خصيصة تفكيكية وما بعد حداثية، في الفصل الثالث من هذا الكتاب) عالم افتراضي، فوق واقعي. وأن لهذه العوالم (فوق الواقعية) قدرة لا ينبغي الاستهانة بها، حسبما يقول ميللر.. “على تكوين أفعالنا التي نمارسها وتحديد أحكامنا التي نصدرها في العالم الحقيقي، ولا يُشترط أن يكون تأثيرها علينا وعلى أحكامنا إيجابيًّا بالضرورة، وعادة ما يُرضِي الإنسان حاجته إلى دخول عوالم خيالية بصورة أو بأخرى”.(80) ويعبّر ميللر بتأكيده هذا الانفصال بين الأدب والواقع، عن قناعة دريدا المبثوثة في أكثر مِن موضع من أعماله، فهذا الانفصال هو عين ما تهدف إليه التفكيكية، بوصفها فكرة متعالية، تحاول -شأن البنيوية (وقد أشرت إلى هذا من قبل) وباقي ألوان الفكر البرجوازي الغربي الحديث والمعاصر- نزع الإنسان من سياقاته الاجتماعية والتاريخية التي يؤثر فيها ويتأثر بها، بمَا يخالف ما تبناه أصحاب المنهج الاجتماعي.
نقد التفكيكية
لقد حققت التفكيكية قدرًا هائلًا من الاهتمام وتمكنت من إثارة المناقشات حول أطروحاتها، بحيث أصبح بحث جاك دريدا، المشار إليه آنفًا (البنية والعلامة واللعب)، بمثابة أحد أهم المؤشرات على بداية انحسار المد البنيوي الذي هيمن على الفكر الغربي على مدى يناهز نصف قرن من الزمان، وأصبح لها مناصرون أقوياء في الفكر الغربي، مثل بول دو مان، وجوفري هارتمان، وهيليس ميلر، وهارولد بلوم، وغيرهم كثيرون.
بيد أنه مثلما كان للبنيوية نقادها والرافضون لها، فلقد ظهر للتفكيكية، أيضًا، نقادها والرافضون لها، وهم أولئك الذين كالوا لها الاتهامات ووضعوا في طريقها الأسئلة، سواء من زاوية الفلسفة التحليلية، أو من زاوية الفكر الماركسي؛ فقد خصص المفكر الفرنسي من أصل تشيكي (بيير زيما) كتابًا اتخذ من نقد التفكيكية موضوعًا وحيدًا له، بعنوان: “التفكيكية-دراسة نقدية”.(55) إلى جانب عدد كبير من المفكرين المعتبرين، مثل: بيير بورديو، وتيري إيجلتون، ورودولف كارناب، ورايل… وغيرهم.
فلقد اتجه زيما -على سبيل المثال- إلى القول بأن التفكيكية تعاني من افتقار فادح للتفكير الجدلي والتاريخي، فيقول:
“إن دريدا وأصدقاءه يظنون أنهم يميزون في كل النصوص مآزق منطقية أو آليات (مغلوطة)، ولا يدركون إلى أي حد يُسقِطون بناءات وراء مقالاتهم metadiscours على النص المُحلَّل (هكذا في النص المترجم، والمقصود أنهم يطرحون نصوصهم المسبقة على النص موضع التحليل)، إنهم يُعيدون هكذا إنتاج بعض اللوغو -مركزية”.(56)
فالناقد التفكيكي يقوم بتشييد نص جديد، يرتكز بدوره على مركزية اللوجوس التي يهدف إلى نفيها وتقويضها على التحديد، وهو في ذلك لا يختلف كثيرًا عن نقد جريماس البنيوي الذي يحول النص الذي يقوم بتحليله إلى النص الذي يقوم بـ”اختراعه”، ولعل تلك هي النقطة ذاتها التي سيقت من قِبل التفكيكية في معرض نقدها للبنيوية، (على النحو الذي تم ذكره قبل قليل).
بالإضافة إلى ذلك، فإن الناقد التفكيكي عندما يذهب إلى القول بأن كل النصوص “مأزومة”، بما ينتهي به إلى ضرورة تفكيكها، فإنه ينزع عنها أية أبعاد تاريخية أو اجتماعية، تمامًا، كما يفتقر دريدا في تحليله، ذاته، إلى تلك الأبعاد.
وينتهي بيير زيما إلى القول بأن تنوع النصوص وتغاير سياقاتها التاريخية يجعل الافتراض القاضي بكونها مأزومة أمرًا غير قابل للتصديق على نحو مطلق.(57) ومن الواضح أن زيما ينطلق هنا من المفاهيم والمرجعيات النظرية للفكر الماركسي، الذي هو بطبيعته فكر مادي جدلي يضع الظاهرة الأدبية (والثقافية بصفة عامة) ضمن السياق التاريخي الاجتماعي، كما سبق التوضيح.
