شهاب بديوي
القرى مليئة بالأساطير التي تتوارثها الأبناء جيلًا بعد جيل، ودائمًا ما يكون قاطنو القرى الفقيرة ذوي خيالٍ خصب، كأن الخيال يجنح بهم تعويضًا واحتجاجًا على واقعهم الفقير.
ومن هذه الأساطير التي كانت وما زالت تُذكر بجدية في القرى أسطورة الندّاهة. كبرنا على أحاديث الأجداد التي تحذّرنا منها، وتسرد لنا ضحاياها: كم رجلًا ذهب ولم يعد، وكم شابًّا أغوته الندّاهة بجمالها الفاتن.
ورغم أن كثيرًا منا اليوم قد يستنكر وجود مَن يصدّق حقًّا بهذه الأسطورة، التي قد تبدو طفولية بالنسبة للبعض، فإن الندّاهة تبقى أسطورة أشبه، في الخيال، بفكرة المسيح الدجال الذي يعرف الناس بقدومه آخر الزمان، ورغم معرفتهم بسوء نيته، فإنهم يرضخون له ويتبعونه!
معتمدًا على هذا المخيال الشعبي المتوارث، يبني جاد شاهين عالمه في «الترعة»؛ بحكاية شابٍّ توقِعه شهوته في السعي وراء الندّاهة، بعد أن يقع أسير جمالها الخاص جدًا. ومن هنا تبدأ حكاية جديدة، وينشأ الصراع بين الأم التي حذّرته كثيرًا من الاقتراب من الترعة، وبين الشاب المجذوب بما رآه وسمعه.
ذلك الخوف القاتل:
عالم جاد شاهين يُبطن أكثر مما يُظهر؛ إذ تُخبِّئ الصورة التي نراها الكثير من الحكايات؛ فهي صورة مثقلة بالمعاني الدفينة، ولذلك لا يحتاج أبطاله إلى حوار طويل أو مبالغة في الأداء. عالمٌ يكتفي بالصورة المعبِّرة؛ فكل شيء هنا يتوارى ليفسح المجال للصورة لكي تسرد هي الحكاية.
عند النظر إلى أعماله («الترعة» و«الخبيث»)، سنجد أن الخوف، بوصفه موضوعًا، يفرض نفسه على حكايات جاد شاهين وعالمه؛ إذ يحضر بقوة في «الترعة»، وكذلك في فيلمه الأخير «الخبيث». وليس مصدر الخوف هو محور اهتمامه، بل الخوف ذاته بوصفه مصدرًا، وما قد يرتكبه الإنسان بدافع الخوف، وكيف يمكن أن يتحول من مجرد استجابة لتهديد إلى قوة تدفعه إلى أفعال غير متوقعة. يبلغ هذا الخوف، أو الذعر، مداه مع النهاية، ليحدث مشهد صعب للغاية وغير متوقع.
فالخوف من المشاعر التي قد تكشف عن جوانب خفية في النفس البشرية؛ فلا يقتصر أثر الخوف على ما يخلّفه من مشاعر قلق وذعر، لكنه قد يدفع الإنسان إلى ارتكاب أفعال لم يكن ليتخيّل يومًا أنه قادر عليها، حين تتراجع قدرته على التفكير ويتقدّم غريز البقاء على ما عداها. وفي لحظات الذعر القصوى، قد تتبدّل أحكامه على الأشياء والأشخاص، ويصبح ما يراه سبيلًا للنجاة فعلًا لا يمكن التراجع عنه، حتى لو كان ثمنه حياة إنسان آخر.
لكن المأساة الحقيقية تبدأ حين تصبح النجاة نفسها موضعًا للشعور بالذنب؛ حين يجد الإنسان نفسه أمام اختيار لا يخرج منه منتصرًا، فإما أن يخسر حياته، أو ينجو على حساب شيء من إنسانيته. هنا لا يعود الخوف مجرد استجابة لخطر يهدد وجوده، بل يتحول إلى قوة ضاغطة تضعه في مواجهة نفسه، وتكشف له ما يمكن أن يفعله حين تُحاصره غريزة البقاء. والأسوأ أن النجاة لا تضع حدًّا للخوف بالضرورة، بل قد تكون بداية خوف آخر؛ خوف من الذاكرة، ومن مواجهة الذات، ومن احتمال أن يصبح الفعل الذي ارتكبه في لحظة ذعر هو ما يعرّفه/ أو مرآته التي يرى بها نفسه. وهكذا، قد ينجو الإنسان من الخطر، لكنه لا ينجو بالضرورة من ذنبه، ليصبح السؤال الأهم ليس عمّا إذا كان قد نجا، بل عمّا تبقّى منه بعد النجاة.