واتساقًا مع هذه الوجهة ذات المرجعية الماركسية، جاء نقد تيري إيجلتون للتفكيكية. إذ يرى أنها تقضي على الأمل في الفهم والوعي، بنقدها الجذري لمفهوم “الذات”، خصوصًا الذات بمعناها التاريخي (the subjective agency)، القادرة وحدها على النضال على المستوى السياسي، أكثر من مجرد تعاملها مع المستوى النصي، وأن التفكيكية تحارب -في الحقيقة- ضد المنظومات الأيديولوجية، وتسعى إلى هدمها.(58)
ونستخلص من كلام إيجلتون أن التفكيكية تضرب في الصميم كل الأفكار التي تشاركها العداء للأفكار الميتافيزيقية ذاتها، كما أن التفكيكية تُقِيم “مركزية اللوجوس”، في الوقت ذاته الذي تريد فيه هدمها. كما نلاحظ في كلام إيجلتون ما يؤكد تصوره حول أن التفكيكية تسعى جاهدة إلى تمييع كل المفاهيم والمعاني، وتعمل على هدم كل ما هو قائم ومستقر. كما أنها تناور بفكرة الهدم والتفكيك، بمعنى أنها تطرحها على المستوى النظري الظاهري، لكنها في حقيقة الأمر لا تبغي هدم أيٍّ من البنى البرجوازية القائمة، بل إنها لا تهدف إلّا إلى محاولة إيقاف التغيير الاجتماعي، والتعمية على أدواتها المستخدمة في سبيل تحقيق ذلك.
من ناحية أخرى، ترى (كاتي) ويلز أن التفكيكية إنما هي “حركة ذهنية رجعية في الفلسفة ونظرية الأدب”.(59) وأظنها لا تقصد بصفة “الرجعية”، في نعتها للتفكيكية، معنى سياسيا. بل تشير الى كونها تُمثّل نوعًا من التراجع عن المنجزات التاريخية التي حققتها مفاهيم “العقل” و”العلم”، بوصفها مفاهيم إستراتيجية في المسار “التقدمي” (بمعنى التطور الفكري والمعرفي الذي أنتجته تلك المفاهيم)، في المسار التاريخي لتطور لحضارة الأوربية. وكذلك من حيث إنها لا تُعين على إيجاد فهم واضح لتعقيدات الوجود الإنساني، بل إنها تعوق إمكانية تحقيق هذا الفهم، والأكثر من ذلك، أنها تقوم بتعمية وتمييع وهدر هذه الإمكانية على وجه التحديد. ويُضاف إلى نقاد التفكيكية كلٌّ من بير بورديو، وكريستوفر نوريس، وآخرون.
وأرى أن التفكيكية لا تعدو كونها حركة عدمية تحاول نقض كل المفاهيم والقناعات المستقرة بدون الوصول إلى أية تصورات بديلة، بل إنها تناهض وجود هذه التصورات، بما يؤدي، عند الاستسلام لتصوراتها، إلى الإلقاء بالوعي الإنساني في عراء اللامعنى واللاوجود. وهو الأمر الذي يُمثّل خطوة كبيرة إلى الخلف في مسار التراجع عن النزعة العلمية العقلانية المنضبطة، والمنطلقة من الوعي بقابلية كل لاتفاصيل العالم والوجود للمعرفة، وقابلية كل المشكلات للفهم وتقبل الحلول. ونحن في غنى عن الإشارة الى أن تلك “النزعة العلمية العقلانية” هي التي بُنيَت على أساسها الانطلاقة الحضارية العظمى التي حققتها الحداثة وقامت على أساسها حضارة العصر الحديث برمتها.
كما أن التفكيكية، بنهجها هذا، إنما تزيد من وطأة اغتراب الإنسان. بل إنها تصل به إلى حد “العدمية”، بما يضيف اغترابا جديدا الى الاغتراب الذي أوجدها النظام الاقتصادي والاجتماعي الرأسمالي، بتحويل كل شيء الى سلعة، بما في ذلك الإنسان نفسه، وتحويل الانسان الى مجرد ترس في الآلة المؤسسية العملاقة.
كما أنني أرى أن ذيوع التفكيكية، والاحتفاء بها في الأوساط الأكاديمية الغربية، إنما يُعَد تعبيرًا عن أزمة العقل الغربي المرتبط بالنظام الاقتصادي الرأسمالي في طوره المتأخر. تلك الأزمة المتمثلة في عجز هذا النظام عن إيجاد حلول منطقية وعقلانية لاحتياجات وأسئلة البشرية في عصر الرعب النووي والتغول المرعب لآليات الاستغلال والاحتكار والقهر الاستعماري. ناهيك عن تحديات عصر الثورة التكنولوجية والمعلوماتية الصادم.