وهن الكتابة:
رغم ثراء الحكاية والعالم الذي شيَّده جاد، ورغم المفاجآت التي نلاقيها على طول السرد، فإننا لا نستطيع أن نغض الطرف عن ضعف الكتابة. فالسيناريو يبدو أنه فقد توازنه؛ فمع اعتماد الكاتب على لغة الصورة فقط، تبدو تفاصيل البناء مُهدرة، والشخصيات غير حاضرة بما يكفي. كأننا أمام صور باهتة لا تمتلك أبعادًا بعيدًا عمّا تُظهره أمامنا.
كذلك، نجد أن هناك آراءً تنتقد الشكل السردي الذي يختاره جاد هنا، ومن بعده كذلك في «الخبيث»، وهذا مفهوم، كوننا مجتمعًا ثرثارًا بطبيعته؛ يحتل الحوار المساحة الأكبر من يومه. ونحن هنا أمام شخصيات مكلومة، وإيقاع بطيء يُخلِّف وراءه ثقلًا في الإحساس بالزمن. قد يكون واضحًا لنا سبب اختيار المخرج لهذه اللغة، لكننا، كجمهور مصري، بات معظمنا متحفزًا أمام الأفلام التي تلجأ إلى الإيقاع البطيء، وتعتمد على لغة الصورة، ويكون الحوار فيها شحيحًا، كون هذه السمات باتت مشتركة في غالبية الأفلام المستقلة/الفنية. وستجد عند كل صانع مبرراته التي دفعته إلى هذا النمط من الحكي.
لكن ليست هذه، في الحقيقة، هي المشكلة، وإنما المشكلة هي أن الجمهور بات متحفظًا تجاه هذا النوع من الأفلام، كونه يراها صُنعت لتُغازل المهرجانات العالمية. ولكن، هل هذا حق أم باطل؟

السعي وراء العالمية:
هل هناك أفلام يرمي صُناعها قبل تنفيذها إلى وصولها إلى المهرجانات العالمية؟ وهل هناك خطة واضحة للوصول إلى المهرجانات؟ وكيف نحكم على العمل بأنه درب من دروب الاستشراق؟ ومتى نحكم أنه عمل أصيل؟
كل هذه أسئلة يجب استيضاحها لمعرفة مدى أصالة العمل السينمائي، وسنحاول خلال هذه الفقرة تقديم قراءة توضيحيه مختزلة عن هذه المعضلة التي باتت تواجهنا مع كل عمل نراه يثبت حضوره في المهرجانات العالمية.
وقبل الخوض في تفاصيل هذه المسألة، يجب أن نعترف أننا أمام سؤال مُلتبس؛ لأننا بين أمرين: أن يصنع المخرج فيلمًا قادراً من خلاله أن يتواصل مع جمهور من ثقافات مختلفة. وبين أن يصنع فيلمًا من أجل أن يجد مساحته في المهرجانات العالمية.
الأمرين مرتبطين، لكنهما ليسوا على نفس الخط. فهناك فارق بين من يبحث وراء مخاطبة الجميع، وبين من يبحث وراء فرصة عرض مضمونة داخل ساحة المهرجانات الكبرى. والفارق يتضح في اختيار الحكاية، والصراع الذي يقدمه خلال فيلمه، فالذي يسعى وراء مخاطبة جماهير مختلفة من أنحاء العالم؛ فلا يؤثر ذلك على طبيعة الصراع، والحكاية، وإن اثر في طريقة السرد. لكن من يسعى وراء ضمان وجوده في المهرجانات الكبرى فهو يختار مواضيع محددة يعرف جيًدا أنها تقع ضمن اجندة المهرجانات. وثم يتبع هذا الاختيار في كور الحكاية اختيارات في الطريقة والأسلوب والشكل. ومثالاً لذلك هو المخرج الإيراني “أصغر فرهادي”، بأفلامه التي تحظى باهتمام واسع عالميًا رغم كونها غارقة في المحلية.
أما عن سؤال هل هناك أفلام تُصنع، ويرمي صانعها من وراءها الوصول إلى المهرجانات العالمية. فنعم، وهذا يحدث كثيراً لأسباب مختلفة؛ فهناك من يرى في ذلك إثبات ذاته، وهناك من يبحث عن الجوائز المالية.، وهناك من يبحث عن فرص الإنتاج للأعمال القادمة.
وعن سؤال: هل هناك خطة/لغة/وصفة مضمونة للوصول إلى العالمية؟
فنعم، ثمة سمات مشتركة يمكن ملاحظتها في قطاع من الأفلام التي تصبح مؤهلة للمشاركة في المهرجانات السينمائية الدولية؛ سمات تتكرر بدرجات متفاوتة، من بينها الإيقاع البطيء الذي يُستدعى كثيًرا بوصفه علامة على العمق، والأداء التمثيلي المقتصد الذي يتجنب الانفعالات الصريحة، والحوار الشحيح الذي يفسح المجال للصورة كي تتصدر عملية السرد، بما يجعل الفيلم أقل ارتهانًا للغة المنطوقة وأكثر قابلية للتفاعل معه عبر ثقافات مختلفة.
فبينما تميل الدراما الجماهيرية، وخاصة تلك الموجهة إلى جمهور محلي شديد الخصوصية، الدراما الرمضانية مثالا، إلى المبالغة في التعبير عن الانفعالات وتأكيدها، مستندةً إلى أنماط أداء مألوفة لدى جمهورها، نلاحظ في قطاع من الأفلام المستقلة أداءً محسوبًا، يقتصد في التعبير ويترك مساحة لما لا تقوله الشخصيات صراحةً. وإذا كانت المبالغة الانفعالية في بعض الدراما التلفزيونية تستهدف استثارة تعاطف المشاهد وتوجيه استجابته العاطفية، فإن الأداء المقتصد يراهن، في المقابل، على أن يشارك المشاهد في استكشاف الحالة النفسية للشخصية، بدلًا من أن يتلقى تفسيرًا جاهزًا لها.
كذلك، يحضر الحوار في هذه الأفلام بقدر محسوب، فيما تتولى الصورة، بما تحمله من تكوينات ومسافات وحركات وإيماءات وصمت، جانبًا أساسيًا من عملية السرد. ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد تفضيل جمالي، بل يمكن النظر إليه أيضًا بوصفه وسيلة لتوسيع نطاق التلقي؛ فكلما تراجعت هيمنة اللغة المنطوقة، ازدادت إمكانية تفاعل مشاهدين ينتمون إلى خلفيات لغوية وثقافية مختلفة مع التجربة السينمائية.
غير أن تكرار هذه السمات يطرح سؤالًا نقديًا/ إشكالياً يسعى إلى محاولة فهم دوافعها: فهل تنبع هذه السمات من ضرورة فنية تفرضها طبيعة الفيلم، أم أنها تحولت، إلى ما يشبه جمالية مضمونة يُستعان بها لإضفاء طابع من العمق والرصانة على العمل، ولجعله أكثر قابلية للاختيار من قبل المهرجانات العالمية؟
الخاتمة:
لا يمكننا الجزم بنيّة الصانع من وراء صناعته للعمل، خاصةً عند كتابة مقال نقدي. يمكن التجاوز عن هذا الحكم في جلسة خاصة أو حوار بين صديقين، لكن في المقالة النقدية يجب التزام الحياد.
لكن ما في أيدينا هو الحكم على التجربة كاملة، ونحن هنا أمام فيلم جيد على مستوى الصورة والفكرة، ولدى المخرج شجاعة واضحة في اختيار العالم الذي يحكي عنه، والموضوع، والشكل. لكن كل هذا يفقد بريقه أمام كتابة ضعيفة تُفسد علينا الانغماس في العمل.
فالمشكلة ليست في أن يختار المخرج إيقاعًا بطيئًا، أو أن يمنح الصورة مساحة أكبر من الحوار، ولا حتى في أن يصنع فيلمه وهو يضع المهرجانات نصب عينيه؛ فهذه كلها اختيارات لا يمكن الحكم عليها بمعزل عن السياق الذي تأتي فيه، ومدى قدرتها على خدمة الحكاية. المشكلة تبدأ حين تتحول الاختيارات الفنية إلى غايات، وحين يصبح الشكل، مهما بلغت درجة إتقانه، عاجزًا عن منح الشخصيات عمقًا كافيًا، أو جعلنا نؤمن بما تمر به. وفي النهاية، لا نغلق المقالة دون الإشادة بما تحمل التجربة من طموح فني واضح خاصة أن هذا العمل هو الأول لمخرجه.
……………………..
(*)تم عرض الفيلم ضمن مسابقة La Cinef لأفلام الطلبة القصيرة بمهرجان كان، وهي مسابقة خاصة بأفلام طلبة معاهد السينما حول العالم، وهي جزء من الاختيارات الرسمية للمهرجان).



