وذلك، على التحديد، هو ما يجعل التفكيكية بذاتها فكرة مأزومة منذ لحظة ميلادها، لأنها تنطلق من الاعتراف بعجزها الهيكلي عن تقديم منجز معرفي مستقل، بدلًا من الاكتفاء بمجرد نقض الأفكار والمسلمات اليقينية السابقة عليها. والمباهاة بالعجز عن تقديم ما يمكن أن يساعد العقل والوعي البشريَين على حل أزماتهما، على نحو إيجابي. بل إن عملها يقتصر على هذا النقض والهدم، وهو ما لا يُعَد إنجازًا بأي حال. بما يجيز لنا القول بأنها فكرة مأزومة أفرزها واقع رأسمالي مأزوم.
……………………………….
(50) جاك دريدا، البنية والعلامة واللعب، ترجمة جابر عصفور، مجلة فصول، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، العدد 4، 2011، ص243.
(51) رامان سلدن، مرجع سابق، ص146.
(52) ترجمة كاظم جهاد، دار توبقال، الدار البيضاء، 1988 (رؤية تقوم على “التفكيك” decinstruction أو القراءة التفكيكية) الذي استوحاه من عمل “الميكانيكي” الذي يقوم بتفكيك الموتور! (انظر: الكتابة والاختلاف، ص58.
(53) الكتابة والاختلاف، مرجع سابق، ص 62-63.
(54) مقدمة كتاب دريدا: الكتابة والاختلاف، مرجع سابق، ص25.
(60) نقلًا عن بيير زيما، مرجع السابق، ص5.
(61) تيموثي كلارك، التفكيك والأدب، مرجع سابق، ص133.
(62) تيموثي كلارك، المعتمد الأدبي في التفكيك، ترجمة حسام نايل، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2011، ص201.
(63) انظر: نص مقال: القوة والدلالة، ضمن كتاب “الكتابة والاختلاف، مرجع سابق، من صفحة 131.
(64) انظر: دريدا، الكتابة والاختلاف، مرجع سابق، من ص144. وانظر: كذلك، جميل حمداوي، نظريات النقد الأدبي والبلاغة في مرحلة ما بعد الحداثة، شبكة الألوكة، شبكة الألوكة (alukah.net)ص34.
(65) ج. هيلليس ميللر، ما الأدب، ترجمة سمر طلبة، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2015، ص26.
(66) انظر: هيليس ميللر، عن الأدب، مرجع سابق، ص28 وما بعدها
(67) انظر: ميللر، مرجع سابق، ص29.
(68) ميللر، مرجع سابق، ص34.
(69) ميللر ص37
(70) ميللر، ص39-40
(71) تيموثي كلارك، التفكيك والأدب، مرجع سابق، ص134.
(72) انظر: تيموثي كلارك، التفكيك والأدب، مرجع سابق، ص135.
(73) جاك دريدا، نص القوة والدلالة، ضمن كتاب “الكتابة والاختلاف، مرجع سابق، ص145.
(74) دريدا، مقال القوة والدلالة، ضمن كتاب: الكتابة والاختلاف، مرجع سابق، ص145.
(75) فنسنت ب. ليتش، النقد الأدبي الأمريكي من الثلاثينيات إلى الثمانينيات، ترجمة محمد يحي، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2000، ص295.
(76) الكتابة والاختلاف، ص145.
(77) إبراهيم محمود خليل، النقد الأدبي الحديث من المحاكاة إلى التفكيك، دار المسيرة، عمان، ط4، 2011 ص115.
(78) هذه العبارة، نفسها، جاءت بمثابة العنوان لكتاب أمبرتو ايكو، إساءة الفهم، ترجمة ياسر شعبان، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2006.
(79) هيليس ميللر، مرجع سابق ص102.
(80) ميللر، مرجع سابق، ص107.
(55) صدر عن المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، 1996، وكذلك فعل جون أليس في كتاب مهم بعنوان: “ضد التفكيك” ترجمة حسام نايل، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2012.
(56) بيير زيما، مرجع سابق، ص158-159.
(57) بيير زيما، مرجع سابق، ص159.
(58) انظر: Terry Eglton – The function of Criticism From The Spectator to post –Structuralism، فرسو، لندن-نيويورك، 1984، ص99.
(59) نقلًا عن: ماهر شفيق فريد، ما وراء النص -اتجاهات النقد الأدبي الغربي في يومنا هذا، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، 2016، ص263.











